Connect with us

على مسؤوليتي

بنكيران والبيجيدي والأربعين حرامي (1/2)

نشرت

في

* مراد بورجى
أُثير كثيرٌ من الجدل حول المؤتمر الوطني التاسع لحزب العدالة والتنمية، بعضها انتقادي لمواقفه وقراراته وضيوفه، وكذا لغياب أطروحات سياسية عميقة تعيد قراءة المشهد المجتمعي العام وتدقق تموقع البيجيدي داخل هذا المشهد، وبعضها الآخر اختار جانب الموالاة إما في حدود، وإما “بلا حدود” لدرجة التسابق في نَظْم قصائد “مديح” المؤتمر والزعيم.

بين هذا وذاك، يُطرح السؤال: هل يشكل إعادة انتخاب عبد الإله بنكيران أمينا عاما من جديد نوعا من التنفيس عن الحزب ومناضليه بسبب “البلوكاج الحكومي 2016″، الذي يعزيه البعض لـ”تمرّد” بنكيران على القصر محاولا فرض حكومة على مقاسه، فتراجع القصر للخلف تاركًا بنكيران يصطدم ب “الزعيم” الجديد للأحزاب الإدارية الصغرى، عزيز أخنوش، الذي كان قد “أُنزل” بالمظلة من فوق على رأس حزب الحمامة في أكتوبر 2016، الحزب الذي كان قد تنكر له عزيز أخنوش بعد خروج الأحرار من الحكومة للمعارضة في أكتوبر 2011، بسبب تشبّت الوزير الملياردير بالحقيبة الوزارية المثقلة بأموال المخطط الأخضر، وظل وزيراً ضمن حكومة بنكيران، الذي ما لبث الملياردير أن تنكر له بدوره بعد أن كان قد احتفظ به في حكومته ولو بدون حزب.

ثم جاء “البلوكاج الانتخابي 2021″، الذي يمكن أن نفسّر جانبه الأول بتوقيع سعد الدين العثماني على التطبيع وإن كان بصفته رئيسا للحكومة وليس أميناً عاماً للبيجيدي، أمّا الجانب الثاني المتعلق بـ”التهاوي” من 125 مقعدا في الولاية السابقة (2016- 2021) إلى 13 مقعدا في الولاية الحالية (2021-2026)، فلم يجد له الكثيرون تفسيرا لحد الآن!

وفي الحالتين معاً (بلوكاج 2017 وبلوكاج 2021)، ظل حزب الإسلاميين وفياً للقصر ولقراراته، لم يغادر الحكومة لا بعد أن تجبّر أخنوش على أمينه العام، ولا بعد أن وقّع أمينهم العام على ما يتعارض مع أوراق ومبادئ الحزب.

أمّا “تسلق” أخنوش من 37 مقعدا في انتخابات 7 أكتوبر 2016 إلى 102 مقعد في انتخابات 8 شتنبر 2021، فقد فسّره الحليفان اللدودان لعزيز أخنوش في الحكومة، عبد اللطيف وهبي ونزار بركة، باستعمال المال وأثارا معا فضائح “قفة جود”، التي “استحوذ” بها زعيمهما على كرسي رئاسة الحكومة، الذي كان وبالاً عليه.

وكما يظهر، لا أقصد، هنا، التوقّف المنحصر عند مؤتمر البيجيدي، الذي، على المستوى الشخصي، أهنئ قيادته الجديدة، من الأمين العام إلى الأمانة العامة والمجلس الوطني، متمنيا لها كل التوفيق، وإنما أريد الانطلاق في أفق أرحب، يتعلّق بأوضاع مكونات الحقل الحزبي، وبعلاقتها مع المجتمع ومع الدولة، في صلةٍ بمغرب الغد المنظور، مغرب المونديال (2030) وطبيعة حكومته التنفيذية السادسة (2026-2031) منذ اعتلاء الملك العرش سنة 1999.

بكلمة أخرى، لقد شرعت عدّة أحزاب في خوض حملات انتخابية سابقة لأوانها في سعيها، حلما أو وهما، لـ”وضع اليد” على “حكومة المونديال”، فهل الإجابة، التي قدّمها المؤتمر، تعني أن البيجيدي نفض يديه من هذا السباق رغم بعض التصريحات المتفائلة لبعض قادته، التي تربط عودة بنكيران بعودة منشودة إلى “العَشْر الخوالي”، التي قاد فيها الحزب حكومة صاحب الجلالة، مدة ولايتين، رغم أنه اشتعلت خلالهما انتفاضة الريف، وتخللتهما أحداث اجتماعية في جرادة وبوعرفة وفكيك وأوطاط الحاج وزاكورة وطانطان وسيدي إيفني، لكن بالمقابل، لم يحدث أي انقطاع أو قطيعة بين الحكومة والشعب، لقد كان هناك تواصل مع المواطنين، وكانت هناك العديد من الإنجازات والمكتسبات، التي تحقّقت لفائدة العديد من الفئات الشعبية، وعلى رأسها مئات آلاف المستضعفين المعدمين، كما تحقّقت نسب نمو لا بأس بها لم تستطع حكومة أخنوش إلى اليوم أن تصل إليها، وعموما لن أدخل هنا في أي جدل حول حصيلة البيجيدي الحكومية بما لها وما عليها، وإنما يكفي إثارة خاصية لن يختلف حولها اثنان، وهي أن قيادة البيجيدي للحكومة في ولاية بنكيران وولاية العثماني يمكن أن تُوجّه إليها كل الانتقادات وحتى الاتهامات إلا أن تُثار حولها شبهات فساد، فقد خرج كل وزرائها من الحكومة، كما دخلوا، نظيفي اليد.

فيما الولاية الحكومية الحالية، ارتبطت بانفجار فضائح الفساد، الذي قال بنكيران إن عدد ملفاته، التي تفجرت خلال ولاية حكومة أخنوش، لم يشهده التاريخ السياسي المغربي من قبل عند منتخَبِي الأغلبية بالبرلمان وبالجماعات الترابية، في ظل غياب الإرادة الحكومية في ملف محاربة الفساد، حيث عَمَدَت الحكومة في أسابيعها الأولى إلى سحب القانون الجنائي الذي تضمن تجريم الإثراء غير المشروع، ثم جمّدت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وأردفت ذلك بتوقيف اجتماعات اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد. هذه القرارات، التي تتناقض جذريا مع التوجيهات الملكية الداعية إلى مواجهة الفساد، جاءت كمحاولة يائسة لامتصاص آثار العدد والحجم الصادمين من المتابعات والاعتقالات والمحاكمات المتتالية في حق عدد ممن يتولون مهام نيابية وطنية أو منتخبين ومسؤولين بجماعات ترابية بشبهة جرائم الفساد المالي والانتخابي والاتجار في مواد محرمة قانونا، في صدارتها المخدّرات.

صحيح أن المغاربة لا ينكرون حق نظافة اليد ويقدرونها حق قدرها، لكن الناس في حاجة أكثر إلى تدابير ملموسة تساهم في الرفع من قدراتهم المعيشية، في مجتمع يعيش فيه 1.4 مليون مغربي في الفقر المطلق و5 ملايين في وضعية هشاشة، وهذا ما يدركه جيدا تجار الانتخابات، الذين يخلقون أسواقا خفية ومعلومة لتصيّد ضحاياهم وشراء الضمائر والذمم، وعلى رأسهم باطرون المحروقات، عزيز أخنوش، الذي اتهمه حليفاه الحكوميان، البام والاستقلال، علانية، بشراء أصوات الناخبين، مثلما اتهمه حليفه اللدود عبد اللطيف وهبي بنهب 17 مليار درهم، التي قال إنه جناها، بشكل غير شرعي، من أرباح المحروقات، وطالبه بأن يرجع إلى خزينة الدولة المبلغ المنهوب، الذي وصل اليوم إلى حوالي 45 مليار درهم!!!

كان بعض الناس يأملون أن تصنع لهم “حكومة المال والأعمال” ما لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من تحقيقه لهم، قبل أن يتفاجأ المغاربة، أو على الأقل السواد الأعظم من الشعب، بجحيم هذه الحكومة التي يقودها الملياردير باطرون المحروقات عزيز أخنوش، ويشرع في “طحنهم”بسلسلة من الضربات تتراوح بين تمدّد القمع وتسرطن الفساد، وفي القمة فجائع الغلاء! لقد اكتشف المغاربة، خصوصا الذين دوّختهم وعود أخنوش، أن أغلب وأهم وأبرز تلك الوعود تبخّرت في الهواء، بدءا من الوعد الوهمي بإحداث مليون منصب شغل صاف على مدى خمس سنوات، فإذا بنسبة البطالة تتضاعف بنسبة غير مسبوقة تجاوزت 13 في المائة، وبلغ عدد المعطّلين أزيد من مليون و600 ألف شخص، وصولا إلى إقصاء 8,5 ملايين مواطن من الاستفادة من نظام التأمين الأساسي عن المرض “أمو تضامن”، والفشل في إخراج مليون أسرة من دائرة الفقر، ولم ينجح إلا في مضاعفة أعداد المفقّرين، دون الحديث عن الوعد المعاق القاضي بتوفير “مدخول الكرامة” بقيمة 1000 درهم لفائدة الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق!!!

هناك الكثير مما يُقال حول الحصيلة الكارثية لحكومة عزيز أخنوش، رئيس حزب الأحرار، مسنودا بمخدوميْه، الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة وثلث أمينة عامة للبام فاطمة الزهراء المنصوري، مثلما هناك الكثير مما يُقال عن حصيلة المؤتمر الوطني التاسع للبيجيدي، ولذلك، سأكتفي فقط بإثارة سؤالين ملحّين مرتبطين بالمؤتمر وعلى صلة بسؤال “إلى أين يسير القصر بالمغرب”، وبطبيعة الحكومة المرتقبة:

الأول، الآن وقد انتهى المؤتمر، وعاد البيجيديون إلى قواعدهم “سالمين”، وتوصل الأمين العام للحزب ببرقية التهنئة الملكية البروتوكولية، يبقى السؤال هو: هل سيخصّص الملك محمد السادس استقبالا للأمين العام للبيجيدي؟ استقبال الملك له ستكون له دلالة.. وعدم استقباله، سيضيف عبد الإله بنكيران إلى لائحة فاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة ومحمد أوزين، وفي الحالين، سيكون للحديث شؤون وشجون كما يُقال، وسأكون في الموعد بمقال.

الثاني، يتعلّق بغياب أطروحة فكرية للحزب في المؤتمر، فهناك تجربة تحتاج إلى أطروحة فكرية وليس مجرد تقارير سياسية بعضها مكرور عن الهوية والمرجعية، وبعضها يستنجد بالشعاراتية الظرفية، والسؤال هنا هو: هل إن البيجيدي يدرك مسبقا أن المرحلة المقبلة (حكومة المونديال) هي مرحلة ملكية بامتياز، ولذلك لم يكلّف نفسه عناء مناقشتها أصلا في مؤتمره الوطني، وأحرى إجراء قراءة جديدة لمشروعه السياسي والفكري وإعادة صياغة برنامجه المجتمعي للمرحلة المقبلة، التي يلخّصها بنكيران بصورة بليغة في كون الملك هو من سيقوم بتسييرها؟ تُرى ماذا يعني هذا؟.

للإجابة على السؤال، من المفيد جدا إثارة السياق العام في عدة إشارات نختزلها في رؤوس أقلام.

في انتخابات 2007، تميز المشهد السياسي بالهجوم على البيجيدي، ضمن حملة عامة، إقليمية ودولية، تستهدف الحركات الإسلامية باعتبارها تعطّل التنمية وتغذّي الإرهاب، وأفرزت نتائج الاستشارة الشعبية تصدّرا تناوبيا بين حليفي الكتلة الديمقراطية الاستقلال (الأول) والاتحاد الاشتراكي (الخامس)، فيما حل حزب العدالة والتنمية ثانيا، وآلت قيادة الحكومة إلى عباس الفاسي، التي ستضع لها حدا حركة 20 فبراير زمن الربيع العربي (2011)، التي سيعرف البيجيدي كيف يستعملها دون أن يكون مشاركا فيها ليحصد الصدارة في الانتخابات السابقة لأوانها في نونبر 2011، لتؤول رئاسة “حكومة الربيع المغربي” إلى عبد الإله بنكيران.

في انتخابات 2011، سيتميز المشهد السياسي بهجومٍ، بعضه منظم وبعضه عشوائي، على حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن حملة متنوعة رفعت شعار “مواجهة التحكّم”، وأبدع له بنكيران عدة أسماء وألقاب حتى أنه أدخل للحقل الحزبي المغربي صفات “العفاريت” و”التماسيح”… بيد أن البام، رغم ذلك، ستصنّفه النتائج رابعا، بعد البيجيدي والاستقلال والأحرار، متبوعا بالاتحاد الاشتراكي خامسا.

في انتخابات 2016، سيعرف المشهد السياسي المغربي حالة قصوى من الصراع الحزبي، سينحرف أحيانا إلى صراع شخصي، عندما تصدّر قيادة البام أمين عام جديد، كانت المجالس والصالونات تعْرفه وتُعرّفه بـ”الثعلب الذي يظهر ويختفي”، في إشارة إلى أنه “سياسي محتال”، اسمه إلياس العمري، هو الذي سيلوّث الساحة المغربية بادّعاءات القرب من جهات عليا، كما وصفه عبد الحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال آنذاك، بأقدح الصفات (…)، وتبعه بنكيران، الذي شرع يصف إلياس بأنه “محتال” و”صعلوك”… فيما ركّز “الثعلب” على استثمار فشل ثورات الربيع واندحار إخوان مصر ليهاجم البيجيدي ضمن حرب شعواء أعلنها على الإسلاميين، عرف خصومه كيف يستثمرون تصريحاته الرعناء لتقديمه عاريا أمام الشعب باعتباره يحارب الملّة والدين ويستحق أن تُسلّط عليه لعنة الإسلام والمسلمين… نتائج هذه الانتخابات ستضع في الصدارة الحزبين الغريمين، البيجيدي أولا والبام ثانيا، ليُعيّن بنكيران رئيسا لـ”حكومة الريف” قيد التشكيل، وخلال المشاورات الحكومية، التي كانت تجري كلها ببيت بنكيران، ستندلع الأحداث الاجتماعية في الحسيمة عقب الموت المأساوي لتاجر السمك محسن فكري يوم 28 أكتوبر 2016، وتواصلت الأحداث وحدثت اعتقالات وانطلقت محاكمات، قبل أن تتوقف مشاورات “البلوكاج” يوم 15 مارس 2017، بإعفاء بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني، الذي سيقود “حكومة التطبيع” ويبصم “مكرها” على “اتفاقات أبراهام” في 10 دجنبر 2020.

في انتخابات 2021، سيعرف المشهد السياسي المغربي “انقلابا” بنسبة 180 درجة، أفرزت هيمنة سياسية غير مسبوقة تخنق البلاد والعباد بعدما “تصدّر” الأحرار نتائج الانتخابات (102 مقعد)، متبوعا بالبام (86 مقعدا) والاستقلال (81 مقعدا)، وبهذه الأغلبية الساحقة، سيهيمن هذا التحالف الأغلبي الثلاثي على البرلمان، فضلا عن هيمنته على باقي المؤسسات الدستورية المنتخبة، الأمر الذي أدّى إلى نوع من “الخنق السياسي” تمارسه ثلاثة أحزاب سياسية، في عملية استئصالية للمنافسين وإقصائية للمعارضين!!!

انتخابات 2021، كان يُفترض أن تنبثق عنها “حكومة رجال ونساء الأعمال”، على أساس أن رئيسها الملياردير سيشكّل فريقا مغايرا لكل الحكومات السابقة، تُسيّر فيها الإدارة العمومية، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، بأحدث أساليب التسيير والتدبير وبعقليات المال والأعمال والاستثمار، وهذا ما جرى فعلا وبـ”نجاح باهر”، إذ أصبحنا أمام حكومة تدير شؤون البلاد بعقليات الاستثمار المنتجة والمثمرة، لكن ليس لفائدة الدولة والمجتمع، وإنما لفائدة أباطرة الرأسمال المتوحّش، الذي تغتني منه “فئة محظوظة”، والذي يغذّي التفشي الفاحش للفساد، الذي خلقته السياسات المتبعة من قبل الحكومة وأحزابها الثلاثة، وبقيادة مباشرة لعزيز أخنوش وتزكية تواطؤية لفاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة، حكومة وفّرت بيئة مناسبة لاحتضان وتفريخ لوبيات وﺷﺑﻛﺎت اﻟرﯾﻊ واﻟﻔﺳﺎد واﻹﻓﺳﺎد، من خلال سحب قوانين وتعديل أخرى وإقرار العديد من النصوص القانونية التراجعية ومحاولة فرضها من خلال ﻣﺷروع ﻗﺎﻧون اﻟﻣﺳطرة اﻟﻣدﻧﯾﺔ وﻣﺷروع ﻗﺎﻧون اﻟﻣﺳطرة اﻟﺟﻧﺎﺋﯾﺔ، حيث تعتمد الحكومة على أغلبيتها العددية لضرب العديد من المكتسبات القانونية ومن المبادئ الدستورية، إلى حد شرعنة تضارب المصالح، الذي بات جاريا لدى حكومة لا يرفّ لها جفن أمام اكتساح رئيسها للعديد من الصفقات العمومية الضخمة، ولا تحرّك ساكنا أمام لوبيات اﻟﻣﺻﺎﻟﺢ واﻻﺣﺗﻛﺎر وتفشي المضاربات وإشعال النار في الأسعار ورفض ﺗﺳﻘﯾف أثمان اﻟﻣﺣروﻗﺎت، فضلا عن الفضائح، التي أطبقت الآفاق، حول توزيع مبالغ الدعم العمومي الطائلة،معزّزة بإﺟراءات اﻹﻋﻔﺎء ﻣن رﺳوم اﻻﺳﺗﯾراد واﻟﺿرﯾﺑﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯾﻣﺔ اﻟﻣﺿﺎﻓﺔ لاستيراد المواشي واللحوم.

وفي هذا الصدد، وبغضّ النظر عن التموقف من تجربة حزب العدالة والتنمية ومن خلاصات مؤتمره الوطني، يجب الاعتراف أن البيجيدي، الذي لا يتوفر إلا على مجموعة نيابية يقودها عبد الله بوانو، كان الأكثر حركة وفعالية في فضح مظاهر الفساد الحكومي أمام البرلمان، برلمان عملت فيه الهيمنة العددية للأغلبية الحكومية على تهميش المعاضة تهميشا مهولا لا مثيل له في تاريخ الولايات البرلمانية منذ أول انتخابات (الولاية التشريعية الأولى في المغرب المستقل) في 18 نونبر 1963!

والسؤال هنا، بعد “حكومة الربيع” سنة 2011، و”حكومة التطبيع” سنة 2017، و”حكومة الملياردير” سنة 2021، تُرى كيف سيكون شكل حكومة 2026، وأي “وصفة سياسية” ستميّز المشهد السياسي في أفق “انتخابات المونديال”؟.

هذا سيجرّنا إلى رصد سلوك الملك محمد السادس مع حكومة بنكيران، ثم حكومة العثماني، وكيف كان يتتبّع كل كبيرة وصغيرة، وينبّه ويتدخل بين الحين والآخر، وكيف استنكف عن التدخّل في العلاقة مع حكومة أخنوش، حتى أنه ترك لها الحبل على الغارب ففعلت ما تشاء إلى أن أنتجت “حكومة موروكومول”… تُرى، ما دلالات كل ذلك؟

وبين بنكيران والعثماني وأخنوش، كان مسار الجالس على العرش يتّجه، أولاً، إلى الإلحاح الملكي على دعوة الناخبين إلى “المشاركة المكثّفة في الانتخابات، وإلى حُسنِ استعمال أصواتهم في تقرير مصيرهم ومصير بلادهم… ومن أجل ألا يتركوا للأحزاب فرصة العبث بأوضاعهم في حاضرهم ومستقبل أبنائهم…”! ويصرّ، ثانياً، على خطاب ربط المسؤولية بالمحاسبة، حينما قال الملك محمد السادس: “حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ. فكما يُطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يُطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة”… ولتسليط الضوء على هذا المسار الملكي، يتطلّب الأمر استعادة السياق الدستوري، من خلال استحضار “حادثة البلوكاج”، التي “لم تكن على بال المشرّع”، الأمر الذي “فجّر” جدلا كبيرا حول قراءة الفصل 47 من الدستور حول تعيين الملك لرئيس الحكومة، خصوصا بعدما لوّح الملك باللجوء إلى خيارات أخرى، لعل من أبرزها التحوّل إلى تعيين رئيس الحكومة من حزب آخر، إلى غير ذلك من القضايا المحورية، التي ستكون موضوع وقفةِ تأمل وتحليل واستشراف في المقال المقبل.

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

نشرت

في

بواسطة

ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.

وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.

من الخيمة خرج مايل.

إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.

وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.

من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.

غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.

لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

نشرت

في

يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.

لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.

غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.

فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.

ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.

أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.

لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.

° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

نشرت

في

إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .

ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.

وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.

لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.

فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.

ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.

أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
واجهة منذ 5 ساعات

بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء

رياضة منذ 6 ساعات

مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث

دولي منذ 7 ساعات

ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز

دولي منذ 9 ساعات

إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة

واجهة منذ 10 ساعات

افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير

رياضة منذ 11 ساعة

«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم

دولي منذ 12 ساعة

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة

اقتصاد منذ 13 ساعة

قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير

رياضة منذ 14 ساعة

هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت

منوعات منذ 14 ساعة

كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”

رياضة منذ 15 ساعة

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل

رياضة منذ 16 ساعة

أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم

رياضة منذ 17 ساعة

التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي

واجهة منذ 18 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم السبت

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل

رياضة منذ يوم واحد

الفتح الرياضي يتعادل مع المغرب الفاسي (1-1)

رياضة منذ يوم واحد

عراقجي: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران “أقرب من أي وقت مضى”

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: رفض تأشيرتي رئيس الاتحاد الفلسطيني لأمريكا وكندا

تكنولوجيا منذ يوم واحد

عودة خدمات “فيسبوك” و “أنستغرام” تدريجيا بعد انقطاع أثر على آلاف المستخدمين

واجهة منذ يوم واحد

إمبراير البرازيلية تعرض على المغرب طائرة KC-390 ومركز قيادة متطور

سياسة منذ يومين

فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”

واجهة منذ أسبوعين

وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر 104 أعوام

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات

واجهة منذ أسبوعين

الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟

سياسة منذ يومين

مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا

واجهة منذ 7 أيام

عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر

رياضة منذ 6 أيام

البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23

منوعات منذ أسبوع واحد

اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami

اقتصاد منذ أسبوع واحد

رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية

رياضة منذ أسبوع واحد

تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين

منوعات منذ أسبوع واحد

الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي

منوعات منذ أسبوعين

“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو

منوعات منذ أسبوع واحد

انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة

رياضة منذ أسبوع واحد

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

اقتصاد منذ أسبوعين

20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة

سياسة منذ 3 أيام

المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة

رياضة منذ شهرين

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 8 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 8 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 10 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 12 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ سنة واحدة

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds