على مسؤوليتي
إقرار دستورية قانون الإضراب… وليكن لابد أن أظل ديموقراطيا
نشرت
منذ 12 شهرفي
بواسطة
مصطفى المنوزي
حقا إن اعتبار المحكمة الدستورية لقانون الإضراب، مطابقًا للدستور يعني أن القانون يتوافق مع المبادئ والقواعد الدستورية التي تحكم الدولة. هذا الإقرار يشير إلى أن القانون لا ينتهك أيًا من الحقوق أو الحريات الأساسية المكفولة في الدستور، وأنه يلتزم بالإطار القانوني العام.
لكن هذا لا يعني بالضرورة، أن القانون عادل أو منصف بالمعنى الأخلاقي أو الاجتماعي. المحكمة الدستورية تُقيّم القانون من حيث دستوريته، أي مدى توافقه مع الدستور، وليس بالضرورة من حيث عدالته أو إنصافه في الممارسة العملية. العدالة والإنصاف قد تكونان موضوعًا للنقاش العام والسياسي، وقد يختلف الناس في تقييمهم لهما بناءً على وجهات نظرهم وقيمهم.
باختصار، إقرار المحكمة الدستورية بمطابقة القانون للدستور يعكس توافق القانون مع الإطار الدستوري، لكنه لا يُعتبر بالضرورة إقرارًا بكونه عادلًا أو منصفًا من الناحية الاجتماعية أو الأخلاقية.
بالضبط، القانون هو نتاج سياقات وظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية معينة، ويعكس عادةً التوازنات القائمة بين مختلف الفاعلين في المجتمع، بما في ذلك الحكومة والأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المدنية. عندما يُصوّت على قانون ما، فإنه يمثل توافقًا أو تسوية بين هذه الأطراف، ويعكس مصالح وتوجهات أولئك الذين شاركوا في صياغته وإقراره.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن القانون عادل أو مثالي للجميع. قد يكون القانون مطابقًا للدستور من الناحية الشكلية، لكنه قد لا يلبي توقعات أو احتياجات جميع فئات المجتمع. العدالة والإنصاف هما مفهومان نسبيان يعتمدان على السياق والظروف، وقد يختلفان باختلاف وجهات النظر والخلفيات ؛ فقانون الإضراب قد يكون مطابقًا للدستور من حيث كفالته الحق في التعبير والاحتجاج، لكنه قد يُقيّد ببعض الشروط التي تجعله أقل فعالية في نظر العمال أو النقابات. هنا، السياق السياسي والاجتماعي يلعب دورًا كبيرًا في تحديد مدى عدالة القانون.
باختصار، القانون هو نتاج ظرفية وسياقات معينة، وقد يكون مطابقًا للدستور دون أن يكون بالضرورة عادلًا أو منصفًا للجميع. العدالة الحقيقية تتطلب مراجعة مستمرة للنصوص القانونية وتفاعلًا ديناميكيًا بين التشريع والواقع الاجتماعي المتغير.
وهل هو ديمقراطي إذن ؟
الحواب عن السؤال يعتمد على تعريف الديمقراطية وكيفية تطبيقها في السياق الاجتماعي والسياسي. في الأساس، الديمقراطية تتعلق بمشاركة جميع الفئات في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم، وضمان الحقوق والحريات الفردية، وتعزيز المساواة والعدالة في المجتمع.
إذا نظرنا إلى قانون الإضراب من منظور ديمقراطية المحتوى ، فهناك عدة جوانب يجب النظر فيها:
إذا كان القانون يضمن للأفراد أو المجموعات الحق في التعبير عن احتجاجاتهم بشكل سلمي ومنظم، فإنه يعزز جانبًا أساسيًا من الديمقراطية. في هذه الحالة، يمكن القول إن القانون يعكس المبادئ الديمقراطية لأنه يسمح للعمال والنقابات بالمشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر عليهم. أما إذا كانت هناك قيود صارمة على ممارسة الإضراب (مثل فرض شروط معقدة أو قيود تتعلق بالتوقيت أو المكان أو عدد المشاركين)، فقد يُعتبر ذلك تقييدًا للحرية الديمقراطية، في هذه الحالة، قد يكون القانون يتعارض مع مبدأ الديمقراطية الذي يضمن حرية الأفراد والجماعات في التعبير عن آرائهم. ومن جهة أخرى إذا كان القانون يحمي حق الإضراب بشكل متساوٍ لجميع الفئات في المجتمع، بما في ذلك الفئات الاجتماعية والاقتصادية الضعيفة، فإن ذلك يمكن أن يُعتبر جانبًا ديمقراطيًا ، ولكن إذا كان القانون يصب في صالح فئة معينة ويقلل من حقوق أو فرص الآخرين في الاحتجاج، فقد لا يكون ديمقراطيًا بالمعنى الشامل. ولذلك فالديمقراطية ليست مجرد مبدأ قانوني، بل هي عملية تفاعلية تضمن تكييف القوانين مع الاحتياجات المتغيرة للمجتمع ، وإذا كان قانون الإضراب يعكس موازنة حقيقية بين مختلف المصالح الاجتماعية ويأخذ في الاعتبار قوى المجتمع المختلفة، فإنه يمكن أن يُعتبر ديمقراطيًا ، أما إذا كان القانون يعكس مصالح فئة معينة على حساب الآخرين، فقد تطرح هناك تساؤلات حول ديمقراطيته .
وكخلاصة ، قد يكون قانون الإضراب ديمقراطيًا من الناحية القانونية إذا كان يعكس المبادئ الأساسية للمشاركة والمساواة، ولكن العدالة الديمقراطية تتطلب أيضًا النظر إلى مدى تحقيقه لتوازن حقيقي بين حقوق جميع الفئات في المجتمع ، هكذا تصاغ القوانين ، وهي طبقية كأصل ، وقد يتم التوافق أحيانا حسب الظرفية الوطنية وعلاقتها بالشروط الجيوستراتيجية الدولية أو الإقليمية ، والمهم أن نكون واعين بقواعد لعبة التشريع وموازين القوة ، لقد صار قانون الإضراب أمرا واقعا وعلينا ممارسة كافة الحقوق دون تعسف في إستعمالها ، والأهم هو الثبات على المبدأ والذي عنوانه الديمقراطية وسيلة وغاية ، لا داعي للتظلم فكما تكون ديمقراطيتكم ( البينية والداخلية ) تولى عليكم ديمقراطية ( هم ) ! .
* مصطفى المنوزي
رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران
نشرت
منذ 16 ساعةفي
مارس 2, 2026بواسطة
سعيد لكحل
اعتاد عبد الإله بنكيران معاكسة المصالح العليا للوطن، عبر مهاجمة السياسة الخارجية للمغرب التي هي مجال محفوظ لجلالة الملك بعد أن كان مجالا للمزايدات السياسوية بين الأحزاب. فبنكيران يريد أن يجعل السياسة الخارجية للمغرب في خدمة ولاءاته الإيديولوجية العابرة للحدود وترجمة لمواقف تنظيمات الإسلام السياسي.
لهذا لم يتعظ بنكيران ولا يأبه حتى بما يصدر من بلاغات عن الديوان الملكي في موضوع التجاوزات الخطيرة لبعض الأحزاب، ضمنها حزب العدالة والتنمية حين أصدرت أمانته العامة، في مارس 2023، بيانا قالت فيه إنها “تستهجن المواقف الأخيرة لوزير الخارجية المغربي الذي يبدو فيها وكأنه يدافع عن الكيان الصهيوني في بعض اللقاءات الأفريقية والأوروبية، في وقت يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الإجرامي على الفلسطينيين”.
حينها صدر بلاغ الديوان الملكي منبها الحزب وأمينه العام بنكيران إلى “التجاوزات غير المسؤولة والمغالطات الخطيرة” الواردة في البيان، وأن “العلاقات الدولية للمملكة لا يمكن أن تكون موضوع ابتزاز من أي كان ولأي اعتبار، لاسيما في هذه الظرفية الدولية المعقدة. ومن هنا، فإن استغلال السياسة الخارجية للمملكة في أجندة حزبية داخلية يشكل سابقة خطيرة ومرفوضة”.
ورغم تشديد البلاغ على “إن السياسة الخارجية للمملكة هي من اختصاص جلالة الملك، نصره الله، بحكم الدستور، ويدبره بناء على الثوابت الوطنية والمصالح العليا للبلاد، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية”، يصر بنكيران على خرق هذا الثابت الدستوري بمهاجمة وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة، ومن خلاله تدبير جلالته للسياسة الخارجية للمملكة بما يخدم المصالح العليا للوطن.
مصلحة الحزب أم مصلحة الوطن؟
يثبت بنكيران وحزبه كما هو حال تنظيمات الإسلام السياسي، كامل الاستعداد للتضحية بمصلحة الوطن من أجل مصلحة التنظيم وارتباطاته الإيديولوجية وولاءاته الخارجية. وما يحدث في العراق واليمن ولبنان من تخريب للدولة وتفكيك لمكوناتها وتدمير لمقدراتها، هو نتيجة حتمية لتغول تنظيمات الإسلام السياسي وخدمتها لأجندات خارجية تفرضها الولاءات الإيديولوجية العابرة للحدود. ولا يختلف المسعى التخريبي لبنكيران وحزبه عن نظرائه في تلك الدول.
من هنا لا يسرُّ بنكيران وتياره الإيديولوجي ما تحققه الدبلوماسية المغربية من نجاحات وما تنتزعه من مكاسب وقرارات أممية حاسمة لفائدة الوحدة الترابية للمغرب. لهذا لا يراعي الظروف الدقيقة التي تمر بها قضيتنا الوطنية الأولى، والتي تتطلب تقوية الجبهة الداخلية وتغليب المصلحة العليا للوطن. فأن يهاجم بنكيران كلمة السيد بوريطة أمام مجلس السلام نيابة عن جلالة الملك، فهو لا يهاجم شخصا، بل دولة ومؤسساتها على رأسها المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين. إذ في الوقت الذي يعزز المغرب مكانته الدولية بما يضطلع به من أدوار أممية بهدف إحلال السلام ووقف الحرب على غزة، يخرج بنكيران عن الإجماع الوطني الداعم لقرارات جلالة الملك بالعضوية في مجلس السلام وتنفيذ ما تقتضيه من التزامات “القضاء على التطرف ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة”.
مظاهر التطرف عند حركة حماس.
إن التجربة الغنية التي راكمها المغرب في مواجهة التطرف والإرهاب، تؤهله لينقلها إلى غزة قصد تحرير أهلها مما أشاعته الحركة من عقائد متطرفة وما فرضته من قوانين وتشريعات متشددة حولت القطاع إلى إمارة “غزستان” أشبه بنظام طالبان. فالأمر لا يتعلق بتغيير مشاعر الغزيين نحو الإسرائيليين كما جاء في اتهام بنكيران للسيد بوريطة، بل يخص أهل غزة أنفسهم وتحريرهم مما فرضته عليهم حماس من مناهج تعليمية وتشريعات موغلة في التطرف والكراهية. فالحركة تعرّف نفسها، في المادة الثانية من ميثاقها بأنها “جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث”. إذ تسعى الحركة، حسب مؤسسها الشيخ أحمد ياسين “لتحقيق المشروع الإسلامي، والذي يبدأ بتحرير الإنسان، ثم تحرير الأرض، ثم إقامة نظام الله وتطبيق منهجه وشريعته، وهذا المشروع وحدة واحدة لا يتجزأ”. ومن ثم يحدد الميثاق أهداف حماس المركزية كالتالي (أمّا الأهداف: فهي منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنًا قيام دولة الإسلام، ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح).
الأمر الذي جعل الحركة تناهض وترفض كل مبادرات السلام، كما هو واضح في المادة الثالثة عشرة من ميثاقها: (تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية). من هنا جاءت معارضتها لاتفاقية أوسلو، وانقلابها على السلطة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وتبرز المادة السابعة والعشرون من ميثاق حماس مدى تطرف الحركة تجاه منظمة التحرير الفلسطينية “تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية.. والفكرة العلمانية مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، وعلى الأفكار تُبنى المواقف والتصرفات، وتتخذ القرارات . .لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا ومن فرّط في دينه فقد خسر [….] ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة، فنحن جنودها، ووقود نارها التي تحرق الأعداء”.
ومنذ سيطرة حماس على القطاع سنة 2007، نهجت سياسة أسلمة المجتمع والأفراد والتشريعات والمناهج الدراسية عبر فرض الحجاب والملابس الفضفاضة لدرجة أن مجلس القضاء الأعلى في القطاع ألزم المحاميات بالحضور إلى المحاكم وهن مرتديات الحجاب. كما أطلقت حكومة حماس سنة 2009 حملة تحت عنوان “نعم للفضيلة”، وأخرى سنة 2013 تحت عنوان “أخلاقي.. سر حياتي”، وفي أبريل من نفس العام أعلن وزير الشباب والثقافة في غزة عن انطلاق مشروع “سلوكيات إيجابية” لمحاربة كل القيم التي لا تخدم مشروع الأسلمة. ومن قرارات الحركة لفرض نموذجها على أهل غزة، أنها فرضت الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية والجامعية، ومنعت الاختلاط في المؤسسات والإدارات والحفلات. وإمعانا في التشدد الديني، شكلت وزارة الشؤون الدينية لجنة تكلفت بتنبيه الرجال في الشواطئ بعدم مس بعضهم بعضا علنا وتغطية أجسادهم. كما حظرت الحركة الاحتفال برأس السنة الميلادية في الفنادق والمطاعم والأماكن العامة بحجة أنه ينافي التعاليم الإسلامية. وامتدت إجراءات الأسلمة لتشمل الحياة الثقافية حيث عمدت حماس إلى منع تداول بعض الكتب أو سحبها من المكتبات؛ إذ شمل المنع كتب تراثية ودينية (فصوص الحكم، الفتوحات المكية، كليلة ودمنة)، وكتب فكرية/فلسفية (شرح أعمال ابن رشد والفارابي) وسياسية وأدبية (التي تنتقد الحركات الإسلامية، بعض الروايات العالمية المترجمة، بعض أعمال نجيب محفوظ). وقد تسبب قرار الأسلمة في انتشار ثقافة الكراهية ضد المواطنين المسيحيين حيث ازدادت الضغوط والاعتداءات عليهم، مما دفع جزءا كبيرا منهم إلى مغادرة القطاع (انتقل عدد المسيحيين من 3000 شخص سنة 2007، إلى 1400 سنة 2011).
لا يمكن، إذن، بناء السلام وتحقيق الأمن وعقائد التشدد وثقافة الكراهية تنخر مجتمع غزة وتمزق النسيج المجتمعي الفلسطيني بما تخلق من تنافر بين مكوناته. والمهمة التي تكلف بها المغرب تهدف إلى “القضاء على التطرف ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة” بغاية إعادة المجتمع الفلسطيني إلى طبيعته الثقافية المنفتحة وقيم التعايش التي ميزته عبر التاريخ.
على مسؤوليتي
حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري
نشرت
منذ يومينفي
مارس 1, 2026بواسطة
منال المستضرف
يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.
ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.
المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.
كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.
إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.
من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.
الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.
في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .
ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد وسلاسة الإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .
* مصطفى المنوزي
على مسؤوليتي
حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري
نشرت
منذ 3 أيامفي
فبراير 28, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.
ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.
المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.
كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.
إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.
من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.
الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.
في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .
ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد والإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .
* مصطفى المنوزي
البيضاء: توقيف سائق “تريبورتر” اقتحم الممر الخاص للباصواي
مقتل ستة جنود أميركيين منذ بدء الحرب على إيران
الدار البيضاء.. توقيف مهاجر غير شرعي للاشتباه في تورطه في تبادل العنف
الحرب على إيران تعطل طرق الملاحة العالمية
سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران
انطلاق عملية الإحصاء المتعلق بالخدمة العسكرية برسم سنة 2026
بنك CIH يختتم 2025 بأداء مالي قوي ويعزز تمويل الاقتصاد الوطني
حرب إيران.. ”لارام” تكشف مصير الرحلات الجوية إلى دبي والدوحة المتوقفة
إحباط محاولة تهريب أزيد من طن من “الشيرا” بضواحي بوزنيقة
رمضان: ارتفاع في الاستهلاك يؤثر على مدخرات الأسر
أسعار المحروقات تعود للارتفاع في المغرب مع بداية مارس 2026
مصفاة رأس تنورة السعودية تتعرض لهجوم بطائرات مسيرة وتُغلق مؤقتًا
كرة السلة المغربية من منطق الإعانة إلى منطق الاستثمار
الحكومة اللبنانية تقرر الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية
إسرائيل تعلن استهداف قائد بارز في حزب الله في بيروت
الجيش الإسرائيلي يهاجم أهدافا في إيران ولبنان بالتزامن
حزب الله اللبناني يعلن إطلاق صواريخ ومسيرات على إسرائيل
الرجاء ينفرد مؤقتا بالصدارة والوداد في المطاردة
توقعات أحوال الطقس اليوم الاثنين
الزمالك يفوز على بيراميدز وينفرد بصدارة الدوري المصري
الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل
حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا
أولمبيك الدشيرة يكشف تفاصيل بيع تذاكر مواجهة الوداد
تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي
الحكومة تتراجع عن إحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة
الدريدي م.أحمد: الصحة حقً للشعوب لا سلعةً للأرباح
ترقية استثنائية لفائدة موظفي المديرية العامة للأمن الوطني الأربعة الذين قضوا جراء الحادث المروري
القصر الكبير.. انطلاق عملية واسعة لجرد خسائر المتضررين من الفيضانات
مندوبية التخطيط: تراجع أسعار المواد الغذائية بالمغرب
الاتحاد الإشتراكي..من “الحركة التاريخية” إل منطق “الوكالة الانتخابية”
المديرية العامة للأمن الوطني تنعي أربعة من عناصرها إثر حادث سير مأساوي
إنفانتينو “مطمئن جدا” بشأن كأس العالم في المكسيك
المغرب ينفق نحو 20 مليار درهم سنوياً على البحث والابتكار
TUI fly البلجيكية تعيد الربط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وبرشلونة
رقم قياسي لمجازر البيضاء في 2025 بأزيد من 30 ألف طن من اللحوم الحمراء
بسبب إضراب العدول لا عقود زواج في المغرب لمدة أسبوع
لارام و FM6SS تتعاونان لتنظيم الطب الجوي في المغرب
الصين تدعو مواطنيها لمغادرة إيران “بأسرع وقت ممكن”
مجموعة رينو تحقق أداءً قويًا وتتحرك بثقة
“ترمضينة”..تطيح بشخصين بتهمة تبادل العنف بالأسلحة البيضاء بفاس
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني
الاكثر مشاهدة
-
على مسؤوليتي منذ 7 أيامالترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل
-
رياضة منذ 6 أيامإنفانتينو “مطمئن جدا” بشأن كأس العالم في المكسيك
-
واجهة منذ 5 أيامTUI fly البلجيكية تعيد الربط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وبرشلونة
-
دولي منذ 4 أيامالصين تدعو مواطنيها لمغادرة إيران “بأسرع وقت ممكن”
-
مجتمع منذ 5 أيام“ترمضينة”..تطيح بشخصين بتهمة تبادل العنف بالأسلحة البيضاء بفاس
-
اقتصاد منذ 5 أيامدخول قانون تعويض ضحايا حوادث السير حيز التنفيذ
-
منوعات منذ 4 أيامبعد جدل “لا إله إلا الله”.. قرار مشترك يحدد رسميًا مواصفات سيارات نقل الموتى
-
سياسة منذ 5 أيامرشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة لهذا السبب
