على مسؤوليتي
حالة التنافي وحدود الاستقلال داخل الدولة المعرفية والمهنية
نشرت
منذ أسبوع واحدفي
بواسطة
مصطفى المنوزي
يكشف الجدل المرتبط برفع حالة التنافي بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي عن أزمة أعمق من مجرد خلاف مهني أو تشريعي، لأنه يعيد طرح سؤال الحرية والاستقلالية داخل بنية الدولة نفسها، وحدود العلاقة بين الوظيفة العمومية والمهن الحرة، بل وحدود استقلال الجامعة ذاتها. فإذا كان بعض المدافعين عن رفع التنافي يقدمون الأمر باعتباره انتصارًا للانفتاح وتوسيعًا لحرية الممارسة المهنية، فإن المقاربة النقدية ترى في ذلك نوعًا من الالتفاف على مطلب الاستقلال الحقيقي، عبر نقل النقاش من سؤال إصلاح الجامعة وتحريرها إلى مجرد توسيع إمكانيات الجمع بين الوظائف والامتيازات المهنية.
ومن هذه الزاوية، يبدو متناقضًا الجمع بين وظيفة عمومية تقوم قانونيًا على التبعية الإدارية والتدرج المؤسسي والخضوع لالتزامات المرفق العام، وبين مهنة المحاماة التي تؤسس مشروعيتها الرمزية والقانونية على الاستقلال والحرية وعدم الخضوع. فالمحامي، من حيث المبدأ، ليس موظفًا لدى الدولة، بل فاعل مستقل يفترض فيه الدفاع عن الحقوق والحريات حتى في مواجهة الإدارة نفسها، بينما الأستاذ الجامعي، رغم مكانته العلمية، يظل خاضعًا لمنظومة الوظيفة العمومية وما تفرضه من التزامات إدارية ومالية وتنظيمية.
وهنا يبرز التناقض البنيوي الذي لم تستطع الأطروحات النفعية تجاوزه، لأنها اختزلت النقاش في سؤال السوق والمنافسة، وأهملت سؤال الاستقلال الرمزي والمؤسساتي ، بل إن المفارقة الأكثر عمقًا تكمن في أن المطالبة برفع التنافي تأتي في سياق ما تزال فيه الجامعة المغربية نفسها تعاني أزمة استقلالية وحرية أكاديمية. فكيف يمكن الحديث عن أستاذ “حر” يمارس المحاماة باعتبارها مهنة مستقلة، في حين أن الجامعة لم تحسم بعد علاقتها بالإدارة وبالسلطة السياسية، وبالرقابة البيروقراطية، وكذلك بشروط إنتاج المعرفة النقدية؟.
إن الحرية الأكاديمية لا تختزل في حرية التعبير الفردي، بل ترتبط بقدرة الجامعة على إنتاج معرفة مستقلة عن منطق الولاءوالضبط الإداري والتوظيف الظرفي. ولذلك فإن النقاش حول التنافي يكشف، في العمق، حدود النموذج الجامعي نفسه، الذي ما يزال يتأرجح بين وظيفة تكوينية مرتبطة بالدولة وطموح معرفي نقدي يبحث عن الاستقلال ؛ ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي ليس فقط هل يسمح للأستاذ بالمحاماة أم لا ؛ بل هل نملك أصلًا جامعة مستقلة بالمعنى الأكاديمي والمؤسساتي الذي يجعل الحديث عن الحرية المهنية امتدادًا طبيعيًا للحرية الفكرية؟.
لأن الخطر يكمن في تحويل مطلب الحرية والاستقلالية إلى مجرد أداة لإعادة توزيع المواقع المهنية، بدل أن يكون مدخلًا لإصلاح بنيوي يعيد التفكير في استقلال الجامعة ووظيفة المعرفة، فحدود التبعية الإدارية، ثم علاقة الدولة بالمهن الحرة والمؤسسات الوسيطة ؛ وبذلك، فإن الجدل حول التنافي لا يبدو مجرد نقاش قانوني عابر، بل أحد أعراض أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة المهنية والمعرفية في المغرب، وحدود الانتقال من منطق الوظيفة الخاضعة إلى منطق الفاعل المستقل والمسؤول.
+ مصطفى المنوزي
قد يعجبك
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز
نشرت
منذ 16 ساعةفي
مايو 18, 2026بواسطة
سعيد لكحل
إن غلاء الأضاحي واللحوم في الأسواق، رغم أموال الدعم العمومي التي رُصدت لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة، يوحي وكأن تلك القطعان تمر عبر مضيق هرمز الخاضع للحصار العسكري.
الأمر الذي يدعو للتساؤل حول مصير مليارات الدراهم التي خصصتها الدولة للحد من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فما يلمسه المغاربة داخل الأسواق مختلف تماما؛ إذ واصلت أسعار اللحوم والأضاحي الارتفاع في ظل مواصلة الدعم والاستيراد، بينما تزداد معاناة الأسر المتوسطة والفقيرة مع تكاليف المعيشة.
هذا التناقض أعاد بقوة النقاش حول طبيعة الفساد في المغرب، ليس فقط باعتباره رشوة أو اختلاسا مباشرا للمال العام، بل أيضا باعتباره منظومة اقتصادية تسمح بتحويل الدعم العمومي إلى أرباح خاصة، دون أثر واضح على معيشة المواطنين.
مليارات الدراهم ولهيب الأسعار.
منذ سنة 2022، وجد المغرب نفسه أمام وضع اقتصادي صعب بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة عالميا نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد، ثم الحرب الأمريكية الإيرانية. وأمام هذا الوضع، لجأت الحكومة إلى دعم استيراد المواشي واللحوم الحمراء عبر إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات مالية لفائدة المستوردين والمهنيين بهدف ضمان وفرة العرض وتخفيف الضغط على الأسعار، خصوصا مع اقتراب عيد الأضحى. إلا أن المواطن لم يشعر بأي انخفاض ملموس في الأسعار. فقد تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحمراء في معظم المدن 120 درهما ليلامس 150 درهما؛ بينما وصلت أثمنة الأكباش إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل اقتناء الأضحية عبئا ثقيلا على آلاف الأسر الفقيرة والمتوسطة. علما أن المغرب هو المستورد الثاني من البرازيل بعد تركيا، بحيث استورد بين يناير – أبريل 2025 ما قيمته 51.27 مليون دولار أمريكي؛ وبين يناير – أبريل 2026: 97.48 مليون دولار أمريكي، أي +90.1%. كما احتل المغرب الرتبة الأولى كوجهة رئيسية لصادرات الأغنام الحية الإسبانية خلال سنة 2024، بنسبة بلغت 51% من إجمالي الصادرات، لترتفع النسبة في شهر يناير 2025 إلى70%. وأظهرت معطيات هيئة الإحصاء الأوروبية Eurostat ارتفاعا لافتا في واردات المغرب من لحوم الأغنام والماعز القادمة من الاتحاد الأوروبي، إذ انتقلت من 396.768 كلغ سنة 2023 إلى 938.634 كلغ سنة 2024، أي بزيادة قدرها 137% . ورغم ذلك ظلت الأسعار مرتفعة.
واقع الغلاء هذا لم يجد له المواطنون تفسيرا منطقيا، بل دفعهم إلى التساؤل: إذا كانت الدولة تتحمل كلفة الدعم وتمنح امتيازات ضريبية للمستوردين، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه الإجراءات؟ وهل تحولت سياسة الدعم إلى آلية جديدة لتغذية الريع والمضاربة بدل حماية المستهلك؟.
أسئلة أجاب عنها وزير التجهيز والماء، نزار بركة، حين كشف عن استفادة 18 شخصاً من أكثر من 13 مليار درهم المخصصة لدعم استيراد المواشي من 2022 إلى حدود 2024. وهذا رقم رسمي أكدته وزارة الاقتصاد والمالية أمام البرلمان على هامش مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025. ويستفاد من هذه المعطيات أن المستورد استفاد من الدعم الحكومي لاستيراد الأغنام (بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم بمناسبة عيد الأضحى) كما استفاد من الإعفاء من دفع رسوم استيراد الأغنام والأبقار ومن الضريبة على القيمة المضافة دون أن يتراجع سعر أضاحي العيد وسعر اللحوم الحمراء.
كلفة الفساد.
النقاش حول الفساد والريع لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي أو النقاش السياسي الداخلي، بل تعكسه أيضا مؤشرات دولية مرتبطة بالحكامة والشفافية. فوفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لسنة 2025، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100، محتلا المرتبة 91 عالميا، وهو تصنيف يعكس استمرار التحديات المرتبطة بمحاربة الرشوة واستغلال النفوذ وضعف الشفافية.
كما تشير تقارير دولية مرتبطة بالحكامة إلى أن المغرب ما يزال يواجه تحديات في مجالات المنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة وفعالية السياسات العمومية، رغم الإصلاحات المؤسساتية التي أُطلقت خلال العقدين الأخيرين.
واقع تكشف عنه كذلك، الأرقام الرسمية وتقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ويظهر حجم النزيف الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني بسبب الفساد. إذ تقدر الكلفة السنوية للفساد بحوالي 50 مليار درهم، وهو رقم ضخم يعادل ميزانيات قطاعات اجتماعية كاملة (ميزانية وزارة الثقافة:1.42 مليار درهم، وزارة السياحة 1.76 مليار، ميزانية وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة:1.57 مليار درهم، ميزانية قطاعي الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني: 2.647 مليار درهم). بل تذهب تقديرات أخرى إلى أن الفساد يستنزف ما بين 4 و6 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، نتيجة الرشوة والتهرب الضريبي وسوء تدبير الصفقات العمومية وتضارب المصالح. هذه الخسائر لا تنعكس فقط على المالية العمومية، بل تؤثر أيضا على وتيرة النمو الاقتصادي وقدرة الدولة على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويرى خبراء الاقتصاد أن جزءا مهما من تعثر المشاريع العمومية وارتفاع كلفتها يعود إلى ضعف الحكامة وسوء تخصيص الموارد، حيث تتحول بعض الصفقات إلى مجال للمحاباة أو تضخيم الفواتير أو إعادة توزيع الامتيازات لفائدة شبكات المصالح. لهذا لم يعد المغاربة يطالبون فقط بالدعم، بل بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
معركة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المعركة ضد الفساد في المغرب لم تعد مجرد معركة أخلاقية أو قانونية، بل أصبحت رهانا اقتصاديا واجتماعيا واستراتيجيا. فالدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع التي تطلقها، بل أيضا بقدرتها على حماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص وترسيخ الثقة في المؤسسات.
لهذا تبدو معركة المغرب الحقيقية اليوم ليست فقط في توفير الدعم، بل في ضمان وصول أثره إلى المواطن. ذلك أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بحجم الأموال التي تُصرف فقط، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للناس. ومن دون تعزيز الشفافية ومحاربة الاحتكار وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيظل جزء واسع من المغاربة يشعر بأن الفساد أقوى من الإصلاح، وأن الدولة تدعم الفراقشية أكثر مما تدعم المجتمع.
من هنا فإن أخطر نتائج الفساد ليست مالية فقط، بل اجتماعية وسياسية أيضا. فحين يرى المواطن أن الدعم العمومي لا ينعكس على الأسعار، وأن بعض القطاعات تستفيد من الامتيازات دون مراقبة حقيقية، ستتراجع ثقته في المؤسسات وفي جدوى الإصلاحات الاقتصادية. كما أن الإحساس بغياب العدالة الاقتصادية سيغذي مشاعر الاحتقان واليأس، خصوصا في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة. لهذا فإن مواجهة الفساد بكل تجلياته تستوجب “تعزيز مبادئ التخليق ومحاربة الفساد، من خلال تطوير فلسفة الرقابة والمحاسبة، إعمالا للمبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة” كما جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، في دجنبر 2024.
على مسؤوليتي
كيف يمكن إنتاج التحول الممكن داخل نظام يفضل التكيف على التحول؟
نشرت
منذ 23 ساعةفي
مايو 18, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
في ظل نظام ملكي وراثي يصعب داخله الحديث عن استكمال حلقات الانتقال الديمقراطي وفق النموذج الكلاسيكي، وفي سياق يتسم بهشاشة المشهد الحزبي التقدمي أمام تضخم الاصطفاف المحافظ والأصولي، لم يعد السؤال السياسي المركزي هو: كيف ننجز تغييرًا جذريًا؟.
بل أصبح: كيف يمكن إنتاج تحول تراكمي وممكن داخل بنية سياسية لا تسمح أصلًا بحسم ديمقراطي كامل، لكنها في الآن نفسه لم تعد قادرة على الاكتفاء بمنطق الضبط التقليدي؟.
لقد دخلت الدولة، منذ سنوات، في طور جديد يقوم على إدارة التوازنات أكثر من إنتاج التحولات. فهي تفكر بجدية في ضمان استمراريتها، وتدرك أن منطق الاستقرار أصبح جزءًا من شرعيتها السياسية والرمزية، غير أن توجسها من مطلب التحديث لا يقل حدة عن فوبيا الدمقرطة نفسها.
فالإشكال لم يعد فقط الخوف من انتقال ديمقراطي قد يعيد توزيع السلطة، بل أيضًا من تحديث قد يعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، ويوسع المجال العمومي، ويحرر الفاعلين من البنيات الرمزية التي تضمن استمرار التوازن التقليدي.
ولهذا تبدو الدولة أكثر ميلًا إلى “التكيف” بدل “التحول”.
أي تحديث أدوات التدبير والضبط، وامتصاص التوترات، وإعادة ترتيب التوازنات، دون السماح بتحول عميق في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فهي تقبل بالإصلاح حين يكون تقنيًا ووظيفيًا، لكنها تتحفظ تجاه كل إصلاح قد يفضي إلى إعادة تعريف الشرعية أو توسيع استقلالية الفاعلين والمؤسسات.
غير أن هذا الاختيار، رغم ما يمنحه من قدرة على الاستمرارية المرحلية، يظل محدود الأفق على المدى البعيد. لأن التكيف المستمر دون تحول منتج للشرعية قد ينجح في تأجيل الأزمة، لكنه لا يضمن تجاوزها. فالدول لا تستمر فقط بقدرتها على التحكم، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج معنى سياسي جديد يمنح المواطنين شعورًا بأن الاستمرارية نفسها تحمل أفقًا جماعيًا قابلًا للتصديق.
ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: إذا كان النظام سيفكر مستقبلًا في سلاسة الانتقال السياسي،فبأي شرعية إضافية سيفعل ذلك؟ هل بشرعية الإنجاز التقني؟ أم بشرعية الاستقرار؟ أم بشرعية أمنية تقوم على استثمار الخوف من الفوضى؟ أم بشرعية تعاقد سياسي وأخلاقي جديد يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟.
ذلك أن شرعية التاريخ، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا تكفي وحدها لضمان المستقبل، كما أن شرعية التدبير، رغم ضرورتها، تظل قاصرة إذا لم تُستكمل بشرعية المشاركة والمعنى والإنصاف.
لكن المعضلة العميقة تكمن في أن أي انتقال سلس يقتضي بالضرورة كلفة سياسية وحقوقية معينة؛ لأن الانتقال الحقيقي لا يتم فقط عبر إعادة ترتيب النخب، بل عبر إعادة توزيع الاعتراف، وتوسيع المجال العمومي، وبناء ضمانات جديدة للحرية والمساءلة والثقة. وهنا تحديدًا تبرز أهمية الانتقال من مطلب “التغيير الشامل” إلى بلورة “استراتيجية الاعتراف المنتج للإنصاف” لأن الرهان اليوم لم يعد فقط هو الوصول إلى السلطة أو استكمال النموذج الكلاسيكي للانتقال الديمقراطي، وإنما إعادة بناء شروط الفعل الإصلاحي الممكن داخل واقع مركب، حيث تراجعت الطموحات الجذرية، وخفتت الحركة المطلبية، وتقلص حضور اليسار إلى حدود تمثيل ذاته وبعض امتداداته المحدودة داخل أقلية حداثية متناثرة ؛ وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف مدخلًا لإعادة تشكيل المجال العمومي، لا مجرد تعويض رمزي عن الديمقراطية المؤجلة. فالاعتراف بالذاكرة، وبالضحايا، وبالهوامش، وبالحق في الاختلاف، وبالكفاءات المستقلة، وبالحساسيات الحداثية، وبالحق في النقد والمساءلة؛ أي تحويل الاعتراف إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل المجتمع، وإنتاج شروط إنصاف تدريجي يوسع إمكانات التحول الهادئ. ولأن النموذج الحزبي الكلاسيكي يعيش حالة إنهاك واضحة، فإن الفعل التحولي لم يعد ممكنًا فقط عبر التنظيمات الإيديولوجية المغلقة، بل عبر بناء “كتلة تاريخية مرنة” تضم الحقوقيين، والمثقفين، والفاعلين المدنيين، والنخب المهنية، والطاقات الشبابية، حول قضايا ملموسة تتعلق بالحريات، والتعليم، والعدالة، والذاكرة، والحكامة، والكرامة الاجتماعية. كما أن التفكير النقدي التوقعي يفرض تجاوز ثنائية المواجهة الشاملة أو الاندماج الكامل داخل النسق، نحو ما يمكن تسميته بـ”التفاوضية المنتجة”، أي الاشتغال داخل تناقضات الدولة نفسها، واستثمار الهوامش المتاحة لتوسيع إمكانات الفعل العمومي تدريجيًا، دون السقوط في المغامرة القصووية المكلفة أو في التكيف السلبي المستسلم .
غير أن أخطر ما قد تواجهه الدولة والمجتمع معًا ليس مطلب الدمقرطة في حد ذاته، بل احتمال الوصول إلى وضعية “اللاتحول المزمن”، حيث تتحول المؤسسات إلى آليات لتأجيل الأسئلة بدل الإجابة عنها، وإدارة التوازنات بدل إنتاج أفق سياسي جديد، فيتراجع المعنى الجماعي لصالح التدبير التقني، ويحل الخوف من المجهول محل الثقة في المستقبل. ومن هنا تكتسب فكرة “عدم التكرار” معنى أوسع وأعمق. فلم يعد المقصود فقط منع عودة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل أيضًا منع تكرار الانغلاق السياسي، وتهميش النخب النقدية، وإفراغ المؤسسات من مضمونها التمثيلي، وتحويل الوطنية إلى مجرد ولاء صامت، أو اختزال السيادة في تعطيل النقاش العمومي ؛ فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط معركة الوصول إلى السلطة، بل معركة الحفاظ على إمكانية المستقبل نفسها؛ أي مقاومة الانهيار القيمي للمجال العمومي، ومنع تحوّل المجتمع إلى فضاء بلا أفق إصلاحي، حيث تستمر الدولة في التكيف دون تحول، وتستمر النخب في استهلاك الزمن دون إنتاج بدائل .
لهذا، ربما أصبح من الضروري الانتقال من مجرد التفكير في العدالة الانتقالية إلى أفق أوسع يمكن تسميته: “العدالة الانتقالية التوقعية”، أي عدالة لا تكتفي بتدبير جراح الماضي، بل تعمل أيضًا على منع انسداد المستقبل،عبر توسيع دوائر الاعتراف، وإعادة بناء الثقة، وصياغة شرعية متجددة تجعل الاستمرارية نفسها قابلة للتطور، لا مجرد آلية لتأجيل التحول.
* مصطفى المنوزي
على مسؤوليتي
التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي
نشرت
منذ يومينفي
مايو 17, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
في قطاع العدالة والمحاماة، لا ينبغي أن يُفهم هاجس تدوير النخب وتجديدها باعتباره دعوة إلى النفي المطلق أو إلى إحداث قطائع حاسمة قاتلة مع التراكم المهني والمؤسساتي، بل كرهان على “نفي النفي” بالمعنى الجدلي؛ أي تجاوز الاختلالات دون إعدام الذاكرة، وتجديد الشرعيات دون هدم الأسس، وإعادة بناء الثقة دون تحويل الاختلاف إلى حرب مواقع أو تصفية رمزية للأجيال السابقة.
فالمهن القانونية لا تعيش فقط بالتقنيات والمساطر، وإنما أيضًا باستمرارية الأعراف المهنية، وتراكم الخبرة، وضمير التقاليد الحقوقية ؛ لذلك فإن تدوير النخب داخل العدالة والمحاماة لا يكتسب معناه من مجرد تغيير الأشخاص، بل من القدرة على إنتاج انتقال مهني وأخلاقي ومعرفي يربط بين التجربة والتجديد، بين الذاكرة والإبداع، وبين الشرعية الانتخابية وشرعية الكفاءة والنجاعة. فكل قطيعة عمياء قد تتحول إلى شكل من “الكولابس القيمي” الذي يفرغ المؤسسات من معناها، كما أن كل انغلاق باسم الاستمرارية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأعطاب نفسها تحت غطاء المحافظة على التوازنات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفعيل “التفاوضية” ليس باعتبارها مجرد تقنية لتدبير الخلافات القطاعية أو الفئوية، بل بوصفها ثقافة مؤسساتية تؤطر العلاقة بين الدولة والفاعلين المهنيين والمدنيين داخل أفق سيادي منتج للتوافق الوطني. فالسردية السيادية لا تكتسب مشروعيتها من منطق الهيمنة أو الاحتواء، وإنما من قدرتها على استيعاب التعدد، وتأمين الاستقرار عبر آليات الاعتراف المتبادل والتشارك المسؤول. لذلك فإن التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي تقتضي الانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق تدبير التوازنات، لأن القطاعات الحساسة كقطاع العدالة والمحاماة لا تحتمل منطق الغالب والمغلوب، بل تحتاج إلى بناء الثقة وتحيين التوافقات.
كما تقتضي الاعتراف بأن الاختلاف المهني أو النقابي ليس تهديدًا للسيادة، بل قد يتحول إلى مورد لإغناء القرار العمومي متى تم تأطيره داخل قواعد المسؤولية الوطنية والمؤسساتية. ؛ فلا يتعلق الأمر فقط بتدبير المطالب الفئوية، وإنما بجعل التفاوض آلية لإنتاج المعنى المشترك وربط الإصلاح بأسئلة المرفق العمومي، وجودة العدالة، والأمن القضائي، والنجاعة الحقوقية.
كما أن حماية الذاكرة المهنية من منطق الإلغاء تظل شرطًا ضروريًا لاستمرار التراكم، دون أن تتحول تلك الذاكرة إلى ذريعة لعرقلة التداول والتجديد. من هنا وبهذا المعنى، تصبح التفاوضية جزءًا من “التفكير السيادي التوقعي”، لأنها لا تدبر الأزمة فقط، بل تستبق تحولات الثقة والشرعية، وتمنع تحول الخلافات المهنية إلى تصدعات رمزية داخل المجال الوطني. فقوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القرار، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج الشرعية التشاركية، حيث يصبح الإصلاح ثمرة تفاوض عقلاني ومسؤول، لا نتيجة إنهاك متبادل أو انتصار ظرفي لطرف على حساب آخر.
*مصطفى المنوزي
اعتماد إجراءات تنظيمية جديدة لضبط تسويق أضاحي العيد
روسيا تبدأ مناورات نووية لمدة ثلاثة أيام
نيمار يعود لتشكيلة البرازيل بعد معاناته من الإصابة
توقعات أحوال الطقس لليوم الثلاثاء
أوضاع الصحافيين ضمن تقرير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية
ترامب يؤجل هجوما على إيران كان مقررا الثلاثاء
إسماعيل الصيباري يتوج بجائزة أفضل لاعب في الدوري الهولندي
اعتقال ثلاثة متطوعين مغاربة ضمن “أسطول الصمود العالمي”
سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز
إطلاق حصة دعم جديدة لفائدة مهنيي النقل الطرقي
ريال مدريد يعلن رحيل قائده كارفاخال في نهاية الموسم
نتانياهو يؤكد اعتراض أسطول الصمود المتجه إلى غزة
محكمة إسبانية تأمر بإعادة 55 مليون يورو إلى شاكيرا في قضية ضريبية
كيف يمكن إنتاج التحول الممكن داخل نظام يفضل التكيف على التحول؟
حقوقيون بأمريكا الشمالية يتضامنون مع النهج الديموقراطي
أسعار النفط ترتفع 2%.. وخام برنت لشهر يوليو قرب 110 دولارات
منتخب إيران يغادر إلى تركيا تحضيرا لمونديال 2026
سبعة قتلى بينهم قيادي في الجهاد الاسلامي بغارات اسرائيلية على لبنان
توقعات أحوال الطقس لليوم الاثنين
بلاغ لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حول تاريخ عيد الأضحى
إشكالية التنافي بين المقاربة النقدية والمقاربة النفعية
متخصصو الصحة النفسية يطالبون بإخضاع الممارسين للتقييم العقلي
سعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب
الموسيقار عبد الوهاب الدكالي يترجل عن صهوة الحياة
من الحلول إلى الإحلال: كيف تحوّلت الانتخابات إلى سوسيولوجيا تفاوضية في الأنظمة المتكيّفة؟
سعيد الكحل يكتب: مالي ضحية تحالف الانفصال والإرهاب
حالة التنافي وحدود الاستقلال داخل الدولة المعرفية والمهنية
مجلس إدارة OFPPT يصادق على برنامج العمل لسنة 2026
بسبب تأخير الأجور..إضراب تصاعدي داخل المؤسسات الإعلامية والصحفية
المنتخب المغربي يدخل كأس العالم بالذكاء الاصطناعي
جدل استدعاء مجلس المنافسة في تنظيم مهنة المحاماة بين منطق السوق ووظيفة العدالة
الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب تستحضر الذكرى 23 لاعتداءات 16 ماي
أيوب بوعدي يوافق على حمل قميص المنتخب المغربي
السجن 5 سنوات للفنان سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب
القنيطرة: تأجيل النظر استئنافيا في ملف “امبراطور الغرب” ادريس الراضي
هذا موعد توقيع اتفاق مشروع خط أنابيب الغاز بين المغرب و نيجيريا
الوداد الرياضي يتغلب على الرجاء الرياضي 1-0
وفاة المدير العام الأسبق للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب علي الفاسي الفهري
وفاة المسرحي و السينمائي المغربي نبيل لحلو
بوعياش تدعو إلى مشاركة فعلية للمهاجرين في إعداد سياسات الهجرة
البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
الاكثر مشاهدة
-
على مسؤوليتي منذ 7 أيامسعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب
-
على مسؤوليتي منذ 6 أياممن الحلول إلى الإحلال: كيف تحوّلت الانتخابات إلى سوسيولوجيا تفاوضية في الأنظمة المتكيّفة؟
-
مجتمع منذ 5 أياممجلس إدارة OFPPT يصادق على برنامج العمل لسنة 2026
-
رياضة منذ 7 أيامالمنتخب المغربي يدخل كأس العالم بالذكاء الاصطناعي
-
واجهة منذ 4 أيامالجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب تستحضر الذكرى 23 لاعتداءات 16 ماي
-
منوعات منذ 4 أيامالسجن 5 سنوات للفنان سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب
-
اقتصاد منذ 6 أيامهذا موعد توقيع اتفاق مشروع خط أنابيب الغاز بين المغرب و نيجيريا
-
منوعات منذ 6 أيامالتشكيلي عبد الإله الشاهدي ضيف برنامج “رؤى فنون تشكيلية”
