على مسؤوليتي
مونديال قطر و ديبلوماسية الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
نشرت
منذ 3 سنواتفي
بواسطة
حسن لمزالي
وضع اليوم الأحد ليونيل ميسي حدًا لسطوة فرنسا ومحاولة رئيسها “الاستيلاء” على كأس العالم، بعد هزيمة بلاده أمام الأرجنتين.
وكان المغرب قد لعب أول أمس، السبت مباراة الترتيب، التي وضعته في المركز الرابع بمونديال قطر 2022، وبذلك أصبح المغرب يصُنف عالميًا في الرقم 11 ضمن لائحة كبار المنتخبات، وهو ما من شأنه الرفع من حصة افريقيا من حيث عدد المنتخبات المشاركة المؤهلة للنهائيات.
ورغم خروج المغرب من المونديال يوم واحد قبل نهايته، لم يحس المغاربة بوقع الهزيمة بقدر إحساسهم بالفخر والاعتزاز، اللذين غمرا كل بيت، لأنه لم يقبل مغربيٌ بما كتبه أسطورة كرة القدم كريستيانو رونالدو من أن انهزامه أمام أسود الأطلس، وانهزام بلاده البرتغال، بطلة أوروبا السابقة، أمام المغرب في مونديال قطر، كان مسألة قدر ليس إلاّ. كما لم يستسغ أحد ما قاله الإسبان من كون إقصاء الأسود للماتادور من المونديال هو ضربة حظ فقط.
هل يقبل عقل أن يكون حظا أو مفاجأة تأهل المغرب لنصف نهائي كأس العالم، كإنجاز تاريخي هو الأول من نوعه عربيا وإفريقيا، فيما غادرت مونديال قطر 2022 كل من البرازيل، الأوروغواي، كندا، فضلا عن بلجيكا، ولوكسمبورغ، وألمانيا، وهولندا؟!
هل منطقي أن يحضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصيًا مباراة المغرب-فرنسا، ويُجلس إلى جانبه رجل الأعمال السويسري جياني إنفانتينو (Gianni Infantino)، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، في غيبة عن ممثل المغرب، وفي “تغييب” لمحتضن المونديال أمير قطر الشيخ تميم؟.
هل منطقي أن يَحرِم حَكمُ مباراة النصف النهائي، المكسيكي، “الذي غادرت بلاده المونديال”، المنتخب المغربي من ركلتي جزاء مُؤكدتين، دون العودة إلى تقنية “الفار”، التي اعتمدها كل حكام مونديال قطر في اتخاذ قراراتهم، ليتمكن هذا الحكم من التأكد من صحة ركلتي جزاء، وقد جرى هذا أمام أعين رئيس الفيفا وأعضاء مكتبه ولم يُحرك أحد منهم ساكنًا؟
إذن لما لا نجزم اليوم، بدورنا، أن الانتصار “القسري” للمنتخب الفرنسي على نظيره المغربي كان مخططا خبيثا، مدروسا بعناية فائقة، حيث اصطدمت الحسابات السياسية للدولة الفرنسية العميقة مع طموحات المغرب الكروية، في ظل استمرار تداعيات الأزمة الفرنسية المفتعلة مع المغرب، التي سببها الغاز الجزائري، والتي حاولت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا احتواءها بزيارتها للمغرب ولقائها بنظيرها ناصر بوريطة يومًا واحدًا بعد “فوز” بلادها على المغرب لإعلان نهايه الأزمة؟!.
كيف لا نعتبر اليوم أن أوروبا قامت بأبشع عملية ابتزاز كروي في العالم من خلال التهديد بالنبش في تفاصيل وخلفيات احتضان قطر للمونديال إذا ما فاز المغرب على فرنسا في مباراة نصف نهائي كأس العالم، بعدما فاز المغرب على دول أخرى كبلجيكا، التي شنت شرطتها حملة مداهمات واعتقالات يوما واحدا قبل المباراة، وبالضبط يوم الثلاثاء 13 دجنبر 2022، أدت إلى إقالة نائبة رئيسة البرلمان الأوروبي إيفا كايلي بتهمة تلقي رشوة من قطر…، كما انتصر الأسود على إسبانيا التي كانت استقبلت زعيم جبهة البوليساريو بجواز سفر جزائري مزور، فأخضعها المغرب بعد حرب باردة دامت سنة ونصف أدت لاعترافها بمغربية الصحراء، كما أبكى اللاعب يوسف النصيري، خرّيج أكاديمية محمد السادس، الدُون كريستيانو بعد هزم دولته البرتغال، فيما كانت أوروبا تتحسّر وهي تشهد، من جهة، كل يوم، إقصاء دولها من المونديال كألمانيا والدنمارك وصربيا وسويسرا وإنجلترا وبولندا…، وتراقب، من جهة أخرى، بصدمة وبذهول تأهّل المغرب لربع النهائي، وبعده للنصف، حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من المرور إلى النهائي؟!
كيف لا نصدق بدورنا اليوم تلك المنابر الإعلامية الأوروبية والأمريكية، التي زعمت أن دولا أوروبية “بزعامة” فرنسا التي كانت نائبتها الفرنسية مانون أوبري، وراء إقالة نائبة رئيسة البرلمان الأوروبي، وبذلك تكون البرلمانية الفرنسية قد أهدت ورقة استراتيجية مهمة لقصر الإليزيه للضغط على قطر وابتزازها عبر التهديد بالمُضي قدمًا في التحقيق في موضوع الرشوة، إذا ما فاز أسود الأطلس بالكأس..؟ أما الضغط على المغرب فما خفي كان أعظم؟!.
إذا كان المغرب “خسر” أمام فرنسا، بهذه الشروط “المُذلة” لها ولباقي دول الاتحاد الأوروبي العشرين، فإننا نحن المغاربة نعتبر أن المغرب لعب أحسن، واستحوذ على الكرة أكثر، وأن انهزامه وهو ومحروم من ضربتي جزاء مؤكدتين، لا يغيّر شيئا من معطى جوهري، وهو أن الفريق الوطني المغربي هزم كبار المنتخبات الأوروبية.
ولذلك، وعودة إلى “قدر” رونالدو، فإن توالي التكافؤ والنصر في الخمس مباريات المتتالية التي أجراها أسود الأطلس، يؤكد أن الأمر لا علاقة له بالقدر ولا بالمفاجأة ولا حتى بالحظ، وإنما بمسألة مهمة رصدها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، حين علّل، في تقرير له، أن هذا التطور هو نتيجة “السياسة الرشيدة للجامعة الملكية لكرة القدم”، واعتبر أكاديمية محمد السادس لكرة القدم هي “سر تألق المغرب في مونديال قطر 2022”.. مما أهّل المنتخب المغربي ليكون أول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى دور نصف النهائي، في تاريخ المونديال.
وإذا كانت أوروبا اليوم قد فعلت ما فعلته مع المنتخب المغربي للإطاحة به أمام الفريق الفرنسي، فإن بعض الدول من القارة الإفريقية، التي أضحت معدودة ومعروفة، وعلى رأسها الجارة الجزائر، سبق أن شنت حروبًا ضروسة على المغرب للحد من توسع دبلوماسيته في جميع المجالات، خصوصًا منها دعم كرة القدم المغربية، إلاّ أن السياسة الخارجية للملك محمد السادس وعودته القوية لإفريقيا، وجلوسه على مقعده في الاتحاد الإفريقي، رسميًّا يوم 30 يناير 2017، جعل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وبدعم من العمل الجبار لرجال الخفاء في جهاز المديرية العامة للدراسات والمستندات المعروف اختصارًا بـ”لادجيد”، أن تكون سباقة لصد تلك الحروب، ووضع حدٍّ لكثير من المواقف والممارسات، تماشيا مع نهج المغرب في الدفاع من داخل أروقة مختلف الاجتماعات على حقوق المغرب المشروعة ومصالحه الحيوية في كل المجالات، وفقا لتعليمات الجالس على العرش، التي تقتضي خوض المعارك أينما كانت، وألا يترك المجال أو الكرسي فارغا.
وهو ما جعل رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع يقتحم الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (كاف)، ويتقلد مجموعة من المناصب والمهام في العديد من الهيئات واللجان الكروية القارية والدولية، من بينها مهام النائب الثاني لرئيس “الكاف”، وصولا إلى آخر هذه المناصب بانتخاب لقجع عضوًا بمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، ممثلا عن قارة إفريقيا، وهو ما فسح للمغرب المجال للدفاع عن الكرة المغربية في المعتركين الإفريقي والدولي…
ولا أحد ينكر على لقجع، في هذا الصدد، أنه خاض ماراطونات من الاجتماعات والمبادرات والمسؤوليات حتى بات وجها لا مناص من وجوده في اتحادي كرة القدم الإفريقي (كاف) والدولي (فيفا)، وحتى أضحى يضرب الطاولة، بكل مسؤولية بإسم المغرب، وهو يعلن، لكل من يهمهم الأمر، أن “زمن الاحتكار والفساد الكروي، الذي هيمنت عليه بعض البلدان، وتمكنت بواسطته من الحصول على مجموعة من الألقاب، قد انتهى”.
هذه السياسة هي التي سجّلت الفارق، في المعتركات القارية والدولية، وساهمت في هذه المسيرة الرياضية المُوفقة لأسود الأطلس اليوم في مونديال 2022، مسيرة عرفت كيف تستدرك هزائمها وانكساراتها قبل حوالي عشرين سنة، وكانت الانطلاقة بالخطوة النوعية، التي سجلها الملك سنة 2007، بإطلاق “أكاديمية محمد السادس لكرة القدم”، التي باتت اليوم، بعد 15 سنة من العمل، منجما ذهبيا لتخريج جيل جديد من الأسود باتوا يشكّلون النواة الصلبة للمنتخب المغربي، وهو ما ظهرت إرهاصاته الأولى في مونديال روسيا 2018، لتبلغ ذروتها اليوم بالوصول إلى المربع الذهبي لمونديال قطر 2022.
وهذا المسار التطوري النوعي هو ما انتبه إليه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في تقريره المذكور أعلاه، الذي نشره موقعه الرسمي، الأسبوع الماضي، والذي أكد فيه أن “العديد من اللاعبين من خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم قادوا المغرب إلى هذا الإنجاز، أبرزهم عز الدين أوناحي ويوسف النصيري ونايف أكرد”. قبل أن يخلص التقرير إلى القول إن “المغرب أبهر العالم في قطر 2022. ولكن ذلك لم يكن أبدا وليد الصدفة، بل نتاج عمل وتخطيط مستمر منذ عقد من الزمن تقريبا.. والمؤكد هو أن المستقبل سيحمل الأفضل، خاصة مع انتقال المزيد من اللاعبين الشباب إلى الأندية الأوروبية خلال العامين الأخيرين”…
هذا جزء من “أسرار” الإنجاز المغربي، وهو عامل أساسي، تظافرت معه عوامل أخرى، من ضمنها الناخب الوطني وليد الركراكي ودوره المتميز في قيادة الأسود، فقد نجح “راس لافوكا”، كما يطلق على نفسه، في تمتين اللحمة بين أعضاء المنتخب المغربي، من خلال بناء علاقات سليمة ومتقدمة ومنفتحة ومفتوحة مع وبين اللاعبين، وإذكاء الروح القتالية من أجل رفع راية الوطن، وهو ما جسّده “وليدات الركراكي” بكثير من الامتياز والاستحقاق والجدارة، والدليل أن أسود المغرب وصلوا إلى نصف النهائي، ولعبوا بتفانٍ في مواجهة ديكة فرنسا أمام أعين العالم، التي شهدت ظلم التحكيم، وتخويف المنظمين.
في هذا المسار، هناك عامل آخر في وصول الأسود إلى المربّع الذهبي.. يتمثّل في “الأرض”.. لقد كان من حسن حظ المغاربة والعرب والأفارقة أن دورة المونديال الحالية تستضيفها دولة عربية لأول مرة في تاريخ كأس العالم، وبالذات دولة قطر، التي ترتبط قيادتها بالعائلة الملكية بأواصر متينة، لقد أصبحت صورة القيادة القطرية لدى المغاربة مصبوغة بكثير من الحميمية والامتنان والعرفان، فقد ظل أمير قطر، وأسرته الصغيرة، وكل القطريين، يجهرون بمناصرة المغرب، ويعلنون فرحهم عاليا مع كل انتصار للأسود، ويحملون العلم المغربي.
إذ لو أن هذا المونديال استضافه بلد أوروبي، ما كان سيسمح بحضور ذاك العدد الهائل من المشجعين المغاربة والأفارقة والعرب، إذ بالتأكيد سيفتعلون شتى العراقيل، لكن استضافة قطر أعطت للحضور المغربي نكهة أخرى، فيها الثقة والتشجيع، ليساهم الجميع في إعطاء صورة للعالم أجمع عن مغرب قوي خارج تلك المزاعم المسوّقة والأحكام المسبقة…، مغرب اقتحم مربّع الكبار، وغيّر معادلات اللعبة، ومعها معادلات قوة إقليمية ناهضة، تتجسد اليوم في شخص المدرب وليد الرگراگي، الذي رفع المشعل عاليًا، ولابد له أن يُبقيه عاليًا، وأن يعلم أن المسؤولين أمامه، والجمهور وراءه، ويجب أن يكون لمونديال قطر ما بعده، وأنه هو و”وليداتو” ليس لهم سوى النصر، والنصر، ثم النصر. سير سير سير.
* مراد بورجى
على مسؤوليتي
الدولة بين استمرارية الشرعية وتحدي التحول التكنولوجي
نشرت
منذ يومينفي
مارس 13, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
من حق أي حزب سياسي، كما من حق أي نظام سياسي، أن يتباهى بأصوله التأسيسية وأن يستند إلى ذاكرته السياسية في بناء شرعيته الرمزية. غير أن هذا الحق لا يعفيه من واجب التكيّف مع السياقات المتحولة التي يعيشها المجتمع والدولة. فالتاريخ يمنح الشرعية الأولى، لكنه لا يضمن شرعية الاستمرار.
ولهذا يظل سؤال شرعية الاستمرارية هو السؤال الحاسم في حياة الكائنات السياسية. فكل نظام أو تنظيم سياسي مطالب بأن يؤطر عملية تلاؤمه مع محيطه الثقافي ومجتمعه السياسي عبر تعاقدات صريحة أو ضمنية، وبوساطة تعبيرات سياسية وتوافقات مجتمعية حول جدوى بقاء الدولة وخلود الوطن. فالدولة لا تُصان فقط بالاستناد إلى الماضي، بل بقدرتها على تجديد تعاقدها مع المجتمع وإعادة بناء الثقة معه.
وفي السياق المغربي، لا يمكن الحديث عن استمرارية الشرعية دون استحضار التحول الذي دشّنته التسوية السياسية التي تُوّجت بتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة. فقد شكلت هذه اللحظة محطة مفصلية في إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وفي إعادة بناء الثقة على أساس الاعتراف بالماضي والعمل على عدم تكراره.
وقد تجسد هذا التحول في حزمة من الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية والسياسية والتشريعية، كان أبرزها على المستوى السياسي إرساء ضمانات عدم تكرار مآسي الماضي وتمثلات الاستبداد والفساد، والعمل على ترسيخ مبادئ الحكامة الأمنية، وتعزيز آليات عدم الإفلات من العقاب في إطار محاكمة عادلة وأمن قضائي يضمن الحقوق والحريات.
غير أن استدامة هذا المسار تظل رهينة بتحقق شرط جوهري يمكن تسميته بـ الانتقال الأمني على مستوى عقيدة الحكم. فالديمقراطية لا تقوم فقط على إصلاح القوانين والمؤسسات، بل تحتاج أيضًا إلى تحول عميق في الثقافة الأمنية وفي تمثل السلطة لوظيفتها داخل الدولة، بحيث يصبح الأمن في خدمة المجتمع لا مجرد أداة لضبطه.
وفي هذا الأفق، يبرز تحدٍ جديد فرضته التحولات العالمية المتسارعة، ويتعلق بمكانة التكنولوجيا في إعادة تشكيل أدوات الحكم وإدارة المجال الأمني. فبعد الاعتراف الرسمي بفشل النموذج التنموي الذي حكم خيارات الدولة لعدة عقود، برز الرهان على التطور التكنولوجي باعتباره أحد مفاتيح التحول الممكن. غير أن هذا الرهان لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إصلاح عميق للمنظومة التربوية والتعليمية القادرة على إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها.
لكن الإشكال يظل قائمًا عندما يميل العقل الأمني، بحكم طبيعته الاحترازية، إلى تفضيل استيراد التكنولوجيا واستعمالها أساسًا ضمن مقاربة أمنية، بدل الاستثمار في إنتاج المعرفة التي تجعل منها رافعة للتنمية والتحرر المجتمعي. فالتكنولوجيا في ذاتها ليست مشروعًا تنمويًا، بل أداة تتحدد قيمتها بحسب الرؤية السياسية التي تؤطر استخدامها.
ومن هنا تبرز أهمية الحذر من أن يتحول التحول التكنولوجي إلى مجرد تحديث لأدوات الضبط والمراقبة، بدل أن يكون رافعة لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. فالتكنولوجيا التي لا تسندها منظومة تربوية نقدية وثقافة حقوقية راسخة قد تعيد إنتاج اختلالات الماضي نفسها، ولكن بأدوات أكثر تطورًا وتعقيدًا.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من الترابط الأمني وتبادل المعلومات بين الدول، يصبح التعاون الأمني الإقليمي والدولي معطى لا يمكن تجاهله. غير أن هذا التعاون، مهما بلغت ضرورته في مواجهة التحديات العابرة للحدود، لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لإضعاف الضمانات الحقوقية أو لتجاوز الحدود التي يرسمها الدستور والقانون.
فالقوة الحقيقية للدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على الاندماج في شبكات الأمن الدولي، بل بقدرتها على تأطير هذا الاندماج ضمن شرعية حقوقية واضحة تجعل حماية الحقوق والحريات جزءًا من عقيدتها الأمنية، لا عائقًا أمامها.
وعند هذه النقطة يتضح أن سؤال التنمية وسؤال الأمن وسؤال الشرعية ليست قضايا منفصلة، بل أبعاد متداخلة في بناء الدولة الحديثة. فكما أن المستقبل لا يُبنى بتكنولوجيا مستوردة فقط، كذلك لا تُصان الدولة بشرعية الماضي وحدها. إن الضامن الحقيقي لاستمرارية الدولة في ظل خلود الوطن هو ترسيخ الشرعية الحقوقية باعتبارها القاعدة التي تضبط علاقة الدولة بالمجتمع، وتؤطر في الآن ذاته انخراطها في التعاون الأمني الإقليمي والدولي دون التفريط في جوهر الحقوق والحريات.
فالدول قد تبقى، والأنظمة قد تتغير، لكن الوطن لا يخلد إلا عندما تصبح الحقوق أساس الشرعية، والعدالة شرط الاستمرارية، والدولة في خدمة المجتمع.
* مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن
على مسؤوليتي
رمضانيات 2 : الإسلام نصا يقوم على الاختيار لا على الإكراه
نشرت
منذ يومينفي
مارس 12, 2026بواسطة
فريق الجديد24
طبعا لست “عالما ” ولا مؤهلا لإصدار فتاوى، سواء للمسلمين أو لغيرهم من رواد المعتقدات. لكن ربما كإنسان مكنه بعض التجوال المعرفي من لقاءات عرضية ثمينة، وبعد زيارات خاطفة في تاريخ الحضارات والأديان ، انتهيت – وهذا يحتمل الخطأ أيضا- إلى خلاصة أولية تعتبر أن هناك بالنسبة للمسلمين ما يشفع لدينهم بشكل خاص، وهذا يعني مشروعية ما في الحياة العامة لا في خلط الميادين والفضاءات.
لا يمكنني أن أنازع في وجوده المؤسسي والرمزي و”الطقوسي” والثقافي ضمن عصرنا الحالي ،وهذا لا يلغي الحاجة القصوى لتشذيب الكثير من الشوائب العالقة بالدين الإسلامي والتكلس المفرط للأصول لدي الكثير من المسلمين أيضا مما أعاق كثيرا فهمهم لأمور عصورهم حتى يومنا هذا, أعتقد ان للإسلام قرابة شديدة مع الحداثة ويتضمن نفحات زكية من الانفتاح والتحرر على الرغم من كونه تعرض للتسميم الشديد منذ البداية وعلى مر العصور لفائدة هيمنة سلط الاستبداد على المجتمعات التي وجد فيها .
على امتداد القرون عملت فلول المتسلطين بإصرار شديد على خصيه من الشحنة الطموحة التي ظل يحبل بها كي تجعل منه عقيدة تبرير للاستبداد والطغيان. لكنها لم تنجح في ذلك بل أدت فقط إلى جعل هوامشه وانفجاراته أكثر توهجا من أنويته المؤسساتية المكبلة ، احتفظ الإسلام بطبيعته المشاكسة الحية التي تكرم الإنسان سواء في النص القرآني أو في مختلف أنواع التراث العقائدي الإسلامي اجتماعيا وفكريا ، هاته اللازمة الثورية للدين الإسلامي في منحاها تجعله أقرب لأحلام وآمال الإنسانية اليوم وأكثر قرابة من الحداثة وإرهاصاتها.
يبدأ هذا التقارب في توافر نصوص قرآنية صريحة في شموليتها إزاء موضوع حرية الاعتقاد ذاته ،”لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ…”سورة البقرة الآية 255.على الرغم من كون هذه الصيغة تبدو في شبه غربة ضمن تاريخ لم يتوقف فيه سيل الدماء لفرض عقيدة أو رأي ما بالعنف والإكراه، ثم نجد أيضا في سياق مغاير صيغة ملتبسة تحتمل أغراض متنوعة ولكنها تحتمل أيضا، على الأقل من زاوية اللغة ، اختيارا ما “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” سورة الكهف (الآية 29).
حقا وفي الواقع أنتج الماضي لكل معتقد ولأهله في حاضرنا حكيا يقوم بتحوير الزوايا ونسج قصص أكثر اقترابا من نسقنا المعاصر، ربما سمح هذا بالحفاظ على بعد روحي للبشرية ، لكنه حمل معه أيضا كهنته ومؤسساته بكافة أبعادهم الاجتماعية والثقافية والسياسية ،بل حتى الاقتصادية. ونحن بذلك نعيش بلا انقطاع المفارقات الصارخة والتناقضات المتواترة ،وبصبح فيها موضوع الاعتقاد الحر جزءا من موضوع اشمل يصنع تصوراتنا عن الوجود والحياة والذات وعلائقها المختلفة، تزداد بذلك حاجتنا لحضور الإدراك والفهم العقلي والحسي لقضايا الخلق والخليقة و الإنسان، وقد يلاحظ البعض في هذا تنوع واختلاف العالم ، إذ أن أكثر من نصف البشرية لم يلتق قط تاريخا ولا حاضرا بالتوحيد في موضوع الحياة والكون.
ويمكن التذكير بان مرور الجزء الآخر من الوثنية والتمثلات الأخرى للألوهية إلى التوحيد كان مرحلة عصيبة ودموية أحيانا، حاول الموحدون فيها أحيانا الاستئصال التام لمعارضيهم في كل بقاع العالم وأنشأوا لذلك منذ ذاك الحين “الحروب المقدسة ” اللامتناهية، والتي لا تزال مستمرة لدينا جميعا بألبسة معلنة أو تحت أقنعة أخرى.
كانت حرية العقيدة والمعتقد تاريخيا أوسع نسبيا في المجتمعات والمعتقدات التي لا تتبني التوحيد، وفي بعض الديانات الوثنية كان امر العلاقة بين الفرد ومعتقده مسالة سبيل شخصي قد يتبناه الشخص كما يمكن أن يبتعد عنه دون أن يتعرض لأي عقاب. لكن المجال الرمزي الذي لم يفلت من قبضة السياسة أدخل منذ ذلك العهد ربطا متواليا بين شخص الحاكم والآلهة التي يجسدها ،يعبدها أو يمثلها. وأصبحت الأمم تتنافس وتتصارع فيما بينها تحت لواء آلهتها المختلفة، وصار تبني إله لا يتبناه الحاكم معارضة وعصيانا وكفرا !.
وضمن هذا المسار التاريخي، ارتبطت قضايا مختلف الآلهة وثنية أو توحيدية بفئة اجتماعية مميزة ، ألا وهي في البداية السحرة والعرافون قبل أن يلحق بهم ،بعد حين، المنجمون و الكهنة ورجال الدين والكتاب والصحفيون و”المؤثرون”.
على مسؤوليتي
مسرح الساحة: في الحاجة الى نظرية مسرحية جديدة
نشرت
منذ 4 أيامفي
مارس 10, 2026بواسطة
فريق الجديد24
بيان مسرحي يخص نظرية مسرحية جديدة بعنوان : مسرح الساحة الحاجة الى نظرية مسرحية جديدة، المسرح بين الخشبة والساحة
أصبحنا كنقاد وممارسين مسرحيين نومن بأن المسرح ليس مرآة تُعلَّق على جدار الواقع، بل مطرقة تُوجَّه إليه.
المسرح في الأصل فعلٌ قبل أن يكون نصًّا، وحدثٌ حيّ قبل أن يكون أثرًا مكتوبًا. إنّ الكلمة، مهما بلغت فصاحتها، تظلّ عاجزة ما لم تتجسّد في جسدٍ يتحرّك، وصوتٍ يخترق، وفضاءٍ يُعاد تشكيله لحظة العرض.
إنّ الممثل ليس ناقلًً لدور مكتوب سلفًا، بل كائنٌ مُعرّض، يضع جسده وذاكرته وتجربته في قلب الفعل المسرحي. جسده هو النص الأول، وصوته هو اللغة التي تسبق اللغات لا يبدأ المسرح من النص، ولا من الخشبة، ولا من المؤسسة، بل من حاجة الإنسان إلى تحويل الواقع إلى معنى.
فالمسرح، في جوهره، ليس فنًا منفصلًً عن الحياة، بل هو شكل من أشكال الوعي بالوجود.قبل أن يولد المسرح بوصفه مؤسسة، كان الإنسان يقف في الساحة، يحكي، يرقص، يسخر، يبكي،يرثلوينشد ويعيد تمثيل العالم أمام الجماعة.
وهكذا يمكن القول:المسرح هو اللحظة التي يتحول فيها الوجود إلى عرض، والجماعة إلى جمهور، والحدث إلى معنى.لكن التاريخ الحديث للمسرح اختزل هذه اللحظة الوجودية في نموذج معماري مغلق هو الخشبة.
إذا كان المسرح الحديث قد ابتعد عن الساحة ليؤسس الخشبة، فإن مسرح الساحة يمثل عودة نقدية إلى الأصل، لا بوصفها رجوعًا إلى الماضي، بل بوصفها إعادة اكتشاف لما تم إقصاؤه. إن مسرح الساحة لا ينفي الخشبة، لكنه يكشف نسبيتها التاريخية. فهو يقول ضمنًا: المسرح ليس ما يحدث داخل القاعة، بل ما يحدث حين تتجمع الجماعة حول حدث رمزي.
إن الساحة ليست فضاء للحظة الراهنة فقط، بل هي أيضًا فضاء للذاكرة. فيها تتراكم الحكايات، وتنتقل الأساطير، وتتجسد القيم .وهكذا تصبح الساحة:أرشيفًا حيًا للوعي الجماعي.ومن هنا فإن مسرح الساحة ليس مجرد عرض، بل هو إعادة إنتاج مستمرة للذاكرة الثقافية.الساحة ليست فضاء للحظة الراهنة فقط، بل هي أيضًا فضاء للذاكرة.
إذا كانت الخشبة قد جعلت المسرح ممكنًا بوصفه فنًا، فإن الساحة تجعل المسرح ممكنًا بوصفه وجودًا. إن المسرح لا يولد في الخشبة، بل في الساحة؛ والخشبة ليست أصل المسرح، بل لحظة من لحظاته التاريخية.
من هنا ندعو إلى مسرحٍ يُعيد التفكير في الفضاء: فضاء لا يُحدَّد بجدران، ولا تُقيّده علبة إيطالية، بل ينفتح على الشارع، وأسايس في الجبال والقرى الأمازيغية وساحة الجوامع، والعرصات العمومية، والمصانع، والفنادق والفنيدقات التقليدية ورحبات الأسواق التقليدية وكل مكان يمكن أن يتحوّل إلى باحة للدلالة وساحة أبواب المدن الحضرية ، والأسواق القروية الأسبوعية وساحة وباحة الزوايا وحلقات سواري المساجد ومنابر الخطب الدينية والنقابات والأحزاب السياسية وساحات وباحات الأضرحة وساحة القصور الملكية وساحة المشاور ،وباحات الرياضات والدور وقاعات الحمامات داخل الحومات التقليدية والشوارع العمومية والملعًب الرياضية وداخل المقاهي والأندية وأزقة الحومات وزوايا دور الحومات وأمام أبواب دور الجيران وساحات السويقات وجميع أمكنة الاحتفالات والنزهات الشعبية وساحة الجامعات والمدارس والمعاهد الثانوية وداخل الاستوديوهات السمعية البصرية…
فحيثما اجتمع جسدٌ ينطق وجمهورٌ يُصغي، هناك يبدأ المسرح.
فالمسرح الحقيقي لا يسعى إلى الإيهام بالواقع، بل إلى فضحه.لا يسعى إلى المتعة السهلة، بل إلى الصدمة المُنتِجة للوعي.إنه مسرحٌ يُربك، يُزعج، ويطرح الأسئلة بدل أن يقدّم الأجوبة.
إنّ المسرح، كما نراه، ليس مؤسسة ثقافية تُدار، بل تجربة وجودية تُعاش.وكل عرض مسرحي حقيقي هو محاولة جديدة للإجابة عن سؤال واحد:
كيف يمكن للجسد، في حضوره الهش، أن يقول ما تعجز اللغة عن قوله؟
نظرية مسرح الساحة والنظريات الغربية والعربية السابقة
إن مسرح الساحة ليس بديلًً عن المسرح المؤسسي، بل هو مساءلة جذرية لأسسه .إنه مسرح يولد في الفضاء العمومي، ويتغذى من الذاكرة الشعبية، ويقوم على الجماعية والتفاعل والشفوية .وفيه لا تكون الخشبة مركز المسرح، ولا النص جوهره، بل يصبح المسرح فعلًً اجتماعيًا حيًا، تتحول فيه الساحة إلى خشبة، والجمهور إلى فاعل، والحياة إلى عرض دائم.
لماذا نحتاج إلى نظرية مسرح الساحة؟
نحتاج إلى نظرية مسرح الساحة لعدة أسباب فكرية وفنية وثقافية، خاصة في سياق المسرح العربي، أهمها :
1/ كسر هيمنة المسرح الغربي الجاهز
إن مسرح الساحة الذي ننظر له يتميز بالخروج من القوالب الإيطالية الكلسًيكية-: خشبة/ستارة/جمهور صامت- التي فُرضت كنموذج عالمي .النظرية هنا ضرورة نقدية لاستعادة أشكال أداء أقرب لثقافتنا الجماعية والشفهية.
2 / إعادة المسرح إلى جذوره الاجتماعية
المسرح وُلد في الساحات، الأسواق، الطقوس، والاحتفالات الشعبية .نظرية مسرح الساحة تُذكّر بأن المسرح ليس مبنى بل فعل اجتماعي حي، مرتبط بالناس لا بالمؤسسات.
3️/ تغيير علاقة المتفرج بالفعل المسرحي
في مسرح الساحة، المتفرج ليس مستهلكًا سلبيًا، بل طرفًا في الحدث .النظرية تبرّر هذا التحوّل وتؤطره جماليًا وفكريًا، بدل أن يبقى مجرد ارتجال عشوائي.
4️ / مقاومة النخبوية والتجارية
المسرح المغلق غالبًا نخبوّي أو تجاري .مسرح الساحة نظريًا وعمليًا يفتح المجال لمسرح شعبي، نقدي، مباشر، يصل إلى فئات لا تدخل القاعات.
5️/ توفير إطار منهجي للتجريب
من دون نظرية، يبقى العمل في الساحات مجرد“ عرض في الهواء الطلق ”.النظرية تمنح أدوات:
– تنظيم الفضاء
– توظيف الجسد والصوت – إدارة التفاعل
– بناء الدلالة خارج النص المكتوب
6/ خصوصية التجربة العربية والأمازيغية
في العالم العربي والمجتمع الأمازيغي ، الساحة ليست فراغًا محايدًا، بل فضاء سياسي، اجتماعي،
وطقوسي ،من هنا .نحتاج إلى نظرية مسرحية تفسّر هذا الفضاء بدل استنساخ مفاهيم غربية بشكل حرفيً.
7/ إلغاء مصطلح ما قبل المسرح وضع خطئا
شاع بين النقاد مصطلح خاطئ استخدم لوصف العمل المسرحي الإنساني بالدونية مقابل مسرح المؤسسة وأهم ما يدل على استخدامه الخاطئ لازال يطلق على كثير من الأشكال المسرحية التي لازالت تحيا في ممارستنا اليومية للفن وزوهذا ما سنؤكده ضمن نظريتا الجدية المنطلقة أساسا من الساحة العالمية ساحة جامع الفنا بمراكش .
وهذا ما يجعلنا نقرر خلصًة مفادها : أننا نحتاج إلى نظرية مسرح الساحة لأنه ليس مجرد مكان عرض، بل رؤية للمسرح بوصفه ممارسة اجتماعية مقاومة، جماعية، ومفتوحة.
نظرية مسرح الساحة والمسرح الغربي
تهدف هذه النظرية إلى بناء مقارنة تاريخية بين مسرح الساحة بوصفه تصورًا مسرحيًا معاصرًا، وبين تطوّر المسرح الغربي منذ القرن السابع عشر إلى القرن العشرين .ولا تقوم هذه المقارنة على رصد الفوارق الجمالية فحسب، بل على تحليل التحوّلات السيسيولوجيا والسياسية التي حكمت تشكّل المسرح الغربي داخل المؤسسة، مقابل سعي مسرح الساحة إلى استعادة الفضاء العمومي بوصفه مجالًا للفعل المسرحي.
رغم الثورة التي شهدها المسرح الغربي في القرن العشرين على الشكل الكلسًيكي ورغم تنوّع مدارسه، ظلّ خاضعًا لمنطق القاعة المغلقة، في حين يمثّل مسرح الساحة قطيعة إبستمولوجيا مع هذا المسار التاريخي.وهذا ما سنلحًظ ونحن نستعرض أهم الأسس التي بني عليها المنظرون الغربيون نظريتهم الحديثة في مجال الدراما والتي نشير الى أهمها فيما يلي:
نظرية مسرح الساحة وأهم الاتجاهات الغربية
– مسرح الساحة ومفاهيم باختين
ميخائيل باختين، الفيلسوف والناقد الروسي، اهتم بديناميات الحوار والتعددية الصوتية في النصوص الأدبية . ومن أبرز مفاهيمه التي يمكن ربطها بمسرح الساحة هي:
(Dialogism):الحوارية
التعددية الصوتية(Polyphony):
(Carnivalesqueالأداء كرنفالية
– مسرح الساحة وبريشت و ارتو
قدّم بريشت تصورًا نقديًا جديدًا للمسرح، سعى إلى تسييس العرض وكسر الإيهام، غير أنه ظلّ محصورًا داخل القاعة المسرحية
دعا أرتو صاحب نظرية مسرح القسوة إلى مسرح طقوسي يهزّ المتفرج جسديًا ونفسيًا، لكنه لم ينجح في نقل تجربته إلى الفضاء العمومي.
على الرغم من التناقض الظاهر بين المسرح الملحمي ومسرح القسوة، فإن كليهما يلتقيان في رفض المسرح البرجوازي التقليدي، وفي السعي إلى إعادة تعريف وظيفة المسرح وعلقًته بالمتفرج.
إذا كان بريخت يخاطب وعي المتفرج التاريخي، فإن أرتو يخاطب جسده ولاوعيه .الأول يفكك الواقع ليُفهم، والثاني يصدمه ليُحسّ. وبين العقلنًية النقدية والطقسية الجسدية، تتأسس إمكانات مسرح جديد يتجاوز النص، ويعيد التفكير في الفضاء، والجمهور، ووظيفة العرض.
ومن هنا يمكن التفكير في أشكال مسرحية هجينة – ومنها مسرح الساحة – تستثمر الوعي النقدي البريختي والطاقة الجسدية الأرتوية معًا، في أفق مسرح متجذر في اللحظة الاجتماعية ومرتبط بالفعل الجماعي
– مسرح الساحة ودوفينيو
مسرح الساحة هو التحقق العملي لما ظلّ دوفينيو ينظّر له سوسيولوجيًا دون أن يؤسّسه جماليًا.
لا يُعدّ جان دوفينيو منظّرًا مسرحيًا بالمعنى التقني، لكنه قدّم إطارًا سوسيولوجيًا يُفكّك وظيفة المسرح داخل البنية الاجتماعية .ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار مسرح الساحة امتدادًا عمليًا لتصوراته، حيث ينتقل المسرح من مستوى التحليل الاجتماعي إلى مستوى الفعل الجمالي داخل الفضاء العمومي.
نظرية مسرح الساحة وأهم الاتجاهات العربية
– سعد الله ونّوس والمسرح بوصفه مساءلة سياسية
إن أهم ما نلحًظ ضمن نظرية المسرح التي نظر اليها سعد الله في المسرح السوري هوتقاطعه مع نظرية دوفينيوفي طرحه للمسرح ككشف للوعي الزائف ، واعتباره بأن الجمهور ليس متفرجًا بريئًا، كما يرى بأن العرض لحظة استثنائية لقول الممنوع كما هو الشأن في مسرحية الفيل يا ملك الزمن وبهذا نجد أن سعد الله ونّوس يحقّق عمليًا فكرة دوفينيو عن:المسرح كتعليق مؤقت للنظام الاجتماعي. لكن سعد الله ونوس ونّوس بقي غالبًا داخل القاعة في حين سنجد بأن مسرح الساحة ينقل هذا الصراع إلى الشارع نفسه.
فإذا كان ونّوس قد حوّل المتفرج إلى مواطن، فنحن في نظريتنا نعيد المواطن إلى فضائه الطبيعي:
الساحة.
– الاحتفالية مع عبد الكريم برشيد بالمغرب
إن أهم ما يلتقطه المتتبع لنظرية الاحتفالية بالمغرب هو نقاط الالتقاء مع نظرية دوفينو السوسيولوجية والتي يمكن تجليها فيما يلي :
– استعادة الطقس والاحتفال الشعبي
– المسرح كفعل جماعي لا كمنتَج فني مغلق – رفض المسرح البورجوازي المستورد.
إن برشيد، مثل دوفينيو، يرى أن:المسرح يولد من الجماعة ولها، لا من النص وحده.
لكن الفرق الجوهري: أن دوفينيو حلّل الظاهرة في حين نجد بأن برشيد حوّلها إلى بيان مسرحي.
من هنا يمكننا أن نعتبر أن نظرية مسرح الساحة يمكن اعتباره مرحلة ثانية بعد الاحتفالية، حيث ينتقل الاحتفال من الرمز إلى الفضاء العمومي الحقيقي. حيث يمكن القول بأن عبد الكريم برشيد قد أنجز، في سياق مغربي، ما نظّر له جان دوفينيو بوصفه ضرورة اجتماعية للمسرح، غير أن الاحتفالية ظلّت، في كثير من تجلياتها، حبيسة التمثيل الرمزي للفضاء الشعبي .ومن هنا يأتي مسرح الساحة بوصفه انتقالًا من الاحتفال المؤدلج إلى الفعل المسرحي داخل المجال العمومي، محققًا بذلك الامتداد العملي الأقصى لتصور دوفينيو.
الطيب الصديقي والمسرح الشعبي المغربي
إن أهم ما أحدثه الطيب الصديقي في هذا المجال هو توظيف الحلقة في استخدام الممثل الحكواتي واستعمال الفضاء الدائري على الخشبة. وهذا ما ربطه بدوره بنظرية دوفينيو الذي يرى بأن هذه الأشكال تعبر عن ما يسميه ب الذاكرة الجماعية الحية .
ومن المعلوم أن الصديقي الصديقي لم يكن منظّرًا سوسيولوجيًا، لكنه أعاد للمسرح وظيفته الاحتفالية وكسر الحدود بين الممثل والجمهور.
من هنا نرى بأن مسرح الساحة هنا ليس قطيعة مع الصديقي، بل تجذير راديكالي لتجربته.
وأهم ما يمكن استنتاجه من التجربة المغربية الى حدود الساعة سواء منها التنظيرية عند برشيد او العملية عند الصديقي أن ما قرأه جان دوفينيو في المجتمعات الأوروبية بوصفه أزمة اجتماعية مولِّدة للمسرح، عاشه المسرح العربي بصفة عامة والمغربي بصفة خاصة بوصفه واقعًا دائمًا .لذلك جاءت التجارب العربية والمغربية – من الاحتفالية إلى ونّوس والصديقي – تطبيقات جزئية لما نظّر له دوفينيو، بينما يقترح مسرح الساحة تأطير هذه التجارب ضمن نظرية واحدة واعية بالفضاء العمومي. وهذا ما يعطينا مشروعية صياغة نص للبيان التالي :
.نص البيان التنظيري لمسرح الساحة بالمغرب رقم 1
• نحن، منظري وممارسي مسرح الساحة، نعلن ما يلي:
• 1.المسرح ليس خشبة ولا نصًا
– المسرح لا يبدأ بالقاعة المغلقة، ولا بالنص المكتوب.
– المسرح يولد حيث تتقاطع الجماعة والحكاية والجسد والصوت. – المسرح فعل اجتماعي وجودي قبل أن يكون فنًا.
– الخشبة هي مجرد شكل تاريخي، والنص وثيقة لحظة، وليس أصل المسرح.
• 2. الساحة أصل المسرح
– الساحة ليست هامشًا، بل هي أصل المسرح
– الساحة فضاء مفتوح حيث تتشكل الفرجة بشكل طبيعي.
– الساحة مكان تتفاعل فيه الجماعة مع الحدث، والجسد مع الصوت، والفعل مع المعنى. – نص حي، تكتبه الجماعة كل يوم، ويقرأه الحليًقي بلحظة الأداء.
– في الساحة، يتحقق المسرح بوصفه ممارسة حية، لا مجرد عرض.
• 3.الجمهور شريك، لا متلقيًا
في مسرح الساحة:
– الجمهور ليس سلطة سلبية، بل فاعل مشارك.
– معنى العرض يولد من التفاعل بين الممثل والجمهور والفضاء. – الجماعة هي المؤلف الحقيقي للنص المسرحي.
– المسرح هو فعل جماعي قبل أن يكون إنتاجًا فرديًا.
• 4.النص أدائي مفتوح
– النص في مسرح الساحة ليس مكتوبًا سلفًا، بل يولد في اللحظة.
– هو نص متحوّل، مرن، قابل للتعديل بحسب حضور الجماعة وسياق الفضاء. – اللغة شفوية، والحكاية ديناميكية، والأداء إبداعي مستمر.
– النص ليس وثيقة، بل حدث. – والحدث هو النص.
• 5.الجسد والصوت في قلب المسرح
– الجسد ليس مجرد أداة، بل حامل للمعنى.
– الصوت ليس مجرد لغة، بل إيقاع حياة الجماعة.
– المسرح يولد من الجسد والصوت، لا من الورق والحبر.
– كل حركة، كل نظرة، كل صوت، هو كتابة للحظة، وقراءة للواقع.
• 6.الزمن اللحظي والزمن الدائري – الزمن في مسرح الساحة ليس خطيًا.
– هو دائري، متداخل، يجمع الماضي بالحاضر والأسطورة بالواقع. – الحكاية يمكن أن تتكرر، أن تتشعب، أن تُعاد صياغتها.
– الحاضر هو ذاكرة، والذاكرة هي حاضر مستمر.
• 7.الساحة نص فلسفي مفتوح
– الساحة ليست إطارًا فارغًا، بل نصًا حيًّا – الساحة مكان للذاكرة الجماعية.
– الساحة فضاء للمقاومة الرمزية.
– الساحة موقع للحوارية والكرنفال المستمر.
– الساحة تكتب الجماعة فيها ذاتها، وتقرأها الجماعة لحظة العرض، كل يوم.
• 8.علاقة المسرح بالحياة
– مسرح الساحة يرفض الفصل بين الحياة والفن – الواقع اليومي يصبح مادة للعرض،
– العرض يصبح تجربة وجودية للواقع.
– المسرح ليس رفاهية، بل ممارسة اجتماعية ثقافية، وفعل نقدي رمزي.
• 9.مسرح الساحة ضد المركزية الغربية
– نحن نرفض جعل الخشبة والقاعات المغلقة معيارًا وحيدًا للمسرح. – نحن نرفض النظر إلى المسرح الشعبي بوصفه هامشًا.
– نحن يرفض أن يطلق على ما يقدم في الساحة على انه اشكال ماقبل المسرح بل بها بدأ المسرح وهي المسرح ذاته
– مسرح الساحة يثبت أن الهامش يمكن أن يكون مركزًا، وأن التجربة الشعبية مصدر معرفة وفكر.
Manifestoرسالة10. •
• مسرح الساحة ليس مجرد تقنية أو نمط عرض، بل مشروع نظري يهدف إلى : – إعادة التفكير في المسرح من جذوره.
– تحرير الفعل المسرحي من النموذج الغربي المغلق.
– إبراز الجماعة والفضاء والذاكرة بوصفها عناصر أساسية للمعنى المسرحي.
– المسرح لا يبدأ في الخشبة، ولا ينتهي بالنص، بل يبدأ في الساحة، حيث يتحول الوجود إلى عرض، والجماعة إلى نص حي، والفعل المسرحي إلى ممارسة وجودية مشتركة.
✍️ إمضاء :عبد الله المعاوي مؤلف ومخرج وناقد مسرحي ، أستاذ باحث في الثقافة الشعبية
ملحًظة : هذا البيان سيوقع في عدده الثاني من طرف أسماء في مجال الفكر والنقد والممارسة الفنية .بعد عرضه عليهم.
وسأردف البيانين الأول والثاني بكتاب تحت التهيؤ يحمل عنون : مسرح الساحة وهو تحليل مفصل
لنظريتنا المسرحية الجديدة في عالم الدراما وتجلياتها الأدبية والفكرية والفلسفية انطلقًا من ساحة جامع الفنا كفضاء مركزي . ثم التعرض لمجموعة من الأعمال المسرحية التي اشتغلت على مختلف الأشكال التراثية المنتمية لمختلف الساحات المغربية سواء منها المنتمية الى الفضاء الداخلي كالدور والرياضات والقصور او الساحات الخارجية كساحات الجوامع وأسوار وأبواب المدينة والملعًب الرياضية أو ساحات أسايس بالقرى والجبال المغربية . ومن هذا المنطلق أوجه نداء محبة الى كافة الكتاب المسرحيين الذين اشتغلوا على هذه التيمة وألفو اعمالا مسرحية في هذا السياق راجيا منهم تفضلهم بموافاتي بأعمالهم في هذا الصدد أو موافاتي بعناوين مسرحياتهم مع تاريخ تقديم العرض مصحوبا بملخص لها قصد إدراجها في هذا الكتاب قبل طبعه عبر رابط الفايسبوك elmouaaouy .Abdellah
فلكيا هذا موعد أوّل أيام عيد الفطر المبارك
لاعب وسط ليل أيوب بوعدي يختار تمثيل المغرب
أحمد الصبار يفتح “الكناش” المنسي للصحافة الرياضية المغربية
عز الدين أوناحي يعيد جيرونا إلى استعادة نغمة الانتصارات
وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاما
إجراء استثنائي يهم المتقاعدين بمناسبة عيد الفطر
المغرب يستعد للعودة إلى التوقيت الصيفي يوم 22 مارس
“عدول المملكة” ينزلون إلى الشارع رفضاً لمشروع القانون 16.22
توقعات أحوال الطقس لليوم السبت
الجيش الملكي المغربي يتعادل مع ضيفه بيراميدز المصري 1-1
أولمبيك مرسيليا يفوز على ضيفه أوكسير (1-0)
مقتل 3 من الجنود الجزائريين خلال عملية أمنية عسكرية
تراجع الدرهم مقابل الأورو بنسبة 0,5 في المائة
المغرب يضع خطة لإعادة مواطنيه المرتبطين بتنظيم “الدولة الإسلامية” من العراق
“لارام” تواصل تعليق رحلاتها إلى الإمارات وقطر حتى نهاية مارس
الدولة بين استمرارية الشرعية وتحدي التحول التكنولوجي
عطلة إستثنائية للإدارات العمومية بمناسبة عيد الفطر
اجتماع حاسم بين فيفا وإيران لتحديد مصير المشاركة في مونديال 2026
الدولي المغربي زكريا الواحدي يقود جينك للفوز على فرايبورغ (1-0)
تراجع أسعار النفط بعد ترخيص أمريكي بشراء النفط الروسي
أسعار المحروقات تعود للارتفاع في المغرب مع بداية مارس 2026
أحمد الصبار يفتح “الكناش” المنسي للصحافة الرياضية المغربية
إجراء استثنائي يهم المتقاعدين بمناسبة عيد الفطر
مسرح الساحة: في الحاجة الى نظرية مسرحية جديدة
تباين أسعار الخضر والفواكه بسوق الجملة بالدار البيضاء
سقطة الدراجي التي أثارت غضب الجماهير العربية
سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران
النضال في زمن اللايقين: متى تكون التضحية بناءً ومتى تكون استنزافاً؟
حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري
رمضانيات (1) : لكي نحرر الإيمان من ملهاة الشياطين
أسطورة برشلونة إنييستا ينضم إلى مشروع الكرة المغربية
من يحرس القضاء الإداري؟ صراع المنطق الوظيفي بين المفوض الملكي والنيابة العامة
حرب إيران.. ”لارام” تكشف مصير الرحلات الجوية إلى دبي والدوحة المتوقفة
ترامب: خامنئى مات والفرصة الأكبر الآن للشعب الإيراني
كرة السلة المغربية من منطق الإعانة إلى منطق الاستثمار
نتانياهو: مؤشرات عديدة إلى أن خامنئي “لم يعد على قيد الحياة”
بنسعيد: 50% من المعطيات المضللة بعد زلزال الحوز استهدفت الإغاثة والتجهيز
حرب إيران..أسعار المحروقات على أعتاب 17 درهما للتر
كتاب الضبط يحتجون ضد ” صمت” عبد اللطيف وهبي
قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في بعض أنماط النقد داخل الفضاء المعرفي
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني
الاكثر مشاهدة
-
الجديد TV منذ 14 ساعةأحمد الصبار يفتح “الكناش” المنسي للصحافة الرياضية المغربية
-
مجتمع منذ 18 ساعةإجراء استثنائي يهم المتقاعدين بمناسبة عيد الفطر
-
على مسؤوليتي منذ 4 أياممسرح الساحة: في الحاجة الى نظرية مسرحية جديدة
-
على مسؤوليتي منذ 7 أيامقراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في بعض أنماط النقد داخل الفضاء المعرفي
-
على مسؤوليتي منذ 6 أيامبين فزاعة التخوين وأمننة التعبير: حين تتوتر العلاقة بين الوطني والديمقراطي
-
دولي منذ 6 أيامبعد الصاروخ الثاني.. أردوغان يحذر إيران من “الاستفزاز”
-
اقتصاد منذ 6 أيامأسعار النفط تتخطى عتبة الـ 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ 2022
-
مجتمع منذ 6 أياموزارة العدل تدعو المبحوث عنهم في المغرب إلى تسليم أنفسهم
