يُقدِّم كتاب «حكيمة حميش: “امرأة فعل وقناعة” أكثر من مجرد سيرة ذاتية مع طبيبة ومناضلة حقوقية؛ إنه شهادة فكرية وسياسية وإنسانية على مرحلة كاملة من تاريخ المغرب المعاصر، وعلى مسار امرأة اختارت أن تجعل من الطب والنضال الحقوقي مشروعًا واحدًا للدفاع عن الكرامة الإنسانية.
فمن خلال الحوارات التي أجرتها معها الكاتبة والصحفية لطيفة إيمان، تنكشف شخصية حكيمة حميش باعتبارها نموذجًا للمثقفة المنخرطة في قضايا مجتمعها، والمناضلة التي رفضت الفصل بين الصحة والحرية، وبين العلاج والعدالة الاجتماعية.
ويبدو واضحًا، من خلال النقاشات والأفكار التي تطرحها حكيمة حميش في الكتاب ، أن تجربتها لم تكن مجرد تجربة مهنية داخل المجال الطبي، بل تجربة وعي سياسي وإنساني تشكلت في سياق مغربي وعالمي عرف تحولات عميقة مرتبطة بالديمقراطية وحقوق النساء والحريات الفردية وقضايا الصحة العمومية. فهي ترى أن المعركة ضد داء السيدا لم تكن يومًا معركة طبية فقط، بل كانت أيضًا مواجهة مع الخوف والوصم الاجتماعي والنفاق الأخلاقي والإقصاء الذي تتعرض له الفئات الهشة.
ويُبرز الكتاب أن حكيمة حميش تنتمي إلى جيل من المناضلات والمناضلين الذين آمنوا بأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات، بل بمدى احترام كرامة الإنسان، وخاصة الفئات التي تعيش على هامش المجتمع. لذلك تدافع بقوة عن فكرة أن الحق في الصحة لا يمكن اختزاله في توفير الدواء، بل يشمل الحق في المعرفة، والوقاية، والعيش دون خوف من التمييز أو الإهانة أو الإقصاء.
ومن خلال شهاداتها، تكشف الكاتبة عن الصعوبات التي واجهتها النساء المغربيات داخل الفضاءات السياسية والحقوقية نفسها، حيث ظلت البنية الذكورية حاضرة حتى داخل بعض التنظيمات التقدمية. ولهذا فإن نضال حكيمة حميش النسوي لا يقتصر على المطالبة بالمساواة القانونية، بل يتجاوز ذلك إلى نقد الثقافة الاجتماعية التي تُعيد إنتاج التمييز ضد النساء وتحد من حضورهن في مواقع القرار والتأثير. كما تؤكد أن تحرر النساء جزء لا يتجزأ من مشروع ديمقراطي شامل، وأن أي إصلاح سياسي لا يضع قضية النساء في صلبه يبقى إصلاحًا ناقصًا.
وتضيف الحوارات المضمنة في هذا الكتاب؛ بعدًا فكريًا آخر يتمثل في نقد المحافظة الاجتماعية التي تستعمل الأخلاق والدين أحيانًا لتبرير التمييز أو التحكم في الحريات الفردية. فحكيمة حميش تعتبر أن المجتمع المغربي يعيش تناقضًا واضحًا بين الواقع الاجتماعي وبين الخطاب الأخلاقي الرسمي، وأن هذا التناقض ينعكس بشكل خطير على قضايا الصحة الجنسية والإنجابية وعلى أوضاع النساء والشباب والفئات المهمشة. ولذلك تدعو إلى مقاربة واقعية وإنسانية تقوم على التربية والوعي والحقوق بدل القمع والوصم.
كما يتوقف الكتاب عند قضية السيدا باعتبارها مرآة لاختلالات اجتماعية وثقافية عميقة. فالمصابون بفيروس نقص المناعة لا يعانون فقط من المرض، بل أيضًا من نظرة المجتمع ومن الأحكام الأخلاقية المسبقة التي تجعلهم عرضة للعزلة والإقصاء. وترى حكيمة حميش أن محاربة الوباء تقتضي أولًا محاربة الجهل والخوف والتمييز، لأن الوصم الاجتماعي يدفع الكثير من الأشخاص إلى الاختباء ورفض العلاج أو الكشف المبكر، وهو ما يُفاقم المشكلة الصحية بدل حلها.
وفي هذا السياق، تحضر أيضًا قضايا الحريات الفردية والأقليات الجنسية بشكل غير مباشر ولكن واضح، من خلال دفاعها عن مبدأ شمولية حقوق الإنسان ورفض الانتقائية في تطبيقها. فهي تعتبر أن الدولة والمجتمع لا يمكنهما المطالبة بحماية الصحة العمومية وفي الوقت نفسه الاستمرار في تجريم أو وصم فئات اجتماعية معينة، لأن ذلك يؤدي إلى مزيد من الهشاشة والعنف الرمزي والاجتماعي. ومن هنا يأتي دفاعها عن مقاربة حقوقية تعتبر أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن الحقوق يجب أن تشمل الجميع دون استثناء.
ويكشف الكتاب كذلك عن شخصية حكيمة حميش كمناضلة تؤمن بالفعل الميداني أكثر من الشعارات، حيث يظهر بوضوح أن العمل الجمعوي بالنسبة إليها لم يكن وسيلة للظهور أو البحث عن الامتيازات، بل التزامًا أخلاقيًا طويل النفس، قائمًا على القرب من الناس والاستماع لمعاناتهم اليومية. ولذلك تحولت تجربتها داخل الجمعية المغربية لمحاربة السيدا إلى مدرسة في الربط بين الطب والعمل الاجتماعي والدفاع الحقوقي.
وتبرز أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم قراءة نقدية لتطور الحركة الحقوقية والنسائية بالمغرب خلال العقود الأخيرة، ويطرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الديمقراطية والحريات الفردية والصحة العمومية والعدالة الاجتماعية. كما يمنح القارئ فرصة لفهم التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها المغرب من خلال تجربة امرأة جمعت بين المعرفة الطبية والجرأة الفكرية والالتزام الإنساني.
إن كتاب «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة» ليس فقط توثيقًا لمسار امرأة استثنائية، بل هو أيضًا دعوة إلى التفكير في معنى النضال الحقيقي، وفي الحاجة إلى مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، يعترف بحق الجميع في الكرامة والحرية والحياة دون تمييز أو خوف.
* مولاي أحمد الدريدي
فاعل سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان،