Connect with us

على مسؤوليتي

مصطفى المنوزي: من خسارة الزمن الوجداني إلى اختبار الثقة الإفريقية

نشرت

في

* (فازت النخبة الرياضية بالإعتذار، فمتى يسترد الجمهور الإعتبار )

وأخيرًا، “فاز” المغرب… لكن ليس في الملعب، بل في دهاليز الدفوعات القانونية. انتصارٌ تحقّق بسلامة الحجة، لا بحرارة اللحظة؛ بصرامة النص، لا بكثافة الحدث. غير أن هذا الفوز، وإن استوفى شروط المشروعية، جاء خارج الأجل الإنساني، أي خارج الزمن الذي تُصاغ فيه المعاني، وتُبنى فيه السرديات، وتترسخ فيه الانطباعات. وهنا يتأسس السؤال المقلق:
هل يمكن استدراك ما ضاع سياسيًا ووجدانياً؟.

وهو في عمقه استفهام إنكاري، يكشف حدود الاستدراك ذاته، لأن ما يُفقد في الزمن لا يُستعاد كاملًا بالقرارات المتأخرة.

ففي المستوى الأول، نحن أمام مفارقة العدالة المتأخرة. القانون قادر على تصحيح المسار، لكنه لا يضمن ترميم الأثر. فبين صحة الحكم وجدواه فجوة زمنية تُفرغ الانتصار من بعض معناه. وعندما يتأخر الإنصاف، يتحول من فعلٍ مؤثر في الحدث إلى تعليق عليه. وهنا يصبح الانتصار القانوني صحيحًا، لكنه ناقص الأثر، لأنه يصل بعد أن تكون الوقائع قد استقرت في الوعي الجماعي ؛ غير أن هذه الخسارة لا تبقى داخل المجال الداخلي أو الرمزي فقط، بل تمتد إلى الحقل الدبلوماسي، حيث تتحول الواقعة إلى اختبار للسرديات العابرة للحدود. فالحدث، في علاقته بالسنغال وبامتداداتها الإفريقية، لا يُقرأ كملف قانوني مغلق، بل كإشارة ضمن شبكة من التمثلات والحساسيات.

فدولة السنغال، بما تمثله من ثقل رمزي ومؤسساتي داخل إفريقيا، ليست مجرد طرف في واقعة، بل فاعل ضمن دوائر تضامن وتأويل. ومن ثم، فإن الأثر لا يُقاس بنتيجة النزاع، بل بكيفية إدراجه داخل الوعي السياسي والإعلامي هناك. فإذا قُدِّم الحدث كسوء تفاهم عابر، ظلّت كلفته محدودة؛ أما إذا تأطر ضمن سردية “اختلال التوازن” أو “غلبة قانونية بلا حسٍّ إفريقي”، فإننا نكون أمام بداية تصلّب سردي قد يؤثر في تموقعات لاحقة.
هنا يتسع معنى الخسارة ، لأن ما ضاع ليس فقط إحساسًا وجدانيًا داخليًا، بل أيضًا جزء من الزمن الدبلوماسي المشترك الذي تُبنى فيه الثقة. فالدول، مثل الأفراد، لا تتفاعل فقط مع النتائج، بل مع الإحساس بالاعتراف والإنصاف في لحظة الحدث.

في هذا السياق، يبرز البعد الأمني في معناه المركب ، فالأمن ليس فقط حماية المصالح، بل حماية المعنى من الانزلاق. لأنه حين تتصلب السرديات، تتحول إلى محددات للسلوك السياسي. ومن ثم، يمكن قراءة ما جرى ضمن ثنائية التهديد / الفرصة:
هو تهديد إذا تُرك المجال لتأويلات تُضعِف الثقة، وتُغذي إحساسًا ببرودة قانونية منفصلة عن الحس الإفريقي المشترك.
وهو فرصة إذا تم استثماره لإعادة بناء السردية، عبر دبلوماسية تواصلية تُعيد ربط القانون بروح التعاون، وتُحوِّل الحكم إلى لحظة اعتراف متبادل لا إلى مجرد حسم تقني.

أما على مستوى الحلفاء الأفارقة، فالتحدي أدقّ. فهذه الدول، وإن كانت براغماتية في سلوكها، إلا أنها شديدة الحساسية تجاه رمزية السيادة والكرامة. لذلك، فإن أي انطباع بوجود “انتصار قانوني بارد” قد لا يُواجَه بمعارضة صريحة، لكنه قد يترجم إلى حذر صامت يؤثر في مواقف مستقبلية، خاصة داخل الفضاءات القارية.
من هنا، يصبح الرهان الحقيقي هو الانتقال من دبلوماسية النتيجة إلى دبلوماسية الأثر. أي من الاكتفاء بكسب النزاع، إلى الاشتغال على ما بعده: على كيفية روايته، وتأطيره، واستثماره في تعزيز الثقة لا استنزافها.

إن التفكير النقدي التوقعي يفرض إعادة صياغة السؤال:
ليس فقط هل انتصرنا؟ بل: متى انتصرنا، وكيف فُهم هذا الانتصار، وبأي كلفة سردية؟
وهل استطعنا تحويله إلى رصيد مشترك، أم تركناه يتحول إلى نقطة توتر كامنة؟.

في المحصلة، قد ينتصر القانون… لكن متأخرًا. وقد يُعلن الحق… لكن بعد أن يكون قد خسر جزءًا من معناه. لذلك، فإن التحدي ليس في استدراك ما ضاع فقط، بل في منع ضياع جديد: ضياع الثقة، وضياع الزمن الإفريقي المشترك.

وهنا يتقاطع الأمني بالدبلوماسي في أفق واحد:
الأمن كقدرة على تأمين السرديات قبل أن تتصلب،
والدبلوماسية كفنّ لإعادة توزيع المعنى، بحيث يصبح الانتصار القانوني بدايةً لعلاقة أقوى، لا اختبارًا لصبرها.

* مصطفى المنوزي

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز

نشرت

في

بواسطة

إن غلاء الأضاحي واللحوم في الأسواق، رغم أموال الدعم العمومي التي رُصدت لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة، يوحي وكأن تلك القطعان تمر عبر مضيق هرمز الخاضع للحصار العسكري.

الأمر الذي يدعو للتساؤل حول مصير مليارات الدراهم التي خصصتها الدولة للحد من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فما يلمسه المغاربة داخل الأسواق مختلف تماما؛ إذ واصلت أسعار اللحوم والأضاحي الارتفاع في ظل مواصلة الدعم والاستيراد، بينما تزداد معاناة الأسر المتوسطة والفقيرة مع تكاليف المعيشة.

هذا التناقض أعاد بقوة النقاش حول طبيعة الفساد في المغرب، ليس فقط باعتباره رشوة أو اختلاسا مباشرا للمال العام، بل أيضا باعتباره منظومة اقتصادية تسمح بتحويل الدعم العمومي إلى أرباح خاصة، دون أثر واضح على معيشة المواطنين.

مليارات الدراهم ولهيب الأسعار.

منذ سنة 2022، وجد المغرب نفسه أمام وضع اقتصادي صعب بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة عالميا نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد، ثم الحرب الأمريكية الإيرانية. وأمام هذا الوضع، لجأت الحكومة إلى دعم استيراد المواشي واللحوم الحمراء عبر إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات مالية لفائدة المستوردين والمهنيين بهدف ضمان وفرة العرض وتخفيف الضغط على الأسعار، خصوصا مع اقتراب عيد الأضحى. إلا أن المواطن لم يشعر بأي انخفاض ملموس في الأسعار. فقد تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحمراء في معظم المدن 120 درهما ليلامس 150 درهما؛ بينما وصلت أثمنة الأكباش إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل اقتناء الأضحية عبئا ثقيلا على آلاف الأسر الفقيرة والمتوسطة. علما أن المغرب هو المستورد الثاني من البرازيل بعد تركيا، بحيث استورد بين يناير – أبريل 2025 ما قيمته 51.27 مليون دولار أمريكي؛ وبين يناير – أبريل 2026: 97.48 مليون دولار أمريكي، أي +90.1%. كما احتل المغرب الرتبة الأولى كوجهة رئيسية لصادرات الأغنام الحية الإسبانية خلال سنة 2024، بنسبة بلغت 51% من إجمالي الصادرات، لترتفع النسبة في شهر يناير 2025 إلى70%. وأظهرت معطيات هيئة الإحصاء الأوروبية Eurostat ارتفاعا لافتا في واردات المغرب من لحوم الأغنام والماعز القادمة من الاتحاد الأوروبي، إذ انتقلت من 396.768 كلغ سنة 2023 إلى 938.634 كلغ سنة 2024، أي بزيادة قدرها 137% . ورغم ذلك ظلت الأسعار مرتفعة.

واقع الغلاء هذا لم يجد له المواطنون تفسيرا منطقيا، بل دفعهم إلى التساؤل: إذا كانت الدولة تتحمل كلفة الدعم وتمنح امتيازات ضريبية للمستوردين، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه الإجراءات؟ وهل تحولت سياسة الدعم إلى آلية جديدة لتغذية الريع والمضاربة بدل حماية المستهلك؟.

أسئلة أجاب عنها وزير التجهيز والماء، نزار بركة، حين كشف عن استفادة 18 شخصاً من أكثر من 13 مليار درهم المخصصة لدعم استيراد المواشي من 2022 إلى حدود 2024. وهذا رقم رسمي أكدته وزارة الاقتصاد والمالية أمام البرلمان على هامش مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025. ويستفاد من هذه المعطيات أن المستورد استفاد من الدعم الحكومي لاستيراد الأغنام (بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم بمناسبة عيد الأضحى) كما استفاد من الإعفاء من دفع رسوم استيراد الأغنام والأبقار ومن الضريبة على القيمة المضافة دون أن يتراجع سعر أضاحي العيد وسعر اللحوم الحمراء.

كلفة الفساد.

النقاش حول الفساد والريع لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي أو النقاش السياسي الداخلي، بل تعكسه أيضا مؤشرات دولية مرتبطة بالحكامة والشفافية. فوفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لسنة 2025، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100، محتلا المرتبة 91 عالميا، وهو تصنيف يعكس استمرار التحديات المرتبطة بمحاربة الرشوة واستغلال النفوذ وضعف الشفافية.

كما تشير تقارير دولية مرتبطة بالحكامة إلى أن المغرب ما يزال يواجه تحديات في مجالات المنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة وفعالية السياسات العمومية، رغم الإصلاحات المؤسساتية التي أُطلقت خلال العقدين الأخيرين.

واقع تكشف عنه كذلك، الأرقام الرسمية وتقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ويظهر حجم النزيف الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني بسبب الفساد. إذ تقدر الكلفة السنوية للفساد بحوالي 50 مليار درهم، وهو رقم ضخم يعادل ميزانيات قطاعات اجتماعية كاملة (ميزانية وزارة الثقافة:1.42 مليار درهم، وزارة السياحة 1.76 مليار، ميزانية وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة:1.57 مليار درهم، ميزانية قطاعي الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني: 2.647 مليار درهم). بل تذهب تقديرات أخرى إلى أن الفساد يستنزف ما بين 4 و6 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، نتيجة الرشوة والتهرب الضريبي وسوء تدبير الصفقات العمومية وتضارب المصالح. هذه الخسائر لا تنعكس فقط على المالية العمومية، بل تؤثر أيضا على وتيرة النمو الاقتصادي وقدرة الدولة على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويرى خبراء الاقتصاد أن جزءا مهما من تعثر المشاريع العمومية وارتفاع كلفتها يعود إلى ضعف الحكامة وسوء تخصيص الموارد، حيث تتحول بعض الصفقات إلى مجال للمحاباة أو تضخيم الفواتير أو إعادة توزيع الامتيازات لفائدة شبكات المصالح. لهذا لم يعد المغاربة يطالبون فقط بالدعم، بل بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

معركة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

المعركة ضد الفساد في المغرب لم تعد مجرد معركة أخلاقية أو قانونية، بل أصبحت رهانا اقتصاديا واجتماعيا واستراتيجيا. فالدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع التي تطلقها، بل أيضا بقدرتها على حماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص وترسيخ الثقة في المؤسسات.

لهذا تبدو معركة المغرب الحقيقية اليوم ليست فقط في توفير الدعم، بل في ضمان وصول أثره إلى المواطن. ذلك أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بحجم الأموال التي تُصرف فقط، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للناس. ومن دون تعزيز الشفافية ومحاربة الاحتكار وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيظل جزء واسع من المغاربة يشعر بأن الفساد أقوى من الإصلاح، وأن الدولة تدعم الفراقشية أكثر مما تدعم المجتمع.

من هنا فإن أخطر نتائج الفساد ليست مالية فقط، بل اجتماعية وسياسية أيضا. فحين يرى المواطن أن الدعم العمومي لا ينعكس على الأسعار، وأن بعض القطاعات تستفيد من الامتيازات دون مراقبة حقيقية، ستتراجع ثقته في المؤسسات وفي جدوى الإصلاحات الاقتصادية. كما أن الإحساس بغياب العدالة الاقتصادية سيغذي مشاعر الاحتقان واليأس، خصوصا في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة. لهذا فإن مواجهة الفساد بكل تجلياته تستوجب “تعزيز مبادئ التخليق ومحاربة الفساد، من خلال تطوير فلسفة الرقابة والمحاسبة، إعمالا للمبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة” كما جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، في دجنبر 2024.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

كيف يمكن إنتاج التحول الممكن داخل نظام يفضل التكيف على التحول؟

نشرت

في

في ظل نظام ملكي وراثي يصعب داخله الحديث عن استكمال حلقات الانتقال الديمقراطي وفق النموذج الكلاسيكي، وفي سياق يتسم بهشاشة المشهد الحزبي التقدمي أمام تضخم الاصطفاف المحافظ والأصولي، لم يعد السؤال السياسي المركزي هو: كيف ننجز تغييرًا جذريًا؟.

بل أصبح: كيف يمكن إنتاج تحول تراكمي وممكن داخل بنية سياسية لا تسمح أصلًا بحسم ديمقراطي كامل، لكنها في الآن نفسه لم تعد قادرة على الاكتفاء بمنطق الضبط التقليدي؟.

لقد دخلت الدولة، منذ سنوات، في طور جديد يقوم على إدارة التوازنات أكثر من إنتاج التحولات. فهي تفكر بجدية في ضمان استمراريتها، وتدرك أن منطق الاستقرار أصبح جزءًا من شرعيتها السياسية والرمزية، غير أن توجسها من مطلب التحديث لا يقل حدة عن فوبيا الدمقرطة نفسها.

فالإشكال لم يعد فقط الخوف من انتقال ديمقراطي قد يعيد توزيع السلطة، بل أيضًا من تحديث قد يعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، ويوسع المجال العمومي، ويحرر الفاعلين من البنيات الرمزية التي تضمن استمرار التوازن التقليدي.

ولهذا تبدو الدولة أكثر ميلًا إلى “التكيف” بدل “التحول”.
أي تحديث أدوات التدبير والضبط، وامتصاص التوترات، وإعادة ترتيب التوازنات، دون السماح بتحول عميق في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فهي تقبل بالإصلاح حين يكون تقنيًا ووظيفيًا، لكنها تتحفظ تجاه كل إصلاح قد يفضي إلى إعادة تعريف الشرعية أو توسيع استقلالية الفاعلين والمؤسسات.

غير أن هذا الاختيار، رغم ما يمنحه من قدرة على الاستمرارية المرحلية، يظل محدود الأفق على المدى البعيد. لأن التكيف المستمر دون تحول منتج للشرعية قد ينجح في تأجيل الأزمة، لكنه لا يضمن تجاوزها. فالدول لا تستمر فقط بقدرتها على التحكم، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج معنى سياسي جديد يمنح المواطنين شعورًا بأن الاستمرارية نفسها تحمل أفقًا جماعيًا قابلًا للتصديق.

ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: إذا كان النظام سيفكر مستقبلًا في سلاسة الانتقال السياسي،فبأي شرعية إضافية سيفعل ذلك؟ هل بشرعية الإنجاز التقني؟ أم بشرعية الاستقرار؟ أم بشرعية أمنية تقوم على استثمار الخوف من الفوضى؟ أم بشرعية تعاقد سياسي وأخلاقي جديد يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟.

ذلك أن شرعية التاريخ، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا تكفي وحدها لضمان المستقبل، كما أن شرعية التدبير، رغم ضرورتها، تظل قاصرة إذا لم تُستكمل بشرعية المشاركة والمعنى والإنصاف.

لكن المعضلة العميقة تكمن في أن أي انتقال سلس يقتضي بالضرورة كلفة سياسية وحقوقية معينة؛ لأن الانتقال الحقيقي لا يتم فقط عبر إعادة ترتيب النخب، بل عبر إعادة توزيع الاعتراف، وتوسيع المجال العمومي، وبناء ضمانات جديدة للحرية والمساءلة والثقة. وهنا تحديدًا تبرز أهمية الانتقال من مطلب “التغيير الشامل” إلى بلورة “استراتيجية الاعتراف المنتج للإنصاف” لأن الرهان اليوم لم يعد فقط هو الوصول إلى السلطة أو استكمال النموذج الكلاسيكي للانتقال الديمقراطي، وإنما إعادة بناء شروط الفعل الإصلاحي الممكن داخل واقع مركب، حيث تراجعت الطموحات الجذرية، وخفتت الحركة المطلبية، وتقلص حضور اليسار إلى حدود تمثيل ذاته وبعض امتداداته المحدودة داخل أقلية حداثية متناثرة ؛ وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف مدخلًا لإعادة تشكيل المجال العمومي، لا مجرد تعويض رمزي عن الديمقراطية المؤجلة. فالاعتراف بالذاكرة، وبالضحايا، وبالهوامش، وبالحق في الاختلاف، وبالكفاءات المستقلة، وبالحساسيات الحداثية، وبالحق في النقد والمساءلة؛ أي تحويل الاعتراف إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل المجتمع، وإنتاج شروط إنصاف تدريجي يوسع إمكانات التحول الهادئ. ولأن النموذج الحزبي الكلاسيكي يعيش حالة إنهاك واضحة، فإن الفعل التحولي لم يعد ممكنًا فقط عبر التنظيمات الإيديولوجية المغلقة، بل عبر بناء “كتلة تاريخية مرنة” تضم الحقوقيين، والمثقفين، والفاعلين المدنيين، والنخب المهنية، والطاقات الشبابية، حول قضايا ملموسة تتعلق بالحريات، والتعليم، والعدالة، والذاكرة، والحكامة، والكرامة الاجتماعية. كما أن التفكير النقدي التوقعي يفرض تجاوز ثنائية المواجهة الشاملة أو الاندماج الكامل داخل النسق، نحو ما يمكن تسميته بـ”التفاوضية المنتجة”، أي الاشتغال داخل تناقضات الدولة نفسها، واستثمار الهوامش المتاحة لتوسيع إمكانات الفعل العمومي تدريجيًا، دون السقوط في المغامرة القصووية المكلفة أو في التكيف السلبي المستسلم .

غير أن أخطر ما قد تواجهه الدولة والمجتمع معًا ليس مطلب الدمقرطة في حد ذاته، بل احتمال الوصول إلى وضعية “اللاتحول المزمن”، حيث تتحول المؤسسات إلى آليات لتأجيل الأسئلة بدل الإجابة عنها، وإدارة التوازنات بدل إنتاج أفق سياسي جديد، فيتراجع المعنى الجماعي لصالح التدبير التقني، ويحل الخوف من المجهول محل الثقة في المستقبل. ومن هنا تكتسب فكرة “عدم التكرار” معنى أوسع وأعمق. فلم يعد المقصود فقط منع عودة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل أيضًا منع تكرار الانغلاق السياسي، وتهميش النخب النقدية، وإفراغ المؤسسات من مضمونها التمثيلي، وتحويل الوطنية إلى مجرد ولاء صامت، أو اختزال السيادة في تعطيل النقاش العمومي ؛ فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط معركة الوصول إلى السلطة، بل معركة الحفاظ على إمكانية المستقبل نفسها؛ أي مقاومة الانهيار القيمي للمجال العمومي، ومنع تحوّل المجتمع إلى فضاء بلا أفق إصلاحي، حيث تستمر الدولة في التكيف دون تحول، وتستمر النخب في استهلاك الزمن دون إنتاج بدائل .

لهذا، ربما أصبح من الضروري الانتقال من مجرد التفكير في العدالة الانتقالية إلى أفق أوسع يمكن تسميته: “العدالة الانتقالية التوقعية”، أي عدالة لا تكتفي بتدبير جراح الماضي، بل تعمل أيضًا على منع انسداد المستقبل،عبر توسيع دوائر الاعتراف، وإعادة بناء الثقة، وصياغة شرعية متجددة تجعل الاستمرارية نفسها قابلة للتطور، لا مجرد آلية لتأجيل التحول.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي

نشرت

في

في قطاع العدالة والمحاماة، لا ينبغي أن يُفهم هاجس تدوير النخب وتجديدها باعتباره دعوة إلى النفي المطلق أو إلى إحداث قطائع حاسمة قاتلة مع التراكم المهني والمؤسساتي، بل كرهان على “نفي النفي” بالمعنى الجدلي؛ أي تجاوز الاختلالات دون إعدام الذاكرة، وتجديد الشرعيات دون هدم الأسس، وإعادة بناء الثقة دون تحويل الاختلاف إلى حرب مواقع أو تصفية رمزية للأجيال السابقة.

فالمهن القانونية لا تعيش فقط بالتقنيات والمساطر، وإنما أيضًا باستمرارية الأعراف المهنية، وتراكم الخبرة، وضمير التقاليد الحقوقية ؛ لذلك فإن تدوير النخب داخل العدالة والمحاماة لا يكتسب معناه من مجرد تغيير الأشخاص، بل من القدرة على إنتاج انتقال مهني وأخلاقي ومعرفي يربط بين التجربة والتجديد، بين الذاكرة والإبداع، وبين الشرعية الانتخابية وشرعية الكفاءة والنجاعة. فكل قطيعة عمياء قد تتحول إلى شكل من “الكولابس القيمي” الذي يفرغ المؤسسات من معناها، كما أن كل انغلاق باسم الاستمرارية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأعطاب نفسها تحت غطاء المحافظة على التوازنات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفعيل “التفاوضية” ليس باعتبارها مجرد تقنية لتدبير الخلافات القطاعية أو الفئوية، بل بوصفها ثقافة مؤسساتية تؤطر العلاقة بين الدولة والفاعلين المهنيين والمدنيين داخل أفق سيادي منتج للتوافق الوطني. فالسردية السيادية لا تكتسب مشروعيتها من منطق الهيمنة أو الاحتواء، وإنما من قدرتها على استيعاب التعدد، وتأمين الاستقرار عبر آليات الاعتراف المتبادل والتشارك المسؤول. لذلك فإن التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي تقتضي الانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق تدبير التوازنات، لأن القطاعات الحساسة كقطاع العدالة والمحاماة لا تحتمل منطق الغالب والمغلوب، بل تحتاج إلى بناء الثقة وتحيين التوافقات.

كما تقتضي الاعتراف بأن الاختلاف المهني أو النقابي ليس تهديدًا للسيادة، بل قد يتحول إلى مورد لإغناء القرار العمومي متى تم تأطيره داخل قواعد المسؤولية الوطنية والمؤسساتية. ؛ فلا يتعلق الأمر فقط بتدبير المطالب الفئوية، وإنما بجعل التفاوض آلية لإنتاج المعنى المشترك وربط الإصلاح بأسئلة المرفق العمومي، وجودة العدالة، والأمن القضائي، والنجاعة الحقوقية.

كما أن حماية الذاكرة المهنية من منطق الإلغاء تظل شرطًا ضروريًا لاستمرار التراكم، دون أن تتحول تلك الذاكرة إلى ذريعة لعرقلة التداول والتجديد. من هنا وبهذا المعنى، تصبح التفاوضية جزءًا من “التفكير السيادي التوقعي”، لأنها لا تدبر الأزمة فقط، بل تستبق تحولات الثقة والشرعية، وتمنع تحول الخلافات المهنية إلى تصدعات رمزية داخل المجال الوطني. فقوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القرار، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج الشرعية التشاركية، حيث يصبح الإصلاح ثمرة تفاوض عقلاني ومسؤول، لا نتيجة إنهاك متبادل أو انتصار ظرفي لطرف على حساب آخر.

*مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
رياضة منذ ساعتين

المنتخب الوطني يواصل استعداداته للمونديال

دولي منذ ساعتين

قائد الجيش الباكستاني في بكين برفقة رئيس الوزراء شهباز شريف

رياضة منذ 3 ساعات

سفيان الكرواني يحلم بالمشاركة في مونديال 2026

واجهة منذ 4 ساعات

توقعات أحوال الطقس لليوم الاثنين

رياضة منذ 5 ساعات

أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة..المنتخب المغربي يواجه نظيره السنغالي

رياضة منذ 12 ساعة

دوري أبطال إفريقيا: صنداونز يحرز اللقب

رياضة منذ 13 ساعة

نهضة بركان يتغلب على نهضة الزمامرة 1-0

رياضة منذ 15 ساعة

الرجاء الرياضي يفوز على أولمبيك الدشيرة 1-0

رياضة منذ 15 ساعة

أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة .. المنتخب المغربي يتأهل إلى دور النصف

دولي منذ 18 ساعة

ترامب: الولايات المتحدة لن تستعجل اتفاقا مع إيران

رياضة منذ 20 ساعة

الليغا: الزلزولي وإبراهيم دياز يتألقان في الجولة الأخيرة

تكنولوجيا منذ 21 ساعة

الصين ترسل رائد فضاء ليبقى سنة كاملة في مدار الأرض

دولي منذ 23 ساعة

إيبولا يودي بأكثر من مئتي شخص في الكونغو الديموقراطية

واجهة منذ 23 ساعة

شرة إنذارية: موجة حر من الأحد إلى الأربعاء بهذه المناطق

رياضة منذ يوم واحد

الدفاع الحسني الجديدي يتعادل مع أولمبيك آسفي (1-1)

دولي منذ يوم واحد

ترامب يقول إن مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن فتح مضيق هرمز

واجهة منذ يومين

بسبب ارتفاع أسعار الكيروسين الخطوط الملكية المغربية توقف مؤقتا بعض خطوطها

دولي منذ يومين

طهران وواشنطن تفيدان عن تقدم في مفاوضاتهما لإنهاء الحرب

رياضة منذ يومين

اتحاد تواركة يفوز على اتحاد يعقوب المنصور 2-1

سياسة منذ يومين

الملك يعفو عن المشجعين السنغاليين بمناسبة عيد الأضحى

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

من الحلول إلى الإحلال: كيف تحوّلت الانتخابات إلى سوسيولوجيا تفاوضية في الأنظمة المتكيّفة؟

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

حالة التنافي وحدود الاستقلال داخل الدولة المعرفية والمهنية

مجتمع منذ أسبوعين

مجلس إدارة OFPPT يصادق على برنامج العمل لسنة 2026

رياضة منذ أسبوعين

المنتخب المغربي يدخل كأس العالم بالذكاء الاصطناعي

واجهة منذ أسبوع واحد

الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب تستحضر الذكرى 23 لاعتداءات 16 ماي

منوعات منذ أسبوع واحد

السجن 5 سنوات للفنان سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب

رياضة منذ 4 أيام

التسيير الارتجالي يعرقل حاضر و مستقبل رياضة الكرة الحديدية

اقتصاد منذ أسبوعين

هذا موعد توقيع اتفاق مشروع خط أنابيب الغاز بين المغرب و نيجيريا

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي

مجتمع منذ أسبوع واحد

نقابة مهنيي الفنون الدرامية تحذر وزارة الثقافة

سياسة منذ أسبوع واحد

حقوقيون بأمريكا الشمالية يتضامنون مع النهج الديموقراطي

منوعات منذ أسبوع واحد

قصة الشاب المغربي الذي نصب نفسه ملكا في سويسرا

اقتصاد منذ أسبوعين

انتخاب مهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد العام لمقاولات المغرب

على مسؤوليتي منذ 7 أيام

سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز

واجهة منذ 7 أيام

اعتقال ثلاثة متطوعين مغاربة ضمن “أسطول الصمود العالمي”

اقتصاد منذ أسبوعين

واردات المغرب من الألواح الشمسية تتلقى دعمًا بعقد مع جينكو سولار

اقتصاد منذ أسبوعين

واردات المغرب من الغاز في 4 أشهر تنخفض 23%

منوعات منذ أسبوعين

التشكيلي عبد الإله الشاهدي ضيف برنامج “رؤى فنون تشكيلية”

اقتصاد منذ أسبوعين

المداخيل الجمركية تتجاوز 33,8 مليار درهم عند متم أبريل

رياضة منذ شهر واحد

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 7 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 7 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 9 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 11 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 12 شهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds