Connect with us

على مسؤوليتي

مراد بورجى: فصيل صحراوي يتجه نحو أمانة حزب الاستقلال وعينه على رئاسة الحكومة

نشرت

في

لم يكن مفاجئا تجديد الثقة في المسؤول الصحراوي البارز النعم ميّارة، كاتبا عاما للاتحاد العام للشغالين بالمغرب، لولاية ثانية، ودون منازع، خلال المؤتمر الوطني الثاني عشر لنقابة حزب الاستقلال، الذي نُظِّم في بوزنيقة أيام 2 و3 و4 فبراير 2024، بعدما حظي بإعادة انتخابه بإجماع أكثر من 3 آلاف مؤتمِرة ومؤتمِر تحت الهتاف: “انتهى الكلام.. ميارة كاتب عام”.

الذي كان مفاجئا هو كلمته أمام المؤتمرين وضيوف المؤتمر، التي جاءت مسالمة ومهادنة بخلاف ما كان كثيرون ينتظرون، إذ كانوا يتوقّعون أن يكون أمامهم ميّارة، الذي صوّب مدفعيته بالأمس نحو الحكومة، ووزرائها، بمن فيهم وزراء حزبه أنفسهم، وعبّر عن غضبه منهم، وندّد بما يعانيه الشعب المغربي “بسبب ارتفاع الأسعار والمضاربات، وعدم الزيادة في الأجور”، حتى أنه قال بتصعيد في الاستنكار: “حشومة مْغاربة ما يلقاوش باش يكملوا الشهر عيب وعار”، بل وصل الأمر إلى توجيه تهديد مباشر إلى الحكومة، التي يُشارك حزبه فيها بأربعة حقائب وزارية، عندما صرخ “الصبر كيضبر”، وأن “الموس وصل للعظم”، وأن الوضعية “لا تبشّر بالخير”… وفق ما ورد في كلمته، يوم الأحد 19 مارس 2023، بمدينة قلعة السراغنة، لتخليد ذكرى مرور 63 سنة على تأسيس الاتحاد العام للشغالين.

إذا كان ميّارة في كلمته تلك اعتبر أن سياسات حكومة أخنوش، فشلت في تلبية تطلعات الطبقة الشغيلة في المغرب، وألحقت أبلغ الأضرار بالسواد الأعظم من المغاربة، بقرارات “لاشعبية”، فقد سبق له أن فعل نفس الشيء مع الحكومة السابقة، التي كانت بقيادة إسلاميي العدالة والتنمية، والتي وصل تنديده بها وبسياساتها الاجتماعية إلى حد التموقف على يسار كل النقابات الأخرى، عندما خلق ضجيجا في الحياة النقابية والسياسية بالإعلان عن الانسحاب من جلسات الحوار الاجتماعي مع حكومة العثماني.

فكيف تحوّل خطاب ميّارة، بمعدل 180 درجة، من الرفض إلى الموالاة، ومن الإدانة إلى الإشادة، في ظرف أقل من 10 أشهر، بين 19 مارس 2023، و2 فبراير 2024؟.

لنعد إلى كلمة ميارة في افتتاح مؤتمر النقابة، لنفهم الإشارات والرسائل، التي كان شهودًا عليها حضور وازن من وزراء وبرلمانيين ومسؤولين عموميين وقادة أحزاب سياسية ومنظمات نقابية واقتصادية وعدة هيئات من المجتمع المدني المغربي، وضيوف من عدة بلدان شقيقة وصديقة، ناهيك عن ثلاثة آلاف من المؤتمرين.

أول إشارة بعث بها ميارة لمن يهمهم الأمر، هي تخصيصه لثلاثة أرباع خطابه لتاريخ الولاء للعرش العلوي، من محمد الخامس ثم الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس واستعراضه لإنجازات القصر، خلافا لما ذهب إليه سلفه الراحل عبد الرزاق أفيلال وما صرح به لأسبوعية “الصحيفة”، في البدايات الأولى لحكم الملك محمد السادس، من أن النقابة “مستقلة عن القصر” في قراراتها، فجرّ عليه ذلك “الغضب”، وانتزع منه عباس الفاسي المقعد، الذي ظل يشغله حوالي 42 سنة، ليُجلس عليه النقابي الفاسي محمد بنجلون الأندلسي في 29 يناير 2006.

أما الإشارة الثانية، التي بعث بها النعمة ميّارة، هي أنه يعي تماما أنه الرجل الرابع في الهرم البروتوكولي للدولة، ويعرف كيف يفرِّق بين المشاريع الملكية الكبرى، خصوصاً نموذج بنموسى التنموي، وبين البرامج الحزبية الانتخابوية، لذلك مزّق، بمناسبة المؤتمر، قميص القائد النقابي الغاضب، وارتدى جبّة “رجل دولة”، وبذلة محامي الدولة والأحزاب والنقابات، فهاجم هذه المرة التنسيقيات، فيما وجه انتقادات ملطفة للجهاز التنفيذي، وأشاد بالعمل الحكومي بما أنه وحزبه أحد مكوناته…

وهكذا شن ميارة هجوما كاسحا على التنسيقيات، التي أصبحت تقض مضاجع مسؤولين عموميين وحزبيين ونقابيين، بعدما أظهرت معارك التعليم الأخيرة، أن “القرار النضالي” للشغيلة لم يعد بيد النقابات والأحزاب، وقد مال لفائدة التنسيقيات، التي شرعت تسحب منهم البساط، ليصبح ميارة، الوحيد دون باقي قيادات النقابات الأخرى، من خرج إلى العلن للهجوم على التنسيقيات دفاعا عن “الدولة والأحزاب والنقابات”، وخصّص لذلك صدارة الربع الأخير من خطابه، إذ اعتبر ميارة أن التنسيقيات، دون أن يسمّيها، تستهدف النقابات، مؤكدا أن “هذا الاستهداف خطر على التجربة الديمقراطية في بلادنا”، وأنه “لابديل عن الأحزاب والنقابات التي بوأها الدستور مكانة مهمة في المنظومة المؤسساتية الوطنية”، أي أن ميارة، من خلال تحول خطابه، يُفهم أنه يوجه رسائل إلى من يهمهم الأمر مفادها أن نقابته تضع مصلحة الوطن هي العليا، وتضع الأمن والاستقرار فوق أي اعتبار.

لذلك، عوض لغة تهديد الحكومة بتصعيد النضالات الاحتجاجية “حْظيوْا رْيوسْكم ماغاديش نبقاوْا ساكتين ليكم”، جنح ميّارة إلى لغة الطمأنة، وحسن النوايا، والتمسك بالحوار عوض الاحتجاج، إذ يقول “إننا مؤمنون بفضيلة بل بفضائل الحوار، فرغم كل الظلم الذي قد يواجهنا، فإننا لن نتخلى أبدا عن الحوار، لأنه هو السبيل الأنجع كي نوصل مطالبنا، وكي نعبر كذلك عن مواقفنا من كل القضايا والإشكاليات الراهنة”، كالتقاعد، والقانون التنظيمي للإضراب، ومدونة الشغل، وقانون النقابات، إلى غير ذلك من القضايا.

الإشارة المهمة في هذا المؤتمر هي حرص ميّارة، وفي ذلك رسالة واضحة، على التأكيد والتشديد على “وحدة الخطاب والمواقف”، إذ يقول: “أؤكد لكم اليوم ما سبق أن عبّرت عنه مرارا وتكرارا في كل الاجتماعات واللقاءات التي عقدناها في العديد من الأقاليم والجهات، أننا لا نتبنى ازدواجية الخطاب، خطاب هنا وخطاب هناك، إن خطابنا واحد ومواقفنا واحدة”… فهل هي رسالة يوجّهها القيادي النقابي والحزبي باسم الفصيل الصحراوي لمن يهمهم الأمر؟.

أي أن هذا الفصيل الصحراوي يريد أن يؤكد “للقصر” أن معه ستنتهي سياسة “وضع رجل في الحكومة ورجل في المعارضة”، علما أن هذه التهمة أُلصقت بحزب الاستقلال خلال حكومة اليوسفي، التي كان يشارك فيها حزب علال الفاسي بوزن ثقيل، بيد أن نقابته لا تكف تنتقد الحكومة وتحتج عليها، وشبيبته باتت تصدر بيانات نارية بين الحين والآخر، وجريدته “العلم”، أم الصحافة المغربية، أضحت تعجّ بانتقادات حادة للحكومة، ومن يعود إلى زاوية “مع الشعب” لمدير النشر الفاسي عبد الكريم غلاب، و”بخط اليد” لرئيس التحرير الفاسي عبد الجبار السحيمي، سيبصم بالعشرة أن هذا المنبر ينتمي إلى المعارضة… ومنذ ذلك الحين، وفي كل الحكومات التي شارك فيها الاستقلال، باتت تطارده تهمة “وضع رجل هنا ورجل هناك”، إلى أن يأتي ميّارة، اليوم، ليقول بنبرة تأكيد قوية: “إننا لا نتبنى ازدواجية الخطاب”… فمن يكون هؤلاء “إننا”؟ هل هم الاستقلاليات والاستقلاليون بالعموم؟ أم هم استقلاليات واستقلاليو الصحراء على وجه التحديد؟.

أليست هذه الرسائل والإشارات تفيد أن التيار الصحراوي بلغ مرحلة لقيادة الحزب، عبر أمانته العامة، وليس عبر أمين عام غير صحراوي لكن منزوع الصلاحيات، ولن يحتاج بعد ذلك للتعديلات، التي تمس قوانين الحزب، والتي قد تنزع “ملكية الحزب” من عائلة الفاسي عبر إبعاد بعض القيادات الحزبية والإعلامية الموالية لبركة من اللجنة التنفيذية، أي الاتجاه رأسا إلى تقزيم وتحجيم (ممثلي القصر) داخل الحزب!!؟

كلام أصبح متجاوزاً بوجود ميّارة بالمنصب الذي هو فيه اليوم، ويمثل “جلالة الملك” في المنتديات والمحافل الدولية، دون الكلام عن انتخاب النعمة ميارة رئيسا لبرلمان البحر الأبيض المتوسط، وهو منظمة برلمانية إقليمية، أسستها البرلمانات الوطنية لبلدان المنطقة الأورومتوسطية عام 2005، فيما يتواجد حمدي ولد الرشيد “جونيور” رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، وينجا الخطاط رئيس جهة الداخلة وادي الذهب، والفاعلة الجمعوية عضو المجلس البلدي للسمارة فاطمة العدلي ضمن الوفد المفاوض للبوليساريو لحل ملف الصحراء المغربية بين الأخوة الأشقاء.

لغة التيارات تنحصر داخل الأحزاب، وتتأثر بالانتخابات، ولا علاقة لها بحب الوطن، وهو ما برهن عنه ومازال الصحراويون داخل وخارج المغرب كلما تعلق الأمر بالمصالح العليا للبلاد والعباد، ولذلك لم تعد لغة “التخوين” سارية المفعول، منذ انطلاق حكم العهد الجديد، ولن يدفع الخلف سوء تقدير السلف، ولربما كان لتجميد المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس) خير للمغرب، فقد حد ذلك من التمييز بين سكان مناطق المغرب، وبدلًا منه، بتنا نتكلم اليوم عن (مجلسي الجهتين العيون والداخلة)، تماماً كما نتكلم عن سكان باقي جهات المملكة، وإذا ما تم حل ملف الصحراء وعاد الصحراويون المغاربة من محتجز تندوف للوطن، فستتحول الجهات، بمفهومها الحالي، إلى فدراليات بحكومات محلية، لنخرج مرة أخرى من منطق التمييز الذي قد يُقرأ من خلال حكم ذاتي مُوسّع، عبر تحويل المغرب لدولة فدرالية كما هو الحال في ألمانيا ودول أخرى، وقد راج هذا النقاش داخل الأوراش، التي نظمتها اللجنة، التي أعلن الملك محمد السادس عن إحداثها في خطاب مراكش يوم 01 مارس 2010 لإعداد مشروع حول الجهوية الموسعة، والتي ترأسها عمر عزيمان، المستشار الملكي حالياً.

لِنعُدْ إلى حزب الاستقلال العتيد لنقول إن هزم حميد شباط، “التيار العروبي”، لعبد الواحد الفاسي نجل علال الفاسي، وخروج الحزب من حكومة عبد الإله بنكيران، لم يكن السماح به عبثاً، أو مسألة قوة التيار من غيره، وما كان ليكون ذلك لولا أن قبِل بها القصر، وقد ساهم ذلك، حسب العارفين بخبايا الأمور، باقتلاع جذور “أهل فاس” من دواليب الإدارة ومناصبها العليا لتعويضهم بـ”اوْلاد الشعب” في تكريسٍ لدستور 2011، عندما تنازل الملك عن عدة صلاحيات وأسندها لرئيس الحكومة، فبرزت وقتها مقولة “ما للملك، وما لبنكيران”.

وعندما أنهى الملك استعراض عبد الإله بنكيران لعضلاته بإعفائه، وتعيين سعد الدين العثماني مكانه وهدّد بقوله “أن للقصر خيارات أخرى”، وأنهى الملك بنفس النبرة التهديدية في خطابه “فنطازيات” إلياس العمري، فتم إبعاده، ولأنه لم يعد بذلك مكان لخطاب الشعبوية، تم إقتلاع “الداخلية” لحميد شباط من الجدور وبنفس الطريقة التي استعملها هو في حق المناضل والنقابي الكبير الراحل عبد الرزاق أفيلال، وعاد نزار بركة ليجلس على كرسي الأمين العام حتى اليوم الذي آن فيه الأوان ليتولى التيار الصحراوي قيادة ثاني أقدم وأعرق حزب سياسي في المغرب (1944)، وتجربة محمد الشيخ بيد الله على رأس حزب الأصالة والمعاصرة كانت نموذجا يحتذى به، حيث مثّل المغرب أحسن تمثيل بصفته الصحراوية على رأس حزب صديق الملك فؤاد عالي الهمة، الذي خرج لبناء الحزب بعد أن تنازل عن صفة وزير منتدب لدى وزير الداخلية. وإذا كان قد انقلب عليه حواريوه، فإن الملك محمد السادس جازاه على نجاحه في “مهمته”، ورد له الاعتبار حينما عيّنه مستشاراً له في 07 دجنبر 2011.

خلاصة القول، عندما نتكلم اليوم عن إمكانية ترؤس الفصيل الصحراوي لحزب مثل حزب الاستقلال، فلن ينحصر طموحه هذا عند حد الأمانة العامة، بل سيمتد إلى رئاسة الحكومة التي يطمح لها كل الصحراويين بكل الأحزاب السياسية اليوم، ولن يتأتى لهم ذلك من خلال أحزاب يترأسها “الخالدون”، الذين سئم منهم الملك والشعب على حد سواء، كما عبّر الملك محمد السادس عن ذلك في عدة خطابات، وهو ما فتئ يطلب من هذه “الطينة” السياسية “الخالدة” الرحيل مادام وجودها يعرقل التنمية ويحد من دبلوماسية المغرب الخارجية، وترك المجال أمام الشباب المثقف ليدلو بدلوه، وفي سياق ذلك كان تعيين الصحراوية امباركة بوعيدة وزيرة منتدبة في الخارجية ضمن حكومة بنكيران الثانية، وهي التي تم تتويجها في منتدى دافوس بلقب “قائدة عالمية شابة” في مجال السياسة لسنة 2012، إلاّ أن “معلم الشكارة”، التي سبقته لحزب الحمامة، حاصرها ولم يبوِّئْها مكانا في الحكومة لخدمة الديبلوماسية الموازية كصحراوية بخمس لغات.

ولنكن صادقين مع أنفسنا ونقول اليوم إن الانتخابات المقبلة لن يحتاج فيها المغرب لحزب سياسي يقدم برنامجا لحملته الانتخابية مادام هناك برنامج ملكي متكامل يتجسد في النموذج التنموي، بالإضافة للأوراش الملكية الكبرى، التي تحتاج فقط إلى التنزيل السليم على الأرض، إلى جانب ذلك، هناك العمل على تحقيق نجاح استضافة المغرب لكأس العالم 2030… ولذلك، قد تُطرح من جديد فكرة حكومة ائتلاف وطنية يساهم فيها الجميع لتقلّد مسؤوليات المرحلة المقبلة، التي ستعرف غياب العديد من السياسيين المرشحين اليوم لدخول السجن بعد رفضهم الرحيل بسلام عندما طلب منهم الملك ذلك، مرارا وتكرارا، في خطابات عديدة.

الملك محمد السادس لا يريد هذه الطينة الخالدة من السياسيين، التي فشلت في كل شيء يهم مصلحة الوطن، فيما كل ما نجحت فيه هي مراكمة الثروة “الغير مشروعة”، ولن يسمح الملك أن يمتد وجودها لمرحلة ولي عهده الأمير مولاي الحسن “الثالث”، الذي سيمكّنه الانتقال الرقمي من الاطلاع على كل صغيرة وكبيرة في البلاد والعباد.

ومن أهم الملفات على الإطلاق، التي يريد الملك محمد السادس تصفيتها قبل تولي ولي عهده حكم المغرب هو ملف الصحراء المغربية، الذي بعد سحبه من لجنة تصفية الاستعمار والتوجه نحو سحبه من الأمم المتحدة، جاء اقتراح الملك محمد السادس، في خطاب المسيرة الخضراء الأخير، فتح الواجهة الأطلسية أمام الدول الإفريقية، وعلى رأسها الجزائر، التي خاضت كل معاركها ضد المغرب في سبيل أن تجد لها منفذًا للمحيط الأطلسي، فيما يسعى الملك، عبر إطلاق مبادرة إحداث إطار مؤسسي يجمع الدول الإفريقية الأطلسية الـ23، إلى توطيد الأمن والاستقرار والازدهار المشترك، بعد فشل المغرب العربي الكبير.

هذا يجرني مرة أخرى للعودة للحديث عن أهمية وجود الصحراويين في تسيير الدولة في المرحلة المقبلة لأذكّر بالمبادرة التي اطلقها النعم ميّارة حينما طالب بتوسيع “منتدى الحوار البرلماني 5+5″، الذي ينظمه برلمان البحر الأبيض المتوسط، لضم دول الساحل الخمس، ليصبح منتدى “5+5+5″… إذ رفع، في رئاسته للبرلمان المتوسطي، شعار “من أجل إرساء روح التضامن الفعّال في تبادل المعرفة والخبرة مع بلدان منطقة الجوار الجنوبي لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، لاسيما على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء، ومد جسور التعاون معها وإشراكها من أجل التعامل بشكل أكثر فعالية مع القضايا التي تتجاوز النطاق الجغرافي للمنطقة، مثل مكافحة الاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة والإرهاب، والأمن، والتطرف، والهجرة، والتنمية المستدامة، والبيئة، والطاقات المتجددة”.

إذا كان الملك محمد السادس، في نفس خطابه، قد قال “لمواكبة التقدم الاقتصادي والتوسع الحضري، الذي تعرفه مدن الصحراء المغربية ، ينبغي مواصلة العمل على إقامة اقتصاد بحري، يساهم في تنمية المنطقة، ويكون في خدمة ساكنتها”، فهل كان الجالس على العرش يوجّه هذه التعليمات لمسؤولي المنطقة بالخصوص؟.

* مراد بورجى

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

نشرت

في

بواسطة

ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.

وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.

من الخيمة خرج مايل.

إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.

وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.

من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.

غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.

لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

نشرت

في

يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.

لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.

غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.

فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.

ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.

أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.

لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.

° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

نشرت

في

إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .

ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.

وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.

لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.

فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.

ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.

أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
واجهة منذ 9 ساعات

بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء

رياضة منذ 10 ساعات

مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث

دولي منذ 11 ساعة

ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز

دولي منذ 12 ساعة

إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة

واجهة منذ 13 ساعة

افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير

رياضة منذ 14 ساعة

«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم

دولي منذ 15 ساعة

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة

اقتصاد منذ 16 ساعة

قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير

رياضة منذ 17 ساعة

هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت

منوعات منذ 17 ساعة

كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”

رياضة منذ 18 ساعة

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل

رياضة منذ 20 ساعة

أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم

رياضة منذ 21 ساعة

التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي

واجهة منذ 21 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم السبت

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل

رياضة منذ يوم واحد

الفتح الرياضي يتعادل مع المغرب الفاسي (1-1)

رياضة منذ يوم واحد

عراقجي: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران “أقرب من أي وقت مضى”

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: رفض تأشيرتي رئيس الاتحاد الفلسطيني لأمريكا وكندا

تكنولوجيا منذ يومين

عودة خدمات “فيسبوك” و “أنستغرام” تدريجيا بعد انقطاع أثر على آلاف المستخدمين

واجهة منذ يومين

إمبراير البرازيلية تعرض على المغرب طائرة KC-390 ومركز قيادة متطور

سياسة منذ 3 أيام

فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”

واجهة منذ أسبوعين

وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر 104 أعوام

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات

واجهة منذ أسبوعين

الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

سياسة منذ يومين

مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا

واجهة منذ 7 أيام

عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر

رياضة منذ 6 أيام

البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23

منوعات منذ أسبوعين

اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami

اقتصاد منذ أسبوع واحد

رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية

رياضة منذ أسبوع واحد

تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين

منوعات منذ أسبوع واحد

الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي

منوعات منذ أسبوعين

“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو

منوعات منذ أسبوع واحد

انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة

رياضة منذ أسبوع واحد

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

اقتصاد منذ أسبوعين

20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة

سياسة منذ 3 أيام

المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة

رياضة منذ شهرين

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 8 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 8 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 10 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 12 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ سنة واحدة

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds