Connect with us

على مسؤوليتي

حلول ذكرى الجلوس الفضية في غياب الجدية والإعداد للملكية البرلمانية.. 3/1- الملك لم يستقبل لا المنصوري ولا بركة

نشرت

في

* مراد بورجى

تشهد مجالس السياسيين وصالونات العاصمة الرباط، هذه الأيام، تداولات، وبشكل علني بعيدا عن “السرية” و”الأمانات”، لحالةٍ لها تأويلات وتداعيات، تتعلّق بكون الملك محمد السادس لم يستقبل، إلى حدود اليوم، كلا من فاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة، بعد انتهاء مؤتمريهما الوطنيين، مؤتمر البام (أيام 9-11 فبراير 2024) ومؤتمر الاستقلال (أيام 26-28 أبريل 2024)، وبالتأكيد لن يستقبلهما، رغم الطلبين اللذين وجّهاهما معا، كلّ على حدة، إلى القصر الملكي.

لا يبدو أن الملك سيكون مسرورا بحالة الأحزاب المغربية، أو بالأحرى سيكون غاضبا، وهو يحيي الذكرى “الفضية” لجلوسه على العرش، التي تحلّ يوم 30 يوليوز 2024، إذ أن تطلّعاته، اليوم، تتركّز على تهييء البيئة السليمة الحاضنة لإعمال الملكية البرلمانية، التي تتطلّب وجود أحزاب قوية، فيما الملاحظ أن كل ما يهمّ قادة البام والاستقلال، على سبيل المثال لا الحصر، هو التسابق على الكراسي، وتقديم المصالح الشخصية على مصلحة الوطن!!

لم يكن صدفة أن الملك كرّس خطاب ذكرى الجلوس الرابعة والعشرين (30 يوليوز 2023) لمبدأ “الجدية”، التي تفتقدها الأحزاب السياسية، التي طالما توجّه إليها بـ”الخطابات” و”الغضبات”، لكن دون أن تثمر لا الخطابات ولا الغضبات ولا التوجيهات ولا حتى الأوامر في تحقيق التقدّم المنشود لعمل سياسي كفيلٍ بإحداث تغيير نوعي في النظام السياسي المغربي، والخوض جماعيا، الملك والشعب والأحزاب والبرلمان والحكومة ومختلف التنظيمات المدنية، لِرهان وتحدّي الملكية البرلمانية… والنتيجة: مشهد سياسي مهلهل ومختل، وحقل حزبي منهار ومعتلّ.

الجالس على العرش لن يكون، اليوم، راضيًا وهو الذي سبق أن لاحظ وأكد، في خطاب الذكرى 18 للجلوس، أن “بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية.. أما عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها”.

لكل ذلك، لم يستقبل الملك المنصوري وبركة، لأنه، بكل بساطة، لم يلمس “الجدية”، التي ظل يدعو إليها، أولا في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لم تستطع قيادته الجماعية الوفاء بالوعود، التي قطعتها المنسقة الوطنية للأمانة العامة فاطمة الزهراء المنصوري على نفسها، وفي صدارتها تحويل البام إلى ورش لـ”المراجعة والتأهيل”، وثانيا، في حزب الاستقلال، الذي ظل يشتغل سنتين خارج القانون، حتى اضطرت وزارة الداخلية إلى تنبيه وتهديد الأمين العام نزار بركة، الذي بات، منذ انتهاء المؤتمر الثامن عشر، يحكم حزب الاستقلال وحده، دون أن يستطيع تشكيل لجنته التنفيذية، التي دخلت في غياهب “المجهول”!!!

لنبدأ بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي لم أكن أتصوّر درجة الخذلان، الذي مارسته قيادة البام في حق البام نفسه وفي حقّ جميع الباميين، وأنا أطالع فقرات البلاغ، الذي أصدره المكتب السياسي، في اجتماعه الأخير يوم الثلاثاء 16 يوليوز 2024، والذي بلع لسانه أمام الاتهامات “المهولة”، التي وجّهها الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي، حسن أوريد، في منتصف ماي الماضي، إلى “حزب صديق الملك”، حين وصف “نشأته” من قِبل فؤاد عالي الهمة بـ”الخطيئة”، وحمّله مسؤولية “تكلّس الفعل السياسي” و”اغتيال العملية السياسية”… كل هذه الاتهامات “الفادحة” لم تحرّك أي شعرة في رؤوس قادة البام، فقد بلعوا ألسنتهم، ولم تأخذهم أدنى “حِمْية” على حزبهم وعلى مؤسسه الأول، مما كان يتطلّب بعضًا من المروءة من هذه القيادة لتردّ على تلك “الاتهامات” رداً للجميل!!

في المقابل، لم يذّخر البلاغ المذكور جهداً في ممارسة “قتل الفعل الحزبي”، عن طريق تحويل مهام البام إلى مجرّد “بوق” للدفاع عن رئيسهم الملياردير عزيز أخنوش، ووصف الانتقادات الموجّهة له بـ”الشعبوية”، وبدا جليا أن كل ما يهمّ هؤلاء القادة هو “المحافظة” على “التحالف الثلاثي”، والإعلان جهراً عن استغلال “الأغلبية العددية” في الانتخابات المقبلة للاستمرار في الهيمنة على الحكومة، وعلى الشعب، وعلى المنافع والمواقع…ولهم أن يتأكدوا، من الآن، أن هذا لن يكون!!!

كان على قيادة البام أن تستحضر قيم ومبادئ وتوجيهات “خطاب الجدية”، وأن تجيب الملك وتجيب الشعب على انتظاراتهما، التي عبّر عنها الجالس على العرش في عشرات الخُطب والرسائل الملكية ليست آخرتها تلك التي وجّهها إلى المنسقة الوطنية، بمناسبة انتهاء مؤتمر الحزب الخامس في فبراير الماضي، حيث رسم الملك “خريطة أهداف” الحزب، وهي السعي “إلى إرساء حكامة تنظيمية، وإلى أداء الأدوار المخولة دستوريا للأحزاب السياسية بشكل متجدد، وإلى ترسيخ مكانته ضمن الأحزاب الجادة المنخرطة في المشروع الديمقراطي والتنموي الوطني”. فما كان من فاطمة الزهراء المنصوري، التي أطلّت على المغاربة، مباشرة بعد انتهاء المؤتمر، من نافذة “القناة الثانية”، إلا أن تُبدي “تفاعلها” مع الخطاب، بصياغة “دفتر تحمّلات” القيادة الجديدة، التي حدّدتها في “تجديد المؤسسات الحزبية، وتصحيح الاختلالات وتجديد المقاربة، ومراجعة الذات وإعادة النظر في مشروع البام بمنهجية جديدة”… وفي هذا الصدد، كان أول شيء وجب عليها فعله هو المكاشفة، فتكاشفهم بالمعطيات الحقيقية وراء ما كنتُ أسميتُه، في مقال سابق، بـ”الفرملة”، في إيحاءٍ إلى “جهة ما”، يبدو لي اليوم أنها ربما كانت على صواب، حين فرضت صيغة “القيادة الثلاثية”، التي عوض أن تكون مدخلا لـ”إشراك” أطر الحزب و”الانفتاح” أكثر على محيط الحزب، تحوّلت إلى نوع من “تعويم” المسؤولية، و”تعليق” منصب الأمانة العامة المُفردة، التي كانت فاطمة الزهراء المنصوري، كما يعرف الجميع، “موعودة” بالجلوس على الكرسي، الذي جلس عليه حسن بنعدي والشيخ بيد الله، والباكوري، وبنشماس.

هؤلاء على الأقل لم يحوِّلوا البام إلى “زاوية” مُغلقة ومنغلقة على مجموعة بعينها من “القيادة”، أصبحوا وحدهم الذين يظهرون في الصورة وألغَوْا من حساباتهم باقي شعب وأطر البام، بعدما بات كل همّهم هو “التزلّف” لرئيس الحكومة لتأمين مواقعهم ومصالحهم الضيقة ومصالح “مقربيهم” داخل وخارج البام، والحصيلة أن الوعود والآمال، التي حملتها “القيادة الجديدة” انتهت إلى “تحنيطها” في الرفوف، دون أن يظهر أثر للمراجعة الموعودة، ولا أثر للنقاشات السياسية والمجتمعية لمختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والتنموية والثقافية، وخلاصة الحصيلة: قيادة جماعية فشلت في فتح ورش النقاش السياسي حول مشروع البام، الذي من شأنه أن يجيب على سؤال الموقع، وسؤال التطور، وسؤال ماذا يريد الملك، مع إعادة طرح سؤال “الوجود”؟

اختلالات الحقل الحزبي باتت تخرج عن السيطرة، حيث للبام منها نصيب وافر وفاضح، بدأت محدودة منذ مغادرة فؤاد عالي الهمة احتجاجا على ما آلت إليه سفينة البام من “انحرافات كثيرة”، وفق ما جاء في رسالة الاستقالة… ثم شرعت (الأعطاب) تتنامى وتتشعّب وتتضخّم مع قيادة إلياس العمري، التي انتهت بطرده من الساحة السياسية برمّتها، والتي يتلوّن حاليا للعودة إليها كـ”ثعلب يظهر ويختفي” بمكر…، قبل أن يأتي دور عبد اللطيف وهبي، الذي شكّل العنوان الأبرز على بداية النهاية، حيث جرى تغييب كل منظومة القيم، التي أتى بها المؤسسون الأوائل، فأدخل الباميين ليشاركوا في تنفيذ “مسرحية مُفلسة”، حملت وهبي إلى “الزعامة”، وهو الذي كان قد جرفه “حلم الاستوزار”، وأغرقه اعتقادٌ واهمٌ بنَصْر مفترض للبيجيدي في الانتخابات المقبلة (أكتوبر 2021)، فشرع يكثر الزيارات لزعيم الحزب الإسلامي عبد الإله بنكيران، ولأمينه العام سعد الدين العثماني، ولا يترك فرصة إلا و”ينتهزها” لتقديم “الطاعة” قربانا وتقرّبا من بركة الإخوان المسلمين، حتى وصل به الأمر إلى (اعتبار مؤسسة “إمارة المؤمنين” بمثابة “إسلام سياسي”، مثلها مثل حزب العدالة والتنمية)! وبالموازاة مع هذا التوجّه، عمد وهبي إلى تشديد الهجوم على حزب التجمّع الوطني للأحرار، واتهمهم باستمالة الناخبين بـ”قفة جود”، واتهم رئيس الحزب الملياردير عزيز أخنوش بنهب 1700مليار، وطالبه بإرجاعها إلى خزينة الدولة، وأعلان عن رفضه القاطع لأن يكون وزيرا في حكومة يرأسه فيها عزيز أخنوش… قبل أن يُصاب مُخطّطه بالخسران، و”يخسر” البيجيدي ويتصدّر حزب الأحرار، فما كان من السي وهبي “الوصولي” إلا أن أحنى الرأس، وذهب صاغرا إلى أخنوش، ومنذ أول لقاء وهو يأتمر بأوامره، حتى أنه كرى حنكه له، وقدّم لحمه ولحم حزبه “بارشوكا” لحماية الملياردير باطرونالمحروقات من غضب الشعب ومن الاحتجاجات!

في اعتقادي، كان على القيادة الجماعية للبام، عوض التفرّج على الحزب وهو يُهان، ويُنقَصف، بعدما انتَهَك وهبي “بكّارته”، التي كانت تستقطب له أعدادا متزايدة من المؤيدين والعاطفين، وأدخله إلى حكومة أذاقت المغاربة كل الويلات، أن تتداعى، داخل الحزب، إلى إعادة طرح سؤال الوجود، وجدوى المشروع اليوم، وفتح هذا الورش الديمقراطي، من خلال ما يتيحه الحزب من أدوات وآليات جديرة بضخامة هذا الورش، من قبيل مناظرة سياسية مفتوحة الآفاق، دون حدود ودون محرّمات ودون مسبقات، بما في ذلك التفكير المعمّق في واحد من أهم مبادئ التأسيس، وهو مبدأ محاربة “بلقنة” الحقل الحزبي، وفتح نقاشات جادة داخلية ومع الأحزاب ذات الصلات القريبة في الأرضيات والأهداف، وبالخصوص حليف البام في الحكومة وفي الاختلالات الحزبية، حزب الاستقلال، وعوض حزبين متضعضعين، يمكن أن تنتج الوحدة بينهما بروز حزب كبير وقوي، شريطة “التحرّر” من النخبة “الحاكمة” و”الخالدة”، وتصدّر القيادة بنخبة شابة وجديدة… ولِمَ لا البحث عن فكرة مماثلة لـ”ج8″ تفضي إلى اندماج أو اندماجات جديدة، تخلق بها أقطابا حزبية ديمقراطية قوية، كما فعلت فرنسا في انتخاباتها لقطع الطريق على المُفسدين، وشراء التزكيات، كعملية كفيلة بتحقيق التأهيل الحزبي المنشود لتطوير النظام السياسي لمغرب المستقبل، مغرب الأجيال الجديدة، وفي صدارته جيل “مغرب الحسن الثالث”.

لكن يبدو أن الملك قد يكون أصيب بالغبن وهو يتأمّل في الصور الملتقطة للاجتماع الأخير لرئاسة الأغلبية، بعدما ظهر له نزار بركة وحيدا، منفردا، إنه رمز حي إضافي على وضع التردّي الحزبي، الذي يتداعى إليه حزب الاستقلال بدوره، بأمين عام “يكمش” على مؤسسات الحزب، هو “القائد المسند الأحد”، بعدما جعلوا منه “المرشح الوحيد الأوحد” أمام المؤتمر ليبصم المؤتمرون على “حقّه” في أن يخلف نفسه بنفسه على رأس الأمانة العامة لحزب الاستقلال طوال 12 سنة، بعدما أعطى وعدا للمتوافقين، من تيار فاس وتيار الصحراء، بتقديم لائحة وحيدة لأعضاء المكتب التنفيذي، الذي يتشكّل من 30 اسما زائد الأمين العام، وكان المنتظر، طبقا للفصل 60 من النظام الأساسي للحزب، أن يعرض هذه الأسماء على المجلس الوطني للمصادقة، فإذا به يضع الوعد في “جيبه”، ويمزّق ورقة الاتفاق، ويقرّر إبقاء اجتماع المجلس الوطني مفتوحا، ويتعلّل بالبحث عن “التوافق” لتعليق الوعد، وبالتبعية تعليق اللجنة التنفيذية، ليبقى نزار بركة “القائد الوحيد الأحد الأوحد”! إلى حين إيجاد “بَركةٍ ما” ينتفع بها بركة لتنفيذ مخططه في “استجلاب” قيادات تكنوقراطية لإدخالها إلى اللجنة التنفيذية، مثلما بلع ووافق على استوزارٍ من خارج الحزب في حكومة أخنوش.

والظاهر أن الحاكم بأمره في حزب الاستقلال نزار بركة لا يولي أهمية لما يجري في الحزب، لا يهمه الحديث عن فساد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ولا عن تخليق ولا تأهيل ولا قانون أحزاب ولا أموال دعم عمومي وغير عمومي، المهم هو أن يبحث، بكل ما لديه من “بركة” متبقّية، عن السبل التي تكفل له التحكّم في قرار الحزب، الذي يكفل له التحكّم في من يدخل إلى الحكومة، وفي مواقع المجالس الترابية، وفي بعض المؤسسات العمومية… أما ما تبقّى، فلا قيمة له بالنسبة لنزار بركة، بما في ذلك التوجيهات الملكية، التي وردت في برقية تهنئة الملك، عقب تجديد انتخابه أمينا عاما، والتي تمنى له فيها التوفيق في “مواصلة النهوض بمهامه الحزبية على أحسن وجه من أجل تحقيق تطلعات هيأته السياسية لتوطيد مكانتها في المشهد السياسي الوطني، وتعزيز اضطلاعها بمهامها الدستورية بروح المسؤولية العالية والغيرة الوطنية الصادقة، بما يسهم في خدمة المصالح العليا للوطن والمواطنين”. غير أن نزار بركة، الذي اعتبر “الرسالة الملكية السامية ستظل نبراسا ومحفزا أساسيا لقيادة الحزب”، يوجد اليوم في وضع المتمرّد على توجيهات الملك، وفي وضع المخالف لانتظارات الاستقلاليين والاستقلاليات، بل ولعموم المغاربة!

ما يجري في الساحة الحزبية مليء بكل مسبّبات الإحباط السياسي، مما يجعلني، مثل كثير من المغاربة، لا أفهم كيف لا يرفّ جفن لهذه “القيادات المكرورة”، أو “القادة الخالدين”، أو “الحاكمين بأمر الأحزاب”، وكأن الحقل الحزبي المغربي “عاقر”، ولا توجد به نخب جديدة، والحال أن الأحزاب المغربية تتوفّر، عموما، على أطر وكفاءات مؤهلة، لكن الوجوه القديمة تسدّ كل الأبواب في وجوه الأجيال الجديدة… ثمّ تذرف دموع التماسيح على عزوف الشباب عن العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات، علما أن السبب الأساسي في هذا العزوف والانحباس والانسداد يعود إلى فقدان الثقة في الأحزاب وفي النخبة السياسية، فليس صدفة أن يوجّه الجالس على العرش للأحزاب السؤال الاستنكاري الخطير التالي: “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة، التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”!
يتبع..

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

نشرت

في

بواسطة

ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.

وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.

من الخيمة خرج مايل.

إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.

وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.

من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.

غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.

لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

نشرت

في

يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.

لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.

غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.

فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.

ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.

أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.

لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.

° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

نشرت

في

إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .

ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.

وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.

لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.

فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.

ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.

أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
رياضة منذ 30 دقيقة

مونديال 2026.. المغرب يخرج من مواجهة البرازيل بتعادل ثمين و بالكثير من الإقناع

رياضة منذ 35 دقيقة

مونديال 2026.. تعيين المغربي جلال جيد حكما لمباراة ألمانيا وكوراساو

رياضة منذ ساعة واحدة

أنشيلوتي: التعادل أمام المغرب يعكس طبيعة مباراة صعبة للغاية

رياضة منذ 3 ساعات

وهبي:.. “أنا فخور باللاعبين، وكان بإمكاننا الفوز على البرازيل”

واجهة منذ 4 ساعات

طقس حار مع قطرات مطرية متوقع اليوم الأحد

واجهة منذ 17 ساعة

بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء

رياضة منذ 18 ساعة

مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث

دولي منذ 19 ساعة

ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز

دولي منذ 20 ساعة

إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة

واجهة منذ 21 ساعة

افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير

رياضة منذ 22 ساعة

«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم

دولي منذ 23 ساعة

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة

اقتصاد منذ يوم واحد

قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير

رياضة منذ يوم واحد

هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت

منوعات منذ يوم واحد

كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل

رياضة منذ يوم واحد

أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم

رياضة منذ يوم واحد

التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي

واجهة منذ يوم واحد

توقعات أحوال الطقس لليوم السبت

رياضة منذ يومين

مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل

سياسة منذ 3 أيام

فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات

واجهة منذ أسبوعين

الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى

سياسة منذ 3 أيام

مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

واجهة منذ أسبوع واحد

عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر

رياضة منذ 6 أيام

البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23

منوعات منذ أسبوعين

اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami

اقتصاد منذ أسبوع واحد

رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية

منوعات منذ أسبوع واحد

الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي

رياضة منذ أسبوع واحد

تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين

منوعات منذ أسبوعين

“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو

رياضة منذ أسبوع واحد

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية

منوعات منذ أسبوع واحد

انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة

على مسؤوليتي منذ 6 أيام

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

اقتصاد منذ أسبوعين

20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة

سياسة منذ 3 أيام

المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة

مجتمع منذ أسبوعين

38 قتيلا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال أسبوع

رياضة منذ شهرين

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 8 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 8 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 10 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 12 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ سنة واحدة

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds