على مسؤوليتي
الهمة بين تكهنات العودة واللهطة الحزبية للكراسي.. أي نُخب لدولة ولي العهد؟
نشرت
منذ 3 أسابيعفي
بواسطة
مراد بورجى
* مراد بورجى
الحملات الانتخابية السابقة لأوانها، التي استبدّت مبكرا بقادة الأحزاب السياسية منذ سنة 2025، حين شرعوا في تقديم أنفسهم كوجوه “موعودة” لقيادة ما سُمي بـ”حكومة المونديال”، تحولت اليوم، مع الإعلان الرسمي عن موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إلى ما يشبه “جذبة سياسية” جماعية، حتى بدا وكأن جزءا من المشهد الحزبي المغربي دخل حالة استنفار غير مسبوقة.
فبمجرد تأكيد وزير الداخلية “المكلف” أن انتخابات مجلس النواب ستُجرى يوم 23 شتنبر 2026، انطلقت داخل بعض الأحزاب موجة متسارعة من التصريحات والتحركات، توحي بأن السباق الحقيقي، لدى هؤلاء، لم يعد يتعلق بالبرامج أو بتأهيل العمل الحزبي، بقدر ما يكشف عن لهفة مكشوفة حول من سيصل أولا إلى كرسي رئاسة الحكومة!!.
المثير للانتباه أن هذه الحركية السياسية، التي انطلقت داخل بعض الأحزاب، تعبر عن تجاهل صريح للأوامر الملكية، إذ بدل أن تنطلق النقاشات حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وحول تقييم سياسات الحكومة الحالية وكذا التجارب الحكومية السابقة، وحول إعادة بناء الثقة بين الأحزاب والمجتمع، وحول استعادة المصداقية للعمل السياسي النبيل…، عوض كل ذلك، بدا أن الانشغال القوي، الذي هيمن على عدد من القيادات الحزبية، كان انشغالا آخر تماما، إذ فضلت القفز مباشرة إلى المرحلة الأخيرة من اللعبة السياسية، أي من سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة بعد شطب اسم أخنوش من لائحة المتسابقين؟!!.
هذه اللهطة السياسية المبكرة تكشف في العمق خللا بنيويا في جزء من الثقافة الحزبية، حيث تحولت الانتخابات في وعي بعض القيادات من محطة ديمقراطية لتجديد النخب والبرامج إلى مجرد معركة مواقع تدور حول السلطة قبل أن تدور حول السياسة. والنتيجة أن النقاش السياسي انحرف تدريجيا عن جوهره الحقيقي، ومعه انحرف تنافس الأحزاب على تقديم تصورات جديدة لمستقبل البلاد، إلى منافسة شرسة على المواقع أولاً وأخيراً، في مشهد يعمق أكثر فأكثر الهوة بين المجتمع والعمل الحزبي: نفس الأسماء، نفس القيادات التي تدور في المواقع نفسها منذ سنوات طويلة، ونفس الذهنية التي لا ترى في العمل السياسي سوى آلية لتدوير النخب بدل تجديدها!!!.
هذه الانحرافات وهذا الاستهتار بالشعب، سيضع هذه الأحزاب، وبالخصوص رؤساءَها وقادتها، وجها لوجه ليس فقط أمام الملك محمد السادس، بل وأيضا أمام ولي عهده الأمير مولاي الحسن، وهذا محكّ دقيق يعرّي مسؤوليتهم على الفساد الانتخابي المتفشّي، بوسائل عدّة لعل أبرزها أداة “التزكيات”، التي تعتبر أخطر عملية في النظام الانتخابي المغربي، وطالما حذّر منها الجالس على العرش، في أكثر من خطاب، وحمّل مسؤوليتها إلى الأحزاب، إلى درجة أنه استقصد تكليف وزير الداخلية بإبلاغ تحذيراته إلى الهيئات السياسية في الاجتماع، الذي عقده معها يوم السبت 2 غشت 2025، بعدما “سحب” الملك الثقة من رئيس الحكومة ومن معه ووضعها في وزير السيادة.
رسائل التحذير الملكي كانت بليغة وقوية، إذ أن هذه الأحزاب، التي لم تنجح، طوال سنوات، في بناء نخب جديدة ومؤهلة، ولم تطور أدواتها الفكرية والتنظيمية لتجديد نفسها، تحولت، مع مرور الوقت، إلى ما يشبه ظاهرة “الزعامات الأبدية”، أو ما أسميتُهم بـ”المستخلدين”… فهناك “شخصيات” بعينها ظلت لعقود تحتل المواقع نفسها، تعود في كل استحقاق انتخابي بالخطاب نفسه والوعود نفسها والوجوه نفسها، حتى أن هذه القيادات، مع مرور السنوات، أصبحت ترى في الحزب مجرد إطار شخصي لإعادة إنتاج الموقع والنفوذ له ولزبنائه في التنظيم.
وفي خضم هذا المشهد السياسي العام، باختلالاته الحزبية السياسية والتنظيمية، كان طبيعي أن يعود اسم المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة ليتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة مع تزايد الأحاديث غير الرسمية عن احتمال عودته إلى الواجهة السياسية، عبر طرح اسمه في سياق النقاشات المرتبطة برئاسة الحكومة المقبلة.
ولتدقيق هذا الموضوع، أعتقد أنه لابدّ من العودة لقراءة البلاغ الملكي، الصادر بتاريخ 13 شتنبر 2016، والذي ردّ فيه الملك شخصيا على تصريحات نبيل بنعبد الله الأمين العام “الدائم” لحزب التقدم والاشتراكية، ، حينما كان مازال يعتقد أن فؤاد عالي الهمة ما زالت له علاقة بحزب البام، إذ شدّد البلاغ، الذي أصدره القصر، وقتها، على أن فؤاد عالي الهمة هو “مستشار لجلالة الملك حاليا، ولم تعد تربطه أي علاقة بالعمل الحزبي”، لافتا إلى أن “مستشاري صاحب الجلالة لا يتصرفون إلا في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة وصريحة من جلالة الملك”.
والظاهر، هنا، أن بلاغ القصر لم يكن مجرد توضيح بروتوكولي لعلاقة شخص بمؤسسة، إنه، في العمق،ترسيم صارم لحدود الأدوار داخل الدولة، وفصل واضح بين من يشتغل بمنطق المؤسسات، ومن يشتغل بمنطق السباقات الحزبية، وهو خلط يكشف في حد ذاته أزمة فهم أعمق لطبيعة المرحلة السياسية، مرحلة الإعداد للمرور السلس للحكم.
والحال أن المستشار الملكي، بحسب الأدوار داخل الدولة وما تتطلبه مهام القصر، لديه انشغالات أكبر من سباق الأحزاب أو صراع المناصب. فدور رجالات الدولة (الديوان الملكي) يركز على ما هو أبقى وأكبر وأعمق: العمل على تحصين الاستحقاقات المقبلة وضمان شروط تنافس سياسي سليم، وهذا ما ظهر جليا في عدد من التحولات النوعية في الحياة السياسية، من قبيل المراجعة النوعية والحازمة للقوانين الانتخابية لضمان نزاهة الاستحقاقات، وفي تعزيز وتفعيل مؤسسات الحكامة، من خلال فتح ملفات الفساد السياسي داخل الأحزاب وفي المؤسسات ومختلف الجماعات، حيث جرى جرّ عشرات المنتخبين إلى المحاكم، التي أدانت بعضهم بالسجن وتواصل محاكمة آخرين، فيما تباشر وزارة الداخلية سياسة العزل “الممنهج”.
دور رجالات الدولة لا يقتصر على ما سبق، فهو يتجلى أيضا في جملة من الإجراءات والتدابير القانونية والسياسية والأخلاقية الرامية إلى وضع حد لاستدامة الوجوه الحزبية “المستخلدة”، التي هيمنت طويلا على تنظيماتها وسخرتها لخدمة مصالحها ومواقعها. وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من المؤشرات، من بينها التعديل الحكومي الأخير، أو ما اسميته من قبل بـ”حكومة موروكومول”، وتوسيع دائرة ما يُعرف بـ”الفراقشية” من أضاحي العيد إلى مجالات أخرى كالأدوية وغيرها، بما يعكس أن هذه الاختلالات لم تكن سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. أما ما تحت السطح، فهو أعمق بكثير، ويتعلق بشبكات مصالح ترسخت داخل بعض البنيات الحزبية، وبدأت تصطدم مباشرة بمنطق الدولة والشعب.
وفي هذا السياق، تأتي العديد من القرارات حاملة معها رسائل سياسية واضحة، من قبيل “إبعاد” عزيز أخنوش عن رئاسة الأحرار، مع ترقب “إبعادات” أخرى شبيهة، إن لم تبادر بإبعاد نفسها بنفسها، مع إخضاع وجوه قيادية أخرى تعمل من الخلف للمبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي التي ما فتئت تُقدّم منطق الأفراد على منطق الدولة، ومنطق المحاصصة أو توزيع الغنائم على حساب الإصلاح..وهو ما قد يفضي إلى سقوط رؤوس أخرى حان وقت مساءلتها.
إن الإصرار على إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس أساليب العمل السياسي التي استهلكها الزمن، قد أدت إلى تعميق الفجوة بين الأحزاب والدولة، ولعل هذا ما يفسر أن وزارة الداخلية، بخلفيتها السيادية، أضحت اليوم تتصدر المشهد السياسي، حيث لا يقتصر دور الدولة على مجرد تنظيم الانتخابات الدورية، وإنما يتجلى أيضا في ضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وخاصة ممن حوّلوا مناصبهم إلى فرص للإثراء اللامشروع وللإضرار بالمال العام، إما عبر النهب أو التبذير وسوء التسيير، حتى أن وزير الداخلية السيادي، عبد الوافي لفتيت، خرج من قلب البرلمان يتوعد المفسدين، ويؤكد عدم التسامح مع أي تجاوزات في حق الجماعات الترابية أو المال العام، مع تحذير صريح أن كل من استولى على درهم أو متر أرض خارج القانون سيكون مطالبا بالحساب، كاملا غير منقوص…بشعاره الجديد: “لي فرط يكرط”.
هذه المؤشرات، وغيرها مما سنعود إليه في مقالات قادمة، لا أعتقد أنها تعكس فقط حملة ظرفية ضد الفساد، إنها تقدم لنا ملامح أولية على مرحلة سياسية جديدة قيد التشكّل، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والحياة الحزبية على أسس أكثر صرامة ووضوحا. مرحلة يجري فيها التنزيل المنتظم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية، كما أكد ذلك الملك محمد السادس، بغرض وضع حد لوهم الحصانة السياسية، أو الترويج لأكذوبة “الفوق بْغاني” الذي غذّى لسنوات، بل ولعقود، سلوك بعض الوجوه “المستخلدة”…مرحلة فرز حقيقي: إما الانخراط في منطق دولة القانون، أو السقوط تحت طائلة المحاسبة.. بلا استثناء، وبلا عودة أو تدوير للوجوه المكرورة حتى لا يتمكن هؤلاء من “التسلل” لمرحلة حكم مولاي الحسن!!!.
على مسؤوليتي
من “وثيقة المدينة” إلى هندسة الإسلام المغربي.. 1/2-خطبة جمعة تتحول إلى بيان دولة!!؟
نشرت
منذ 10 ساعاتفي
أبريل 16, 2026بواسطة
مراد بورجى
* مراد بورجى
في مشهد قد يبدو، للوهلة الأولى، مجرد تتابع عادي للأحداث، عيّن الملك محمد السادس، بصفته أميرا للمؤمنين، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، اليزيد الراضي أميناً عاما جديدا للمجلس العلمي الأعلى. لكن وضع التعيين في سياقه الأوسع، يكشف في اعتقادي، أن الأمر يتجاوز مجرد إجراء إداري أو تداول على المسؤوليات، إلى بناء حلقة مهمة ضمن مسار هادئ ومتدرّج يجري من خلاله إعادة تشكيل الحقل الديني بالمغرب.
تأطير التعيين الجديد على رأس هذه المؤسسة الدستورية المؤطرة للشأن الديني في هذا الاتجاه، جعلني أعيد التفكير في مضامين خُطبة الجمعة الأخيرة (10 أبريل 2026)، التي أصغيت لها بأحد مساجد الدارالبيضاء، وتأكد لي أن تلك الخطبة هي، في الواقع، تعبير “وعظي” عن بيان سياسي للدولة المغربية، وليست فقط استعادة تقليدية للسيرة النبوية من خلال الإحالة على وثيقة إسلامية معروفة تاريخيا باسم “صحيفة المدينة”.
ومن الضروري التنبيه، هنا، إلى أن هذا الربط، الذي قمت به، بين التعيين الملكي ومضامين الخطبة، لا أعتبره قراءة نهائية أو “حقيقة” مكتملة، إنه اجتهاد تحليلي أريدبه فتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول ومثمر ومنتج حول تحولات الحقل الديني في المغرب. فهو منظور يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، تماشيا مع مقولة الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب”… ومن ثمة، فإن الغاية هي الإسهام ودعوة إلى المساهمة في إثراء النقاش العمومي، وفتح المجال أمام قراءات متعددة قد تُغني هذا التصور أو تُعيد صياغته في أفق فهم أعمق لما يجري بناؤه، بهدوء، في عمق مغرب اليوم.
يرد البعض أن هذه مجرد خطبة جمعة، ولا تحتمل كل هذا التأويل… قد يكون هذا صحيحا لو كان مؤطرا ضمن اجتهاد فردي لخطيب في أحد المنابر، والحال أن الأمر يتعلق بنص مكتوب، أي نص مُفكر فيه ومضبوط، تُعدّه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويُعمم على مختلف مساجد المملكة. وهو ما يجعل من المنبر، في هذه الحالة، ليس فقط فضاء للوعظ، وإنما قناة مؤسساتية لإنتاج خطاب ديني موحد، وأداة دينية ضمن هندسة سياسية أشمل للدولة.
ولهذا أقول إن خطبة الجمعة الأخيرة جاءت بمثابة بيان سياسي يحدد كيف تريد الدولة أن يُفهم الدين داخل المجتمع، وكيف يُعاد تأطيره في زمن دولي مضطرب تتنازع فيه الهويات وتتصادم فيه المرجعيات… لقد مثلت الخطبة تعبيرا عن مسار مغربي لتثبيت رؤية دينية-دستورية، يتم تقديمها للمصلين باعتبارها جزءا من هوية الدولة المغربية الحديثة، كما تتجلى في مفهوم “إمارة المؤمنين اليوم”.
الخطيب لم يبدأ من التسامح كشعار أخلاقي، لقد انطلق من فكرة أكثر عمقا: “الدين للحياة، والحياة لا تستقيم بدون نظام، ولا نظام بدون قوانين”. هذه العبارة، كما وردت في الخطبة، هي عبارة دينية طبعا، لكنها، في الوقت نفسه، سياسية بامتياز، لأنها تؤسس لفكرة مركزية: الدين مثلما هو علاقة روحية بين الفرد أو العبد وخالقه، هو أيضا إطار لتنظيم المجتمع، على قاعدة أن يُضبط بالقانون.
ومن هنا جاءت إحالة الخطيب على وثيقة تعتبر من أبرز “وثائق العهد” في الإسلام، وعددها ثلاث: الأولى “صحيفة المدينة” (1 هجرية) كتبها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار واليهود لتأسيس دولة قائمة على المواطنة المشتركة والتعاون الدفاعي… والثانية “صلح الحديبية” (6 هجرية) كتبها النبي ﷺ لتنظيم العلاقة مع قريش لتحييدهم خلال عملية بناء أسس أول دولة إسلامية… والثالثة “العهدة العمرية” (بين 15 و16 هجرية) كتبها عمر بن الخطاب لأهل القدس لضمان سلامة كنائسهم وممتلكاتهم وحريتهم الدينية.
وبالعودة إلى “صحيفة المدينة”، التي تعتبر “أول دستور في الإسلام”، كما جاء على لسان الخطيب، فهي نص تاريخي يقدم نموذجا مبكرا لدولة متعددة المكونات، تجمع بين المهاجرين والأنصار واليهود داخل كيان واحد، قائم على المساواة في الحقوق والواجبات “بغض النظر عن العرق أو الدين”.
لكن المثير للاهتمام في الخطبة أن الإمام تجاوز تقديم الوثيقة كحدث من الماضي، إلى عرضها علينا كمرجعية في الحاضر لتأطير فهم معين للدولة والدين، قائم على التعدد… وهذا ما أحالني على بداية فهم خطة “تسديد التبليغ”، التي أشرف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب، سعيد شبار، على إطلاقها في 5 يونيو 2024، والتي أعطت أهمية قصوى للاجتهاد ولمقاصد الدين، في إطار مشروع إصلاحي يرمي إلى تقليص الهوة بين الدين والتدين، من خلال تركيز الخطاب الديني على الأخلاق والعمل الصالح (الحياة الطيبة). يأتي هذا شهورا قليلة بعد أن عرضت جماعة العدل والإحسان وثيقتها السياسية على الدولة والمجتمع المغربي ومعهما الغرب نفسه.
خطبة الجمعة المذكورة ذهبت أبعد من ذلك، حين أعادت قراءة الهجرة النبوية كحدث ديني تأسيسي وأيضا كتحول سياسي، ما يؤشر إلى أن الدين، حين يتم تأطيره داخل الدولة، يتحول من مجرد عقيدة إلى نظام. وهذا، في رأيي، هو ما يشتغل عليه النموذج المغربي.
هذا المعنى يجد امتداده في الخطاب الرسمي، حيث أكد الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة، أن “أمير المؤمنين” هو ضامن حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع الشرائع والملل: (المؤمنين، اليهود، النصارى، الصابئين)، وأن المغرب فضاء تتجاور فيه مساجد المسلمين وكنائس المسيحيين وبِيَع اليهود في انسجام تاريخي. فحين يؤكد الملك محمد السادس، مثلا، أنه “أمير المؤمنين، على اختلاف دياناتهم”، فهو لا يكتفي بالإعلان عن دين التسامح، بل يعيد تعريف المجال الديني نفسه كإطار جامع لكل الرسل والأنبياء داخل الدولة… وهو تصور يجد جذوره الرمزية في وثيقة “صحيفة المدينة” القديمة، التي يُعاد إنتاجها اليوم داخل بنية مؤسساتية حديثة.
في هذا السياق العام، يمكن، مثلا، استحضار تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، الذي فجّر به نقاشا مشتعلا، في معرض حديثه عن تدبير الشأن الديني في علاقته بالمجال العام الأوروبي، حين قال عبارته الشهيرة إن “المغاربة علمانيون”… ورغم الجدل، الذي أثارته العبارة، فإن دلالتها لا تشير إلى قطيعة مع الدين، بقدر ما تحيل إلى تمييز وظيفي بين المجال الروحي والمجال السياسي، بما يسمح بتدبير ديني مرن، غير صدامي، في الداخل كما في الخارج. فالأمر لا يتعلق بعلمانية “صدامية”، وإنما بعلمانية “تدبيرية” إن صح التعبير.
غير أن ما تكشفه خطبة الجمعة الماضية، هو أن الحديث عن “وحدة الأمة” في المدينة، وعن اندماج المهاجرين والأنصار، وعن التعايش مع اليهود، يتم تقديمه باعتباره لحظة مثالية، يتم إسقاطها على واقع معاصر تُدار فيه التعددية عبر مؤسسة دينية رسمية، وخطاب موحد، وتأطير دقيق لكل ما يمكن أن يخرج عن النسق. وبذلك، يأتي استناد الخطبة إلى وثيقة “صحيفة المدينة”، على أساس أنها وثيقة مواطنة لإعادة إدماج روحها وقيمها ومبادئها في سياق راهن تتقاطع فيه السياسة بالدين، والهويات بالانقسامات الدولية، والتدين بالتدبير المؤسساتي. تلك الوثيقة التأسيسية في التجربة النبوية، تنصّ على أن “المؤمنين أمة واحدة من دون الناس” مع ضمان حقوق الغير من الشرائع كجزء من الكيان السياسي المدني الناشئ… واليوم، يتم استدعاء الوثيقة وتقديمها في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التوترات الدينية والهوياتية، بدءا من عودة الشعبويات في الغرب، إلى توظيف الدين في الصراعات الجيوسياسية، وصولا إلى تفكك نماذج العيش المشترك في عدة مناطق من العالم.
في هذا السياق الإقليمي والدولي، تأتي خطبة الجمعة الأخيرة لتعلن أن المغرب اختار طريقا ثالثا: لا يترك الدين للصراع، وإنما يُدخله في منظومة الدولة… وهكذا، من “صحيفة المدينة” إلى “إمارة المؤمنين”، ومن الهجرة كتحول تاريخي، إلى الدولة كإطار جامع، يتضح أن ما تريد خطبة الجمعة بناءه أبعد من وعي ديني، وأقرب إلى تقديم تصور متكامل لما يجب أن يكون عليه الدين داخل الدولة، وكيف يجب أن يبقى داخلها مع التصدي لما هو خارجها.
في الأخير، أعتقد أن خطبة الجمعة الأخيرة تندرج ضمن ورش أوسع لإعادة بناء الحقل الديني في المغرب، في أفق يتجاوز الحاضر نحو ما يمكن تسميته بمغرب الغد، حيث التحضيرات جارية لبناء “دولة ولي العهد”، ليكون فيها الدين عنصر انسجام لا عنصر توتر، وأداة بناء لا أداة تفكيك، حيث لا ينفصل الدين عن إرادة ترسيخ تصور حديث للدولة، تصور يريد إنتاج مواطن منسجم مع هذا الأفق، ومؤمن بأن التدين لا يتعارض مع النظام، وإنما يتكامل معه.
خطبة الجمعة الأخيرة، إذن، بيان سياسي صريح يهدف، بمختلف المحاور التي تعرض لها الخطيب، إلى إعادة ضبط النقاش العمومي حين يتقاطع بالدين، خاصة في القضايا الدولية الحساسة، حيث يصبح من الضروري التمييز بين المواقف السياسية المشروعة وبين الانزلاق نحو توظيف ديني يغذي منطق القطيعة والعداء للآخر.
وهنا بالذات تستعيد الخطبة، من خلال “صحيفة المدينة”، روح التعايش، التي أسست لها التجربة النبوية، مع اليهود وبالتبعية مع باقي الشرائع والملل… كما تعيد الخطبة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، بصيغة تراهن على توازن صعب: انفتاح بلا انفلات، وتعدد بلا صراع، ودين يظل حاضرا في قلب الدولة، دون أن يُترك خارجها أو يُستعمل ضدها… وبتعبير ختامي، نكون أمام إسلام مغربي يقدم نفسه للمصلين وللمسلمين ولكل العالم على أساس هذه المعادلة: دين بلا إقصاء، ودولة بلا قطيعة، وإمارة مؤمنين تتسع لكل المؤمنين.
على مسؤوليتي
التكليف العرفي وتعقيد العلاقة بين المحامي وموكله والولوج القضائي
نشرت
منذ 16 ساعةفي
أبريل 16, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
في سياق تعزيز الأمن القضائي وضبط العلاقة بين المتقاضي والمحامي، يبدو أن اشتراط التكليف المكتوب يشكل خطوة متقدمة نحو تقليص منازعات إثبات التوكيل، وتحديد حدود النيابة القانونية بشكل أوضح، بما يحدّ من اللبس ويعزز الشفافية. غير أن هذا التوجه، على وجاهته، لا يخلو من مفارقة بنيوية حين يُسقط على واقع اجتماعي موسوم بتفاوتات عميقة، وفي مقدمتها انتشار الأمية وضعف الوعي القانوني.
فإذا كانت الكتابة أداة لضبط الإرادة وتحصينها، فإنها قد تتحول، في غياب شروط التيسير والتفهيم، إلى قيد شكلي يُخفي اختلالًا في توازن العلاقة بين المتقاضي ومحاميه. ذلك أن المتقاضي الأمي لا يواجه فقط صعوبة في إثبات التوكيل، بل في استيعاب مضمونه وحدوده، مما يطرح إشكالًا يتجاوز الشكل إلى جوهر سلامة الرضا. وهنا تتبدى خطورة الانزلاق من منطق الحماية إلى منطق الوصاية، ومن تأمين الحقوق إلى إعادة إنتاج الهشاشة تحت غطاء قانوني.
وفي هذا الإطار، قد يُطرح توجه يقضي بإخضاع وكالات الأميين لتحرير موثق لدى العدول أو الموثقين، كآلية للتحقق من الإرادة وضمان صدورها عن علم، وتفاديا لإشكاليات التكليف العرفي المصادق على توقيعاته لدى السلطات الترابية ؛ غير أن هذا الحل، إذا لم يُؤطر بضمانات صارمة للتبسيط وتقليل الكلفة، ينذر بتحول نوعي في طبيعة الولوج إلى العدالة: من حق ميسر إلى مسار انتقائي تزداد فيه الكلفة المادية والرمزية. وهو ما قد يدفع، بشكل غير مباشر، إلى تعميق العزوف عن اللجوء إلى المحامي، خاصة لدى الفئات التي يفترض أن تكون الأولى بالحماية.
إن الخطر هنا لا يكمن في مبدأ الكتابة أو التوثيق في حد ذاتهما، بل في تحولهما إلى أدوات “أمننة مهنية” تُغلّب هاجس الضبط على مقتضيات الإنصاف. فبدل أن يُنتج التنظيم مزيدًا من الثقة، قد يؤدي إلى عكس ذلك، حين يشعر المتقاضي بأن مسالك العدالة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن العلاقة مع الدفاع لم تعد قائمة على الثقة المفهومة، بل على صيغ شكلية قد لا يملك مفاتيحها.
من هذا المنظور، يلوح في الأفق خطر نشوء ما يمكن تسميته بـ “العزوف الصامت عن العدالة”: انسحاب تدريجي لا تعبر عنه الإحصاءات الرسمية بقدر ما تكشفه الممارسات اليومية، حيث يُفضّل الأفراد تفادي المساطر بدل خوضها في شروط غير متكافئة. وهنا تتحول العدالة، دون إعلان، إلى خدمة متفاوتة الولوج، مفتوحة نظريًا للجميع، لكنها عمليًا أقرب إلى من يمتلك القدرة على الفهم والتحمل.
غير أن الصورة تزداد تعقيدًا حين نضع هذا المسار في تقاطع مع خطاب آخر لا يقل دلالة، يتمثل في تشجيع النخب والميسورين على اللجوء إلى التحكيم بدل استهلاك الزمن القضائي داخل المحاكم. هنا لا نكون فقط أمام إصلاح تقني لشروط الولوج، بل أمام إعادة توزيع غير معلنة للمتقاضين: فئة قادرة تُدفع نحو عدالة بديلة سريعة ومرنة، وفئة أقل قدرة تُترك لمرفق عمومي تتزايد تعقيداته وإكراهاته.
إنها ملامح ازدواجية قضائية صامتة: عدالة للزمن الاقتصادي الفعال، وعدالة للزمن الاجتماعي المؤجل. فالتحكيم، رغم مشروعيته ونجاعته في سياقات معينة، يفقد حياده الوظيفي حين يتحول من خيار تكميلي إلى مسار انتقائي، يُستبطن فيه حكم ضمني على محدودية نجاعة القضاء العمومي. عندها، يصبح الخطاب الإصلاحي مزدوج الرسالة: تحسين شكلي للمرفق، مقابل تشجيع ضمني على مغادرته لمن يملك الوسائل.
وهكذا تلتقي المفارقتان: فئات هشة مهددة بالعزوف بسبب التعقيد والكلفة، وفئات ميسورة مدعوة إلى الانسحاب نحو بدائل أكثر نجاعة. والنتيجة المحتملة ليست فقط تفاوتًا في الولوج، بل تفريغًا تدريجيًا لمرفق العدالة من توازنه الاجتماعي، وتحويله إلى فضاء غير متكافئ من حيث نوعية القضايا والأطراف.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تكريس الشكل، بل في حوكمة العلاقة الدفاعية بما يحقق التوازن بين الأمن القضائي والعدالة الاجتماعية، بالتوازي مع إعادة الاعتبار لجاذبية القضاء العمومي ونجاعته. وهو ما يقتضي، إلى جانب الكتابة، إرساء واجب مهني فعلي في الشرح والتفهيم، وتبسيط نماذج التكليف، واعتماد آليات مرنة لتوثيق الإرادة، مع توسيع نطاق المساعدة القضائية لتشمل كلفة الولوج وليس فقط أتعاب الدفاع.
بغير ذلك، نكون أمام مفارقة مقلقة: إصلاح يُراد به تحصين العدالة، لكنه قد ينتهي—في غياب اليقظة النقدية—إلى تقليص الإقبال عليها، بل وإعادة فرز مستعمليها. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
هل نحن بصدد بناء عدالة أكثر أمانًا… أم عدالة متعددة السرعات؟.
* مصطفى المنوزي
على مسؤوليتي
عرض وزير الداخلية أمام الملك.. برنامج “القصر” لـ (2026-2034)!!؟
نشرت
منذ يوم واحدفي
أبريل 15, 2026بواسطة
مراد بورجى
* مراد بورجى
من الضروري الإشارة، أولاً، إلى أن العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام الملك محمد السادس خلال المجلس الوزاري الذي انعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026، يكتسي طابعا استثنائيا، وبالتالي فإن كل قراءة لمضامينه باعتبارها تصورا تقنيا جديدا للتنمية الترابية، ستخطئ مرتين: مرة لأنها تختزل السياسة في الأرقام والمؤشرات، ومرة لأنها تتجاهل السياق العام، الذي جاء فيه هذا العرض، والذي سبق لي أن أشرت إليه في عدة مقالات سابقة، حيث يبدو أن الدولة، اليوم، لم تتردد في الإعلان عن تشكّل ملامح مرحلة جديدة، قوامها إعداد شروط انتقال هادئ نحو مغرب الغد، أو ما أسميته “دولة ولي العهد”، مغرب الدولة الاجتماعية، ومغرب الأفق الذي يتبلور حول استمرارية الدولة ورؤيتها لمستقبلها.
نحن، في الحقيقة، أمام لحظة سياسية كثيفة، تتجاوز بكثير “210 ملايير درهم” و”ثماني سنوات من البرمجة”، لتلامس سؤالا أعمق: من يصوغ اليوم السياسة العمومية في المغرب؟ ومن يمتلك فعليا مفاتيح المستقبل؟
الجواب لم يعد يحتاج إلى كثير من التأويل، إذ إن العودة إلى مضامين العرض، من الزاوية السياسية، تؤكد أن ما قدمه وزير الداخلية لفتيت أمام الجالس على العرش اليوم لم يكن برنامج حكومة، ولا رؤية أغلبية برلمانية، ولا حتى تعاقدا انتخابيا مؤجلا، لأن عرض لفتيت، في جوهره، تنزيل مؤسساتي مباشر للإرادة الملكية في إعادة ترتيب المجال الترابي والسياسي معا، بعد أن استنفدت الأحزاب جزءا كبيرا من قدرتها على المبادرة وعلى الإقناع.
ولفهم عُمق هذه الانعطافة السياسية، تكفي الإشارة إلى أن المغرب، اليوم، يوجد أمام برنامج يمتد لثماني سنوات (2026-2034) بغلاف مالي يناهز 210 ملايير درهم، أي أفق زمني ومالي يتجاوز عمر الحكومة المقبلة (2026-2031)، ويؤسس لما يشبه تعاقدا عموميا “فوق انتخابي”… كما أن منطلق الإعداد تجاوز ما كان مركزيا وحكوميا إلى ما هو محلي، تحت إشراف العمال، في حين يتولى الولاة تجميع هذه البرامج جهويا لضمان انسجامها، قبل أن تُعرض على لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة للمصادقة والتنسيق فقط.
بهذه الهندسة، يمكن القول إن “المنتخب” لم يعد مُنتجا للسياسة العمومية، بعدما أصبح، وفق برنامج وزارة السيادة، جزءا فقط من آلية لتجميع البرامج وتنسيقها. وتزداد هذه الانعطافة وضوحا مع قرار تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، بما يعني إدخال منطق النجاعة والسرعة وربط النتائج بالمحاسبة، تحت رقابة سنوية مشتركة بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية… أما إحداث منصة رقمية لتتبع المشاريع، فهي برنامج ذكي يضرب في الصفر كل الضجيج الذي خلقه وزير العدل عبد اللطيف وهبي في محاولة لإقصاء الرقابة الشعبية وتحصين الفساد وحماية المستفيدين من الإثراء اللامشروع، ذلك أن المنصة الرقمية ستلعب دورين جوهريين: أولا، تجاوز الانهيار المهول لحكومة أخنوش في مجال التواصل في ظل “الناطق الرسمي الصامت”، وثانيا، نقل جزء من سلطة المراقبة إلى الفضاء العمومي، بما يعيد الاعتبار لدور المواطنين وجمعيات المجتمع المدني في فضح ملفات وممارسي الفساد من جهة، ومن جهة ثانية، بما يقلص من أدوار الوساطة التقليدية، التي كانت الأحزاب أحد أبرز تعبيراتها، قبل أن تستكين إلى نوع من “الصمت المتواطئ” لانشغالها باللهث وراء ريع المصالح والمناصب والمنافع.
لقد جاء عرض لفتيت في لحظة دقيقة: موسم فلاحي واعد يخفف الضغط الاجتماعي، واستعدادات متسارعة لمونديال 2030، واقتراب استحقاقات انتخابية يفترض فيها، نظريا، أن تكون لحظة تنافس البرامج. لكن ما وقع هو العكس تماما: البرنامج وُضع سلفاً، وصودق عليه في المجلس الوزاري، وتمت هندسة آليات تنزيله قبل أن تبدأ حملة “الوعود” الانتخابية.
بهذا المعنى، تصبح حكومة أخنوش، ونحن نتحدث تحديدا عن الأحزاب الثلاثة المشكلة لحكومته، جزءا فقط من آلية، وليس مركز القرار فيها، لأن مسار إنتاج القرار نفسه تجاوز المرور عبر القنوات الحكومية الكلاسيكية، وأضحى يُبنى خارجها ثم يُعاد إدخاله إليها في صيغة جاهزة للتنسيق والتنفيذ. فحين تتكفل البنية الترابية، بأمر من الملك نفسه، بمرحلة التشخيص وصياغة الأولويات وتجميع البرامج، وتُحال هذه المخرجات إلى مستوى وطني يرأسه رئيس الحكومة فقط “للمصادقة وضبط الانسجام”، فإن هذا الأخير لا يتحرك داخل منطق المبادرة، لأنه ليس هو صاحب القرار، وإنما داخل منطق الاستيعاب، أي تحوّل رئيس الحكومة “من فاعل إلى مفعول به” لغويا ونحويا!!!.
وسياسيا، فإن رئيس الحكومة، بهذا التحول، قد كفّ عن أن يكون مبادرا وفاعلا يؤسس لاختيارات كبرى، وأضحى فقط موقعا مؤسساتيا يضفي عليها الشرعية الإجرائية ويضمن انسيابها داخل الجهاز التنفيذي.
أي أننا، بعد الفشل الذريع لحكومة أخنوش ووعودها الانتخابية “الكاذبة”، وبعد “تكليف” الملك للوزير لفتيت، أصبحنا أمام إعادة توزيع صامتة لوظيفة القرار: من مركز حكومي يُفترض فيه أن يقود، إلى حلقة تنظيمية تُطلب منها النجاعة في التنسيق أكثر مما يُنتظر منها الجرأة في الاختيار!!!.
ولعل المفارقة هنا أن هذا “التحول” لا يتم عبر تعديل دستوري أو إعلان سياسي صريح، وإنما عبر هندسة عملية للفعل العمومي، أي من داخل طريقة اشتغال الدولة نفسها. بمعنى أن السلطة لم تعد تُمارس فقط بيد من يوقّع القرار (رئيس الحكومة)، وإنما بمن يصنعه فعليا (القصر)، منذ بدايته، عبر تحديد الأولويات وضبط مسار تنفيذه… وهذا قرار أكبر من مجرد إصلاح إداري أو إعادة توزيع تقني للاختصاصات، فهو يعني تحولا أعمق يمس طبيعة الدولة نفسها في علاقتها بالمجال وبالسياسة.
إنه انتقال هادئ، لكن حاسم، من منطق الإدارة الكلاسيكية إلى منطق “الدولة-المقاولة”، حيث تُقاس الشرعية بالإنجاز، وتُربط المسؤولية بنتائج ملموسة، وتُختبر المواقع بما تحققه في الواقع وليس بما تعلنه من برامج وخطابات موسمية .
لكن هذا الاختيار لا يأتي من فراغ، وليس من فشل حكومة أخنوش وحدها، بل كذلك من فشل الأحزاب إيّاها. فقد جاء هذا الاختيار، الذي سبق لي أن نبّهت إليه في مقالات سابقة، نتيجة مسار طويل من الاختلالات، كانت فيه “التزكيات”، مثلا، مدخلا للفساد، و”الوجوه المستخلدة” عنوانا للعجز، و”المحاصصة”، بكل ما تعني من توزيع للمواقع والموارد بين الأحزاب وفق توازنات سياسية، بديلا عن الكفاءة أو الاستحقاق، حتى أصبحت الفجوة بين الدولة والأحزاب فجوة ثقة، وليس مجرد اختلاف في التقدير، وهذا ما حدث لأخنوش من إبعاد و”طرد”.
في هذا السياق العام، ستتدخل الدولة، عبر وزارة السيادة، ليس لتُنافس الأحزاب، وإنما لتُعوض عجزها. ولهذا خلق عرض لفتيت أمام الملك الحدث الأبرز اليوم وغدا على مدى ثماني سنوات، فالأمر هنا لا يتعلق بوزارة تمارس اختصاصاتها، وإنما بجهاز ترابي وإداري يعاد توظيفه ليؤدي وظيفة سياسية كاملة: التشخيص، والبرمجة، والتنفيذ، والتتبع. أي أننا أمام سلطة فعلية تتحرك على الأرض، بعدما تأكد للملك وللشعب، من خلال الحملات الانتخابية السابقة لأوانها أنه: لا تزال أجزاء من الحقل الحزبي عالقة في حسابات التزكيات وترتيب اللوائح وتهميش كفاءات الجيل الجديد.
وهنا تتقاطع كل الخيوط: انتخابات 2026 لن تكون انتخابات برامج، لأن البرنامج موجود سلفا، ولن تكون صراع رؤى، لأن الرؤية محددة ضمن الأوراش الملكية الكبرى. أي أن الانتخابات المقبلة ستكون، في جوهرها، اختبار كفاءة: من يستطيع أن يكون جزءا من هذا المسار، ومن سيبقى خارجه.
إن الدولة، وهي تتدخل بهذا الشكل، لا تصادر السياسة، بقدر ما تبادر إلى إعادة تأهيلها “بالقوة” الإدارية والترابية والسياسية، لوضع حد لوهم “الزعيم الحزبي” الذي يحتكر التزكيات، ولوهم “الشرعية الانتخابية” المنفصلة عن الأداء، ولوهم “المستخلدين” في الكراسي، ولوهم “القرب من القصر”، الذي استُعمل لسنوات كعملة سياسية مغشوشة.
والرسالة، هنا، من منطوق بلاغ القصر، لا تحتاج إلى ترجمة: لقد انتهى زمن التساهل مع الرداءة السياسية. انتهى زمن إعادة تدوير نفس الأسماء ونفس الأساليب. انتهى زمن الاختباء خلف الشعارات بينما تتراكم الأعطاب على الأرض. وحل زمن الفرز الحقيقي، الذي يفترض أن لا مكان فيه إلا لمن يملك الكفاءة والجرأة والقدرة على الإنجاز… أما من لا يزال يعتقد أن الانتخابات لعبة مواقع، أو أن السياسة توزيع غنائم، أو أن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء… فالأرجح أنه لم يفهم بعد ما الذي وقع فعلا في ذلك المجلس الوزاري، لأن العرض الذي قُدّم فيه كان إعلاناً صريحا: الدولة قررت أن تتكفل بالسياسة.. إلى أن تستعيد السياسة نفسها.
يتبع…
السلطة الفلسطينية تسلم فرنسا مشتبها به في اعتداء وقع العام 1982
ترامب يؤكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب
من “وثيقة المدينة” إلى هندسة الإسلام المغربي.. 1/2-خطبة جمعة تتحول إلى بيان دولة!!؟
ترامب يعلن وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل وحزب الله في لبنان
ارتفاع أسعار البنزين في المغرب يتجاوز التغيرات العالمية
المنتخب الوطني النسوي يجري حصة تدريبية مفتوحة امام وسائل الإعلام
المغاربة يتصدرون العمالة الأجنبية في إسبانيا وسوق الشغل
التكليف العرفي وتعقيد العلاقة بين المحامي وموكله والولوج القضائي
واشنطن متفائلة إزاء فرص التوصل إلى اتفاق مع طهران
انهيار عمارتين بفاس: النيابة العامة تقرر فتح تحقيق في مواجهة 21 شخصا
توقعات أحوال الطقس لليوم الخميس
دوري أبطال أوروبا: بايرن يقصي ريال ويلاقي سان جرمان في نصف النهائي
أيقونة الروك العالمية “برايان آدامز” يحيي حفلا لأول مرة بالمغرب
أبطال أوروبا: ريال مدريد وبايرن ميونيخ في “نهائي” قبل الأوان
عرض وزير الداخلية أمام الملك.. برنامج “القصر” لـ (2026-2034)!!؟
“بي بي سي” البريطانية تعتزم إلغاء ألفي وظيفة
ذاكرة أبطال الكرة الحديدية، خط أحمر
أسطول الصمود” يبحر من برشلونة إلى غزة
وفاة أسطورة ريال مدريد سانتاماريا عن عمر 96 عاما
هذا موعد انطلاق بيع تذاكر مواجهة نهضة بركان و الجيش الملكي
جدل قانوني يلاحق تنظيم بطولة المغرب للكرة الحديدية
القضاء الإداري بين عزوف الحقوقيين ورهان دولة القانون
د.حفيظ وشاك يكتب..المغرب في مواجهة المشروع الخميني
الخوصصة الناعمة والجهوية المتقدمة: بين وهم النجاعة ومأزق المساءلة الديمقراطية
القضاء الإداري بين القلب النابض للدولة وخيوط إعادة التشكيل
إنقاذ أحد طيار ي مقاتلة أميركية سقطت في إيران
عرض وزير الداخلية أمام الملك.. برنامج “القصر” لـ (2026-2034)!!؟
إجهاض 73.640 محاولة هجرة غير شرعية سنة 2025
ذاكرة أبطال الكرة الحديدية، خط أحمر
“يوم المغرب 2026” مناسبة للاحتفال بمرور 250 سنة على العلاقات المغربية الأمريكية
سعيد الكحل: عصرنة الدولة في مواجهة تقليدانية المجتمع
سعيد الكحل: بيان شورى “العدل و الاحسان”.. تحريض، تنكّر وتهافت
ترامب يعلن تمديد المهلة الممنوحة لإيران حتى “الثلاثاء 8 مساء”
زيارة مرتقبة لعبد الفتاح السيسي إلى المغرب قيد التشاور
أجراء شركات “درابور” و “ ورمال” يصعّدون احتجاجاتهم في الدار البيضاء
واشنطن ستبدأ الاثنين حصار الموانئ الإيرانية
رسميا.. الزيادات في أسعار السجائر تدخل حيز التنفيذ بالمغرب
استئناف ضخ الغاز إلى المغرب لأول مرة في أبريل
بطولة اتحاد شمال إفريقيا: المنتخب المغربي يحقق التتويج بالعلامة الكاملة
أمين بودشار يبهر جمهور دوسلدورف في أولى حفلاته بألمانيا
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني
الاكثر مشاهدة
-
على مسؤوليتي منذ 6 أيامالخوصصة الناعمة والجهوية المتقدمة: بين وهم النجاعة ومأزق المساءلة الديمقراطية
-
على مسؤوليتي منذ يوم واحدعرض وزير الداخلية أمام الملك.. برنامج “القصر” لـ (2026-2034)!!؟
-
رياضة منذ يومينذاكرة أبطال الكرة الحديدية، خط أحمر
-
على مسؤوليتي منذ 3 أيامسعيد الكحل: بيان شورى “العدل و الاحسان”.. تحريض، تنكّر وتهافت
-
دولي منذ 4 أيامواشنطن ستبدأ الاثنين حصار الموانئ الإيرانية
-
اقتصاد منذ 5 أيامرسميا.. الزيادات في أسعار السجائر تدخل حيز التنفيذ بالمغرب
-
اقتصاد منذ 4 أياماستئناف ضخ الغاز إلى المغرب لأول مرة في أبريل
-
واجهة منذ 5 أيامالنقابة الوطنية للصحافة المغربية تحتضن اجتماع اتحاد الصحفيين الأفارقة وقيادة الاتحاد الدولي للصحفيين
