تعد المجتمعات التي لم تتجاوز سردية القومية الضيقة، ولم تنجح في تجاوزها، فضاءا لاختبار الانتماء في كل مناسبة جماهيرية، عوض ان تكون مجالا للاختلاف. لان الدولة لم تتفوق بعد في انتاج نموذج للمواطنة المتجاوزة للعرق والأصل….و الجماهير لم تستوعب بعد كيف تنتمي دون ان تمارس فعل اقصاء.
ويصبح الاخر تهديدا للتماسك المتخيل، لان خطابات الكراهية ليست انفعالا لحظيا، بل هي تعبر جليا عن نقص الخيال السياسي. ومن هنا يمكننا قراءة الدعوات المتناثرة بالعنف والترحيل والطرد والتشفي وغيرها……كعرض لفشل أعمق، الا وهو الفشل في بناء افق افريقي مغاربي يتجاوز منطق الحدود النفسية.
في ظل غياب قنوات لتصريف التوتر الاجتماعي والسياسي، تحمل كرة القدم أكثر مما تتحمل وتصبح عبارة عن طقس جماعي يشبه الطقوس القبلية من خلال الشعارات، الألوان….. ولا يتم فهم الهزيمة الرياضية بوصفها هزيمة تقنية، وانما هي أداة إهانة جماعية ووسيلة لكسر الهيبة، والمس بالكرامة الرمزية. تتحول المنافسة الى ثأر رمزي والكراهية من شعور مؤقت الى موقف دائم يأجج دعوات عنصرية…. ويستمر العنف ومظاهره خارج حلبة اللعبة ويستمر عبر الزمن. لان العنف لا يظهر فجأة, بل هو نتيجة هشاشة مركبة تدمج البعد الاجتماعي والاقتصادي بالمؤسساتي علاوة على الهشاشة الرمزية.
ان العنف لم يعد في حاجة الى منابر للتعبير عنه، بل تحول الى عنف رقمي، لا جسد له، وبدون أي مسؤولية، أصبحت الدعوة للقتل او الطرد ردة فعل او حرية تعبير او حتى رايا يستحق الاحترام، ما يجمع هذه الخطابات فعلا ليس الغضب في حد ذاته، وانما العجز عن تخيل “نحن” تتسع للاختلاف. عند الشعور بان الهوية تضيق، يصبح أي اختلاف يشكل تهديدا حقيقيا.
وفي ظل انسداد الأفق الاجتماعي والسياسي، اصبحت الفضاءات الافتراضية والواقعية مجالات لإسقاط الاحباطات المتعلقة بالتهميش والهشاشة الاقتصادية والقلق الهوياتي وفقدان السيطرة. واصبح الانتصارات الكروية كتعويض نفسي مؤقت والهزيمة غدا مساسا بالكرامة. حين يتم الفشل في احتواء الغضب، ينتشر العنف داخل هده الفضاءات وخارجها وبشتى الأساليب والطرق المتاحة.
الأخطر في تقديري في هذه اللحظة، ليس ما يقال او العبارات التي تتطاير هنا وهناك، بل كيف يقال، لان هناك دعوات يتم تسويغها عقليا لتتلقى المقبولية لدى الاخرين، لتمتلك تأثير الاقناع لضم عدد مهم من داعمي الدعوة وحشد المناصرين لها، أي ان اللغة التي يتم استثمارها للحث على التعنيف او الطرد تتحدث عن الاخرين كأنهم يشكلون عبئا جماعيا على المجتمع، ويخلقون الفوضى، ومصدر تهديد للأمن والاستقرار….. لغة لا تصنع العنف بشكل مباشر وانما تحوله الى اجراء عقلي. والمفارقة الصارخة هنا اننا امام مجتمعات عرفت التهميش والاستعمار والهجرة، هي التي تنزلق بكل بساطة الى إعادة انتاج نفس المنطق الذي عانت منه ورفضته. وعوض ان تتحول المعاناة الماضية الى مصدر لتوجيه السلوك اخلاقيا الى صيانة المشترك تصبح رصيدا يشتغل لإقصاء الغير.
عمقت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الدينامية، وغدت الكراهية الرقمية، بلا كلفة، وأصبح يروج لها بتعليق ومشاركة وعن طريق فيديوهات وبودكاستات تحريضية، وتفرغ القيم الإنسانية من بعدها الإنساني تحت حجة “حرية التعبير” وهذا تطرح علينا أسئلة عميقة هل نحتاج الى مجتمعات لا تتماسك الا ضد عدو واقعي او مفترض، ام مجتمعات قادرة على تدبير الاختلاف والاعتراف به دون ان يتحول الى خطر يهدد الاستقرار والامن الاجتماعي. لان الكراهية ليست حتمية، بل هي اختيار جماعي يحضر عندما تفشل السياسات وتنهار قواعد العيش المشترك، وينكشف الوجه الخفي لمؤشرات الاختلالات البنيوية في إدارة الفضاء العام ويترك الغضب دون فهم معناه.
ما نحتاجه الان هو سياسات وقائية, لا شعارات تصدح هنا و هناك دون احداث أي تأثر فعلي, وايضا من خلال تجريم و متابعة كل من يدعو الى العنف و التحريض, و تطبيق القانون ضد كل الاعتداءات …. دون تمييز و ان تلعب الدولة دورها في إدارة الفضاء العامومي دون رقابة عمياء, وسن سياسات داعمة للإدماج و العمل الجماعي و المشترك من طرف كل الفاعلين على تدبير النزاع,, و ادماج التربية على الاختلاف و رفض العنف في المناهج الدراسية, علاوة على أهمية بلورة سياسات خاصة بالهجرة مبنية على احترام حقوق الانسان، واعتماد الحماية، لكن دون تكريس الإفلات من المحاسبة, لان الكراهية سيتم القضاء عليها ببناء الثقة بين الجميع من خلال المؤسسات .
وسنستمر في طرح سؤال جوهري الى متى سنؤجل مواجهة أزماتنا الحقيقية؟.