على مسؤوليتي

من أجل إنصاف الوقائع بقيمتها الكونية والاعتراف بجدواها الثقافية

نشرت

في

* في أفق ترشيد عقلية الجوار بترسيخ المشترك ضد الإستعمار
في خضم الزخم الجماهيري والإعلامي الذي رافق احتضان المغرب لكأس إفريقيا للأمم، وهو حدث رياضي قاري مشروع ومُشرِّف، جرى – بشكل لافت – تهميش واقعة علمية ومعرفية بالغة الأهمية، تتمثل في اكتشاف بقايا جديدة للإنسان العاقل بمنطقة طوما بمدينة الدار البيضاء. وهو اكتشاف لا يخص الباحثين وحدهم، بل يهم الذاكرة الإنسانية جمعاء، لما يحمله من إعادة اعتبار لإفريقيا، والمغرب تحديدًا، باعتبارهما فضاءً مؤسِّسًا في تاريخ الإنسان، لا مجرد هامش له.

قد يقال بأن الموضوع معرفي يخص الإختصاصيين ، ولكن في إطار دمقرطة المعرفة والمعلومة ، لا مناص من تنوير المواطنين بنهاية كثير من السرديات الزائفة ، وفي جميع الحالات نخشى أن يتم التطبيع مع الحدث العلمي ، ويتم تبخيس ابعاده ووقعه الثقافي ، كما جرى تجاهل واقعة جبل إغود وما نتج عنها من نفض الغبار عن سردية أقدم إنسان عاقل بكوكب الأرض . وفي المقابل إننا إذ نُثمِّن الرياضة، ونقرّ بدورها في توطيد أواصر التقارب بين شعوب إفريقيا، وفي إنتاج الفرح الجماعي، وبناء الثقة والاعتراف المتبادل خارج منطق الصراعات ؛ فإننا نقدر بأن هذا التثمين سيظل مشروطًا بالاعتدال الذي يحرر الرياضة من الأدلجة، ويصونها من منطق الأمننة، حتى لا تتحول من لغة إنسانية جامعة إلى أداة استقطاب رمزي أو توظيف سياسي ظرفي.

فالرياضة، في جوهرها، جسر تواصلي لا ينبغي تحميله ما لا يحتمل، ولا استثماره لإعادة إنتاج منطق الهيمنة أو المنافسة الصفرية بين الشعوب. كما أن الاحتفاء الرياضي، مهما بلغت قيمته الرمزية، لا يجوز أن يُزاحم أو يُقصي الاحتفاء بالعلم والمعرفة، ولا أن يحجب الوقائع المؤسسة للمعنى والذاكرة والتاريخ.

إن اكتشاف آثار الإنسان العاقل بالمغرب ليس خبرًا عابرًا، بل رصيد ثقافي وتاريخي وسيادي، وفرصة لإعادة بناء سردية إفريقية إنسانية، تتحرر من المركزيات الإقصائية، وتُعيد للقارة موقعها الطبيعي في تاريخ الإنسانية المشترك. غير أن تغييب هذا الحدث، أو اختزاله في دوائر نخبويّة ضيقة، يكشف خللًا بنيويًا في ترتيب الأولويات الثقافية والإعلامية، ويعكس عجزًا عن الموازنة بين الفرح الآني والمعنى العميق، وبين الحدث الاستهلاكي والواقعة المؤسسة.

وبصرف النظر عن كل انتهازية تشريعية قد تروم تمرير مشاريع قوانين تعسفية أو إشكالية، عبر استغلال انشغال الرأي العام الوطني بزخم تظاهرة كأس إفريقيا، فإن الإشكال الأعمق يظل كامنًا في منطق تدبير الفضاء العمومي والزمن السياسي. فحين يتحول الاحتفال الجماعي إلى لحظة تعطيل للنقاش العمومي، وحين تُختزل الحيوية المجتمعية في حدث واحد، يُفتح المجال لإزاحة قضايا الحقوق والحريات والمعرفة من دائرة الاهتمام العام.

إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بسلامة النصوص القانونية، بل كذلك بأخلاقيات إنتاجها وتداولها، وبقدرة المجتمع على الحفاظ على يقظته النقدية حتى في لحظات الفرح. فالرياضة، حين تُستعمل كستار ظرفي، تفقد بعدها الوحدوي، وتتحول – من حيث لا يُعلَن – إلى أداة إرباك للرقابة المدنية، وهو ما يتناقض مع روحها الإنسانية والتحررية. وانطلاقًا من ذلك، فإننا ندعو إلى:
* إنصاف الوقائع العلمية والتاريخية بقيمتها الحقيقية، وإدماجها في السياسات الثقافية والإعلامية باعتبارها جزءًا من السيادة المعرفية.

* الأستاذ مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version