Connect with us

على مسؤوليتي

الصحافة بين نموذج المثقف و نموذج التاجر

نشرت

في

بقلم : يونس مجاهد
إذا كانت الصحافة منتوجا ثقافيا بامتياز، فلإنها تستخدم أدوات تشبه ما يستعمل في الثقافة من كتابة وصوت وصورة، بالإضافة إلى المحتوى الذي تقدمه للجمهور، الذي قد تكون له كذلك أبعاد ثقافية، رغم أن هذه العلاقة، بالنسبة لعدد من الباحثين، تبدو معقدة، وليست بهذه البساطة، إذ هناك من يعتبر أن الصحافة لا يمكنها أن تشابه الحقل الثقافي، نظرا لما تتعرض له من ضغوطات، خاصة اقتصادية، مما يعرض منتوجها لإشكالات حقيقية بسبب هذه الإكراهات الخارجية.

غير أن ما يهمنا في هذا المقال، هو البحث في التراكم الثقافي الذي من المفترض أن يساهم في الارتقاء بالمنتوج الصحافي. ويمكن استلهام التجربة المغربية، في هذا المجال، إذ أن ميلاد الصحافة الوطنية، في بلادنا، تم على يد مثقفين وسياسيين، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حيث مارسوا العمل الصحافي، في إطار النضال الوطني، معتبرين أن الصحافة وسيلة ناجعة في الرفع من وعي الشعب وفي التربية والتثقيف.

ونجد في كتاب “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي”، لعلال الفاسي، تفاصيل غنية عن ارتباط الصحافة، برسالة هادفة، حيث كانت تشكل جزءا أساسيا في بنية تنظيمات الحركة الوطنية وامتدادا لها، في إطار حركة مقاومة الاستعمار.

وكتب الصديق عبد العزيز الطريبق، كتابا باللغة الفرنسية، تحت عنوان “الصحافة والسياسة في شمال المغرب من 1912 إلى 1956″، يحتوي على معطيات مهمة جدا، حول الارتباط العضوي الذي كان حاصلا، لدى زعماء الحركة الوطنية في هذه المنطقة، بين الصحافة والسياسة والثقافة.

فقد أسس زعماء سياسيون، وهم أيضا مثقفون، أغلبهم درس بالمشرق أو في أوروبا، مثل عبد السلام بنونة وعبد الخالق الطريس ومحمد داود والتهامي الوزاني والمكي الناصري… جمعيات وأحزابا، غير أن الجريدة، كانت هي المحور الذي تدور حوله نضالات هذه الحركة النهضوية، التي كما حصل في العديد من المدن المغربية، أسست أيضا معاهد الدراسة والتعليم ومراكز التربية والتثقيف.

ويقدم الطريبق، في هذا الكتاب، أرقاما مثيرة، نقلا عن المهدي بنونة، حول النسخ التي كانت تطبع، ففي منطقة لا يتجاوز عدد سكانها 700 ألف، خلال مرحلة الثلاثينات، 70 في المائة منهم أمي، كانت الجرائد، وهي كثيرة، تطبع بين 500 و1000 نسخة، بينما كانت جريدة “الأمة” تطبع حتى 3000 نسخة، تباع كلها، وجريدة “المهدية” كانت تطبع بين 2000 و2500 نسخة.

وحظيت صورة الذين يكتبون في الصحافة بمكانة خاصة، واستمرت في بلادنا، حيث كانت المهنة تحظى بتقدير خاص، ولها حظوة متميزة، كما هو الشأن في العديد من المجتمعات، فالصحافيون هم أيضا قادة سياسيون وباحثون وروائيون وشعراء… بالإضافة إلى عملهم الصحافي، في تقصي الأخبار والبحث في الملفات الشائكة، وكتابة الراي، وغيرها من المهام المعروفة في المهنة. وقد دافع عالم الاجتماع، ماكس فيبر، الذي كان يكتب في الصحافة، عن هذه المهنة، في خطابه “السياسة كمهنة”، الذي ألقاه في ميونيخ سنة 1919، وتصدى للانتقادات القوية التي تعرضت لها الصحافة في ألمانيا، حيث قارن الصحافة بمهنة العالِم. فعلى عكس العالِم، يتعين على الصحفي إنجاز عمله بسرعة كبيرة، ويمكن القول إنه يعمل “حسب الطلب”، مما يمنحه مسؤولية عامة أكبر من تلك التي يتحملها العالِم، بسبب التأثير المباشر الذي قد تُحدثه كتاباته.

وخصص أستاذ علم الإجماع في جامعة كرونوبل، جيل باستن، لإشكالية التكامل أو التنافر، بين الصحافة وعلم الاجتماع، مقالا تحت عنوان ” الصحافة والعلوم الاجتماعية، شغب أم مشاكل؟”، استعرض فيه الجدل الذي أثاره هذا الموضوع بين الصحافيين والمتخصصين في علم الاجتماع، موضحا أن العديد من الدراسات الاجتماعية سجلت التقارب بين المهنتين، نظرا للجوئهما إلى نفس الأدوات في البحث والتقصي والمراجعة والتدقيق، بالإضافة إلى التأثير المباشر للصحافة في الرأي العام والظواهر الاجتماعية.

وهو الرأي الذي لا يتقاسمه عالم الاجتماع بيير بورديو، الذي كانت أحكامه دائما قاسية تجاه العمل الصحافي، نظرا، حسب وجهة نظره، لإكراهات البحث عن الزيادة في أعداد القراء والمستمعين والمشاهدين، بطريقة تجارية، الأمر الذي يجعل الصحافة خاضعة لإكراهات أخرى غير البحث عن الحقيقة. وهو نفس التحذير الذي يشير إليه ماكس فيبر، عندما يعتبر أن الخطر المحدق بالصحافة هو أن ترضخ للإغراءات التي تحيط بها من كل جانب، وهو ما يظل راسخا كصورة لها لدى الجمهور، فالرضوخ للإكراهات التجارية، ينتج صحافة سيئة.

هذا التحدي سيظل يواجه الصحافة باستمرار، وعلى الصحافي أن يختار نموذج المثقف، كما جسدته تجربة الحركة الوطنية في الصحافة، رغم الصعوبات التي يطرحها هذا الاختيار، أو نموذج التاجر، الذي حتما لن يكون صحافيا، بل شيئا آخر.

،

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

في ترشيد الاشتباك: بين التناقض الرئيسي وإغراء التناقضات الثانوية

نشرت

في

كثر الحديث هذه السنوات الأخيرة عن صراع التحالف الحاكم برئاسة الدولة / الطبقة مع أحزابها الإدارية والدينية وموظفيها وعملائها وكل الأحزمة القريبة والمقربة ، وهيمنة نفوذهم جميعا على ركح المشهد السياسي والمالي والأمني ، فظلت ثنائية الحياد أو الإنحياز أكبر إشكالية تطوق إرادات بقية ” الفاعلين ” الخارجين عن هذه الدوائر ، وهو أمر يدعو إلى كثير من الحيطة والتعقل ، ويتطلب تدبير الأمر من منطلق ترتيب التناقضات وتحديد الاولويات .

فحين يشتد الصراع داخل الحقل السياسي أو الفكري أو الاجتماعي، تميل بعض الفاعليات إلى الانخراط في الخلافات الداخلية للخصوم، أو إلى استثمار حزازاتهم البينية، ظنًا أن ذلك يضعفهم أو يُفكك جبهتهم. غير أن هذا السلوك، وإن بدا مغريًا تكتيكيًا، قد يتحول استراتيجيًا إلى خطأ في تقدير طبيعة التناقضات وترتيبها.

إن أول مقتضى من مقتضيات التفكير النقدي التوقعي هو التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية. فالتناقض الرئيسي هو ما يؤطر بنية الصراع ويحدد اتجاهه العام، أما التناقضات الثانوية فهي توترات داخلية قد تكون حادة، لكنها لا تُلغي قدرة الخصم على إعادة ترتيب صفوفه متى شعر بتهديد خارجي جامع.

التدخل في هذه التناقضات الثانوية – خاصة حين يتخذ طابعًا شخصيًا أو أسريًا أو أخلاقيًا – لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الخصم، بل قد يخلق أثرًا عكسيًا: إذ يُحوّل التباينات الداخلية إلى عنصر تماسك دفاعي، ويعيد تعريف الصراع بوصفه تهديدًا مشتركًا يستدعي الاصطفاف. وهكذا يُعاد إنتاج الكتلة التي كان يُظن أنها متصدعة.

من منظور استراتيجي، لا ينبغي للفاعل الواعي أن يُسهم، دون قصد، في تحويل تعددية خصومه إلى صلابة جبهية. فالتفكير النقدي التوقعي لا يكتفي بقراءة الواقع كما هو، بل يستشرف مآلات الفعل وردّ الفعل، ويزن كلفة كل تدخل في ضوء أثره بعيد المدى.

أما تكتيكيًا، فإن الاشتباك الرشيد يقتضي التركيز على البنية الفكرية والسياسية التي تُنتج التناقض الرئيسي، بدل الانشغال بالهامش أو استثمار الشروخ الظرفية. فليست كل ثغرة مدخلًا، وليست كل أزمة داخلية فرصة. أحيانًا يكون الامتناع عن التدخل أبلغ من التدخل نفسه.

وأخلاقيًا، فإن الانحدار إلى مستوى الحزازات أو الخصومات الشخصية يُضعف مشروعية الخطاب، ويحوّل الصراع من مواجهة أفكار ومشاريع إلى تبادل اتهامات وتصفية حسابات. وهو ما يُربك التمييز بين النقد والمناكفة، وبين التفكيك والفضول السياسي.

إن قوة الفاعل لا تقاس بقدرته على اقتناص الهفوات، بل بقدرته على ضبط أولوياته. مواجهة التناقض الأساسي تقتضي وضوحًا في الهدف، واتساقًا في الوسيلة، ووعيًا بأن الصراع، في نهاية المطاف، ليس مجرد لحظة انفعال، بل عملية تاريخية تتشكل عبر تراكم المواقف والمواقع.

فالفضول لا يصنع الحلقات الضعيفة، لكن القراءة المتبصرة لبنية التناقض هي التي تحدد أين ينبغي الاشتباك، وأين يكون الصمت فعلًا استراتيجيًا لا انسحابًا.

وأخيرا وليس بآخر ، تجدر الإشارة إلى أن هناك حالة تشذ عن السياق ، وهي انه لا يمكن ان نسمح بالسكوت عن الحروب الأهلية التي تجري في صفوف المسؤولين عن إنفاذ القانون والمرتبطين أمنيا بحماية الحدود والذود عن الوحدة الترابية ، من أجهزة وجنود ، فالتدخل واجب لأن الدفاع الوطني يتم بإسمنا ووكالة عنا ، وهو إستثناء يؤكد القاعدة ، وبنفس القدر ندعو إلى تنصيب المجلس الأعلى للأمن ، والذي إن لم يوفق في تحقيق الحكامة الأمنية الكاملة ، فعلى الأقل سيكبح كل محاولات إستنزاف طاقاتنا الوطنية وذكائنا الإجتماعي في جدول أعمال إذعاني مفروض موضوعيا .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران

نشرت

في

بواسطة

اعتاد عبد الإله بنكيران معاكسة المصالح العليا للوطن، عبر مهاجمة السياسة الخارجية للمغرب التي هي مجال محفوظ لجلالة الملك بعد أن كان مجالا للمزايدات السياسوية بين الأحزاب. فبنكيران يريد أن يجعل السياسة الخارجية للمغرب في خدمة ولاءاته الإيديولوجية العابرة للحدود وترجمة لمواقف تنظيمات الإسلام السياسي.

لهذا لم يتعظ بنكيران ولا يأبه حتى بما يصدر من بلاغات عن الديوان الملكي في موضوع التجاوزات الخطيرة لبعض الأحزاب، ضمنها حزب العدالة والتنمية حين أصدرت أمانته العامة، في مارس 2023، بيانا قالت فيه إنها “تستهجن المواقف الأخيرة لوزير الخارجية المغربي الذي يبدو فيها وكأنه يدافع عن الكيان الصهيوني في بعض اللقاءات الأفريقية والأوروبية، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الإجرامي على الفلسطينيين”.

حينها صدر بلاغ الديوان الملكي منبها الحزب وأمينه العام بنكيران إلى “التجاوزات غير المسؤولة والمغالطات الخطيرة” الواردة في البيان، وأن “العلاقات الدولية للمملكة لا يمكن أن تكون موضوع ابتزاز من أي كان ولأي اعتبار، لاسيما في هذه الظرفية الدولية المعقدة. ومن هنا، فإن استغلال السياسة الخارجية للمملكة في أجندة حزبية داخلية يشكل سابقة خطيرة ومرفوضة”.

ورغم تشديد البلاغ على “إن السياسة الخارجية للمملكة هي من اختصاص جلالة الملك، نصره الله، بحكم الدستور، ويدبره بناء على الثوابت الوطنية والمصالح العليا للبلاد، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية”، يصر بنكيران على خرق هذا الثابت الدستوري بمهاجمة وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة، ومن خلاله تدبير جلالته للسياسة الخارجية للمملكة بما يخدم المصالح العليا للوطن.

مصلحة الحزب أم مصلحة الوطن؟

يثبت بنكيران وحزبه كما هو حال تنظيمات الإسلام السياسي، كامل الاستعداد للتضحية بمصلحة الوطن من أجل مصلحة التنظيم وارتباطاته الإيديولوجية وولاءاته الخارجية. وما يحدث في العراق واليمن ولبنان من تخريب للدولة وتفكيك لمكوناتها وتدمير لمقدراتها، هو نتيجة حتمية لتغول تنظيمات الإسلام السياسي وخدمتها لأجندات خارجية تفرضها الولاءات الإيديولوجية العابرة للحدود. ولا يختلف المسعى التخريبي لبنكيران وحزبه عن نظرائه في تلك الدول.

من هنا لا يسرُّ بنكيران وتياره الإيديولوجي ما تحققه الدبلوماسية المغربية من نجاحات وما تنتزعه من مكاسب وقرارات أممية حاسمة لفائدة الوحدة الترابية للمغرب. لهذا لا يراعي الظروف الدقيقة التي تمر بها قضيتنا الوطنية الأولى، والتي تتطلب تقوية الجبهة الداخلية وتغليب المصلحة العليا للوطن. فأن يهاجم بنكيران كلمة السيد بوريطة أمام مجلس السلام نيابة عن جلالة الملك، فهو لا يهاجم شخصا، بل دولة ومؤسساتها على رأسها المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين. إذ في الوقت الذي يعزز المغرب مكانته الدولية بما يضطلع به من أدوار أممية بهدف إحلال السلام ووقف الحرب على غزة، يخرج بنكيران عن الإجماع الوطني الداعم لقرارات جلالة الملك بالعضوية في مجلس السلام وتنفيذ ما تقتضيه من التزامات “القضاء على التطرف ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة”.

مظاهر التطرف عند حركة حماس.

إن التجربة الغنية التي راكمها المغرب في مواجهة التطرف والإرهاب، تؤهله لينقلها إلى غزة قصد تحرير أهلها مما أشاعته الحركة من عقائد متطرفة وما فرضته من قوانين وتشريعات متشددة حولت القطاع إلى إمارة “غزستان” أشبه بنظام طالبان. فالأمر لا يتعلق بتغيير مشاعر الغزيين نحو الإسرائيليين كما جاء في اتهام بنكيران للسيد بوريطة، بل يخص أهل غزة أنفسهم وتحريرهم مما فرضته عليهم حماس من مناهج تعليمية وتشريعات موغلة في التطرف والكراهية. فالحركة تعرّف نفسها، في المادة الثانية من ميثاقها بأنها “جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث”. إذ تسعى الحركة، حسب مؤسسها الشيخ أحمد ياسين “لتحقيق المشروع الإسلامي، والذي يبدأ بتحرير الإنسان، ثم تحرير الأرض، ثم إقامة نظام الله وتطبيق منهجه وشريعته، وهذا المشروع وحدة واحدة لا يتجزأ”. ومن ثم يحدد الميثاق أهداف حماس المركزية كالتالي (أمّا الأهداف: فهي منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنًا قيام دولة الإسلام، ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح).

الأمر الذي جعل الحركة تناهض وترفض كل مبادرات السلام، كما هو واضح في المادة الثالثة عشرة من ميثاقها: (تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية). من هنا جاءت معارضتها لاتفاقية أوسلو، وانقلابها على السلطة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وتبرز المادة السابعة والعشرون من ميثاق حماس مدى تطرف الحركة تجاه منظمة التحرير الفلسطينية “تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية.. والفكرة العلمانية مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، وعلى الأفكار تُبنى المواقف والتصرفات، وتتخذ القرارات . .لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا ومن فرّط في دينه فقد خسر [….] ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة، فنحن جنودها، ووقود نارها التي تحرق الأعداء”.

ومنذ سيطرة حماس على القطاع سنة 2007، نهجت سياسة أسلمة المجتمع والأفراد والتشريعات والمناهج الدراسية عبر فرض الحجاب والملابس الفضفاضة لدرجة أن مجلس القضاء الأعلى في القطاع ألزم المحاميات بالحضور إلى المحاكم وهن مرتديات الحجاب. كما أطلقت حكومة حماس سنة 2009 حملة تحت عنوان “نعم للفضيلة”، وأخرى سنة 2013 تحت عنوان “أخلاقي.. سر حياتي”، وفي أبريل من نفس العام أعلن وزير الشباب والثقافة في غزة عن انطلاق مشروع “سلوكيات إيجابية” لمحاربة كل القيم التي لا تخدم مشروع الأسلمة. ومن قرارات الحركة لفرض نموذجها على أهل غزة، أنها فرضت الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية والجامعية، ومنعت الاختلاط في المؤسسات والإدارات والحفلات. وإمعانا في التشدد الديني، شكلت وزارة الشؤون الدينية لجنة تكلفت بتنبيه الرجال في الشواطئ بعدم مس بعضهم بعضا علنا وتغطية أجسادهم. كما حظرت الحركة الاحتفال برأس السنة الميلادية في الفنادق والمطاعم والأماكن العامة بحجة أنه ينافي التعاليم الإسلامية. وامتدت إجراءات الأسلمة لتشمل الحياة الثقافية حيث عمدت حماس إلى منع تداول بعض الكتب أو سحبها من المكتبات؛ إذ شمل المنع كتب تراثية ودينية (فصوص الحكم، الفتوحات المكية، كليلة ودمنة)، وكتب فكرية/فلسفية (شرح أعمال ابن رشد والفارابي) وسياسية وأدبية (التي تنتقد الحركات الإسلامية، بعض الروايات العالمية المترجمة، بعض أعمال نجيب محفوظ). وقد تسبب قرار الأسلمة في انتشار ثقافة الكراهية ضد المواطنين المسيحيين حيث ازدادت الضغوط والاعتداءات عليهم، مما دفع جزءا كبيرا منهم إلى مغادرة القطاع (انتقل عدد المسيحيين من 3000 شخص سنة 2007، إلى 1400 سنة 2011).

لا يمكن، إذن، بناء السلام وتحقيق الأمن وعقائد التشدد وثقافة الكراهية تنخر مجتمع غزة وتمزق النسيج المجتمعي الفلسطيني بما تخلق من تنافر بين مكوناته. والمهمة التي تكلف بها المغرب تهدف إلى “القضاء على التطرف ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة” بغاية إعادة المجتمع الفلسطيني إلى طبيعته الثقافية المنفتحة وقيم التعايش التي ميزته عبر التاريخ.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

نشرت

في

يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.

ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.

المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.

كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.

إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.

من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.

الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.

في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .

ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد وسلاسة الإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
رياضة منذ 9 دقائق

كالمار السويدي يقدم رسميا أشرف داري

واجهة منذ ساعتين

الصيادلة يحتجون وطنيًا: إضرابات متتالية رفضًا لفتح رأسمال الصيدليات

على مسؤوليتي منذ 3 ساعات

في ترشيد الاشتباك: بين التناقض الرئيسي وإغراء التناقضات الثانوية

دولي منذ 4 ساعات

الهلال الأحمر الإيراني: 787 قتيلا منذ بدء الحرب

رياضة منذ 5 ساعات

ريال مدريد يعلن عن إصابة مبابي بالتواء في ركبته اليسرى

واجهة منذ 6 ساعات

توقعات أحوال الطقس لليوم الثلاثاء

مجتمع منذ 14 ساعة

البيضاء: توقيف سائق “تريبورتر” اقتحم الممر الخاص للباصواي

دولي منذ 15 ساعة

مقتل ستة جنود أميركيين منذ بدء الحرب على إيران

مجتمع منذ 16 ساعة

الدار البيضاء.. توقيف مهاجر غير شرعي للاشتباه في تورطه في تبادل العنف

اقتصاد منذ 19 ساعة

الحرب على إيران تعطل طرق الملاحة العالمية

على مسؤوليتي منذ 19 ساعة

سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران

واجهة منذ 20 ساعة

انطلاق عملية الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية برسم سنة 2026

اقتصاد منذ 21 ساعة

بنك CIH يختتم 2025 بأداء مالي قوي ويعزز تمويل الاقتصاد الوطني

اقتصاد منذ 21 ساعة

حرب إيران.. ”لارام” تكشف مصير الرحلات الجوية إلى دبي والدوحة المتوقفة

مجتمع منذ 22 ساعة

إحباط محاولة تهريب أزيد من طن من “الشيرا” بضواحي بوزنيقة

مجتمع منذ 22 ساعة

رمضان: ارتفاع في الاستهلاك يؤثر على مدخرات الأسر

اقتصاد منذ 23 ساعة

أسعار المحروقات تعود للارتفاع في المغرب مع بداية مارس 2026

دولي منذ 23 ساعة

مصفاة رأس تنورة السعودية تتعرض لهجوم بطائرات مسيرة وتُغلق مؤقتًا

رياضة منذ يوم واحد

كرة السلة المغربية من منطق الإعانة إلى منطق الاستثمار

دولي منذ يوم واحد

الحكومة اللبنانية تقرر الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية

على مسؤوليتي منذ 7 أيام

الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا

رياضة منذ أسبوعين

أولمبيك الدشيرة يكشف تفاصيل بيع تذاكر مواجهة الوداد

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي

سياسة منذ أسبوعين

الحكومة تتراجع عن إحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الدريدي م.أحمد: الصحة حقً للشعوب لا سلعةً للأرباح

مجتمع منذ أسبوع واحد

ترقية استثنائية لفائدة موظفي المديرية العامة للأمن الوطني الأربعة الذين قضوا جراء الحادث المروري

مجتمع منذ أسبوعين

القصر الكبير.. انطلاق عملية واسعة لجرد خسائر المتضررين من الفيضانات

اقتصاد منذ أسبوعين

مندوبية التخطيط: تراجع أسعار المواد الغذائية بالمغرب

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الاتحاد الإشتراكي..من “الحركة التاريخية” إل منطق “الوكالة الانتخابية”

مجتمع منذ أسبوع واحد

المديرية العامة للأمن الوطني تنعي أربعة من عناصرها إثر حادث سير مأساوي

رياضة منذ 6 أيام

إنفانتينو “مطمئن جدا” بشأن كأس العالم في المكسيك

واجهة منذ 5 أيام

TUI fly البلجيكية تعيد الربط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وبرشلونة

تكنولوجيا منذ أسبوعين

المغرب ينفق نحو 20 مليار درهم سنوياً على البحث والابتكار

مجتمع منذ أسبوعين

رقم قياسي لمجازر البيضاء في 2025 بأزيد من 30 ألف طن من اللحوم الحمراء

مجتمع منذ أسبوع واحد

بسبب إضراب العدول لا عقود زواج في المغرب لمدة أسبوع

اقتصاد منذ أسبوعين

لارام و FM6SS تتعاونان لتنظيم الطب الجوي في المغرب

دولي منذ 4 أيام

الصين تدعو مواطنيها لمغادرة إيران “بأسرع وقت ممكن”

اقتصاد منذ أسبوعين

مجموعة رينو تحقق أداءً قويًا وتتحرك بثقة

مجتمع منذ 5 أيام

“ترمضينة”..تطيح بشخصين بتهمة تبادل العنف بالأسلحة البيضاء بفاس

واجهة منذ يومين

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أسابيع

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أسابيع

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ شهرين

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 3 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 4 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 4 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 7 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 8 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 9 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 10 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 10 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 10 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 11 شهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 11 شهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 11 شهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 11 شهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 12 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الاكثر مشاهدة