في الوقت الذي تتجه فيه الإرادات المعلنة نحو دمقرطة القرار العمومي عبر تفعيل آليات المقاربة التشاركية وتوسيع فضاءات المشاركة المواطِنة، يبرز في المقابل اتجاه مقلق يقوم على أمننة التعبير عن الموقف التضامني أو الرأي النقدي المُدين. وهي مفارقة لافتة تكشف توترًا متناميًا بين خطاب الانفتاح الديمقراطي من جهة، وبعض الممارسات أو التمثلات التي تميل إلى تضييق مساحات الاختلاف من جهة أخرى.
فالتعبير النقدي، حين يُدرج في خانة الاشتباه أو يُقارب بمنطق الضبط الأمني، يفقد وظيفته المدنية بوصفه مساهمة في النقاش العمومي، ويتحول من مورد لتجويد السياسات العمومية إلى موضوع للمراقبة والتحفظ. وفي هذه الحالة، لا يعود الفضاء العمومي مجالًا لتداول الأفكار بقدر ما يصبح مجالًا لتدبير الحساسيات والاصطفافات.
ومن هنا يبرز سؤال مقلق: هل نحن بصدد عودة سردية “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”؟ وهي سردية طالما استُدعيت تاريخيًا في لحظات التوتر الكبرى لتبرير تغليب منطق التعبئة الوطنية على مقتضيات التعددية الديمقراطية. ففي ظل هذه السردية، يُقدَّم الاختلاف باعتباره مصدر إرباك أو تهديد للوحدة، بينما يُنظر إلى الإجماع المفترض باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار.
غير أن الخطر الكامن في هذه المقاربة لا يتمثل فقط في تضييق هامش التعبير، بل في إحياء مؤشرات من الماضي الذي لا يريد أن يمضي؛ ذلك الماضي الذي كانت فيه اللحظة الوطنية تطغى على اللحظة الديمقراطية، فتُؤجَّل مطالب الحرية والمساءلة بدعوى أولوية المعركة أو ظرفية المرحلة.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو الانزلاق المتكرر نحو المبالغة في استعمال فزّاعة التخوين من هنا، والتكفير من هناك. فبدل أن يتحول النقاش العمومي إلى فضاء للتداول العقلاني، يصبح أحيانًا ساحة لتبادل الاتهامات ونزع الشرعية عن المخالفين. وحين تتحول اللغة السياسية إلى قاموس للاتهام، يختل ميزان الحوار وتضيق إمكانات التفكير الجماعي الرصين.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تُلغي الاختلاف، بل تلك التي تُدبِّره داخل إطار عقلاني وقانوني. ولذلك يبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الحاجة ملحّة إلى التحكيم إلى العقل والقانون بوصفهما المرجعية المشتركة لتأطير النقاش العمومي. فالدولة الديمقراطية لا تقوم على الإجماع القسري، بل على الاعتراف بتعدد الآراء وضمان حرية التعبير في حدود القانون.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الوطني والديمقراطي، بل في بناء توازن خلاق بين اللحظة الوطنية واللحظة الديمقراطية. فالوطنية التي تخشى النقد تتحول بسرعة إلى خطاب تعبوي مغلق، بينما الديمقراطية التي تنفصل عن الحس الوطني تفقد قدرتها على بناء الثقة الجماعية.
ولهذا فإن تحصين الفضاء العمومي لا يمر عبر تضييق مساحات التعبير، بل عبر تعزيز الثقة في قوة المؤسسات والقانون وقدرتهما على تدبير الاختلاف. فالديمقراطية لا تُختبر فقط في لحظات الهدوء، بل تُقاس أساسًا بقدرتها على حماية حرية الرأي في لحظات التوتر والاصطفاف.
في النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من منطق التخوين إلى منطق الحجاج، ومن منطق الأمننة إلى منطق التداول العقلاني. فالمجتمعات التي تنتصر للعقل والقانون هي وحدها القادرة على تحويل الاختلاف من مصدر للتوتر إلى طاقة لإنتاج المعنى وتجديد المشروع الديمقراطي. ولأن الخطأ لا يُصلحه خطأٌ آخر، فلا يستقيم التفكير في مواجهة الأمننة بالأدلجة؛ إذ إن في ذلك مخاطر السقوط في فخ المواجهة الحدّية بين سردية الوطن وسردية الأمة. وهي مواجهة قد تُغذّيها حالة الغموض التي تكتنف آفاق التحالفات هنا وهناك، في سياق دولي تتفاقم فيه مظاهر الاستقطاب، سواء اتخذت لبوسًا عولميًا أو أمميًا، حيث لا يكاد الفرق بينهما يظهر إلا في مستوى الخطاب، بينما تتشابه آثارهما في إعادة إنتاج الانقسام وإضعاف إمكان بناء أفق وطني ديمقراطي متوازن . فمتى سيتم تنصيب المجلس الأعلى للأمن بعد دمقرطة ضوابط إشتغاله .
في هذا السياق، يجد المترددون المعتدلون أنفسهم في مربع رمادي محرج، إذ لا يستطيعون الانحياز صراحة إلى مؤيدي الحرب على إيران، ولا يمكنهم بالكامل تبني موقف المدانين لها. من منظور التفكير النقدي والتضامن النقدي، يعكس هذا التردد صراعًا داخليًا بين الرغبة في الدفاع عن قيم التضامن والعدالة، وبين ضغط المصالح والسياسات الإقليمية والضغوط الرمزية للأحداث الكبرى، مثل ما جرى في السابع من أكتوبر 2023، إضافة إلى ملف التطبيع مع إسرائيل.
هؤلاء المعتدلون، الذين يسعون لتبني موقف نقدي مسؤول، يواجهون تحديًا مزدوجًا: المحافظة على حيادهم الأخلاقي، وفي الوقت نفسه المساهمة في النقاش العام بطريقة تراعي التضامن مع الضحايا والمساءلة الأخلاقية للفاعلين. ومن هذا المنظور، يصبح مربعهم الرمادي مساحة ضرورية لإنتاج موقف متوازن، قائم على المساءلة والتفكير النقدي التوقعي، بعيدًا عن الانزلاق نحو سرديات سريعة أو أحادية، ما يجعلهم عنصرًا أساسيًا في مواجهة منطق التخوين وأمننة التعبير.
ومع ذلك، يبقى الجانب الإنساني الأكثر هشاشة واضحًا: سائقو سيارات الإسعاف والإعلاميون هم أول الضحايا الفعليين للحروب، فهم يتعرضون للخطر مباشرة أثناء أداء واجبهم في إنقاذ الأرواح وتغطية الأحداث، ما يسلط الضوء على ضرورة تقييم الحروب والتوترات ليس من منظور سياسي أو استراتيجي فقط، بل من منظور إنساني وأخلاقي عاجل . في زمن تتضخم فيه الانفعالات وتضيق فيه مساحات النقاش العقلاني، يصبح من الضروري التمييز بين اتباع الناس في حججهم واتباعهم في أهوائهم. فالحجة، مهما اختلفنا معها، تظل قابلة للفحص والمساءلة والتفنيد، بينما الهوى غالبًا ما يتحول إلى خطاب تعبوي يختزل الواقع في ثنائيات حادة من قبيل التخوين أو التكفير أو الاصطفاف القسري.
وتكشف سيميائيات الأهواء أن كثيرًا من الخطابات المتداولة لا تُبنى على منطق البرهنة بقدر ما تُبنى على اقتصاد الانفعال، حيث تُستعمل الكلمات كإشارات تعبئة لا كوسائط للفهم. وفي مثل هذا السياق يصبح النقاش العمومي عرضة للانزلاق من مجال الحجاج إلى مجال الاصطفاف، ومن التفكير إلى ردود الفعل.
غير أن العالم، كما يعلمنا التاريخ السياسي، لا تحكمه المثالية القانونية وحدها، بل تحكمه أيضًا موازين القوى وتشابك المصالح. لذلك فإن البحث عن توازن عقلاني يظل أفقًا أكثر واقعية من السقوط في يقينيات صدامية. فالقانون نفسه، حين لا يجد سندًا في القوة أو في تقاطع المصالح، يتحول إلى قيمة معيارية أكثر منه أداة فاعلة في تنظيم الوقائع.
ومن هنا يمكن القول إن المعنى فضيلة بين القوة التي لا نملكها حاليًا والمصلحة التي لا تتوفر لنا، ما دمنا لسنا طرفًا حقيقيًا في معادلة الصراع. لذلك فإن الحكمة النقدية تقتضي أن نقرأ الحجج ونفكك الخطابات، لا أن ننجرّ إلى أهوائها. فالمسافة النقدية ليست حيادًا سلبيا، بل شرطًا لفهم ما يجري، وحماية للنقاش العمومي من أن يتحول إلى مجرد ساحة لتبادل الاتهامات بدل أن يكون فضاءً لإنتاج المعنى.
* مصطفى المنوزي