Connect with us

على مسؤوليتي

عبد الكريم بنعتيق يتساءل عن السعودية وتركيا: تموقع استراتيجي أم استباق براغماتي؟

نشرت

في

هناك شبه اتفاق خليجي على اعتبار الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا شأنا أوروبيا محضا، هذا الاختيار فسره البعض على أنه نوع من التوازن الاستباقي يؤسس لنظرية عدم التورط، وذلك برفض تقديم أي دعم مباشر لأوكرانيا، مع عدم مساندة روسيا في هجومها على كييف، ثم الإلحاح على إيجاد تسوية سلمية لإيقاف النزاع الحربي، هذه القناعة تنطلق في اعتقادنا من إدراك قادة الخليج أن الخريطة الكونية بعد هذه الحرب ستعرف متغيرات جيو-استراتيجية تقتضي حسن القراءة من أجل تموقع استباقي.

في منطقة الخليج، مخطئ من يظن أن فتور العلاقات الأمريكية السعودية هو نهاية العقيدة التي أسسها الرئيس الأمريكي السابق كارتر سنة 1980، والتي تؤكد أن واشنطن إذا اضطرت لحماية مصالحها، ستلجأ إلى استعمال القوة العسكرية، أكيد أن هذا الاختيار الثابت في منظومة العلاقات الخارجية لواشنطن تعرض إلى نوع من الانكماش بعدما تنصل الرئيس أوباما من بعض التزاماته تجاه حلفاء واشنطن، استمر مع ترامب، هذا الأخير لم يحرك ساكنا عندما تعرضت المنشآت البترولية السعودية سنة 2019 لهجومات ارهابية، ضف إلى ذلك وجود علاقات عادية، بل باردة أحيانا بين الرئيس الأمريكي بايدن والأمير محمد بن سلمان، هذا الأخير عبر عن ذلك بصراحة في مقال منشور في “ذو أتلنتيك” (The Atlantic)، في مارس 2022، مقدما تنبيها مبطنا لواشنطن قائلا: “أين يوجد الثقل العالمي اليوم، في المملكة العربية السعودية، إذا أردتم تضييعه، فإن آخرين في الشرق مستعدون لاحتضانه بفرح وسرور”. زيارة الأمير بن سلمان في غشت 2022 إلى فرنسا، ترجمت هذه القناعة، تبعتها رسالة مشفرة أخرى للولايات المتحدة الأمريكية في 5 أكتوبر 2022، عندما قررت الرياض، كباقي أغلبية أعضاء منظمة “أوبيب” (OPEP)، خفض إنتاج البترول بـ 2 مليون برميل يوميا، وهو بالمناسبة أكبر تخفيض لم يحدث على الأقل منذ سنتين، رغم تحفظ جزء كبير من الدول الحليفة للسعودية، تم ذلك بالرغم من زيارة بايدن إلى جدة في يوليوز 2022، هذا القرار قرأته بعض الأوساط في واشنطن على أنه ضربة قاسية من طرف حليف استراتيجي لأمريكا، ونوع من الخيارات التي تخدم مصالح روسيا.

هذه الخلافات حسب الجنرال الأمريكي ماكنزي، القائد السابق للقوات الأمريكية بالمنطقة، ليست وليدة اليوم، فالمنافسة الأمريكية الروسية الصينية لا تقتصر على المحيط الهادي، بل حاضرة بقوة في الشرق الأوسط كذلك، متوقفا عند تطور العلاقات السعودية الروسية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خصوصا إبان حكم أوباما، الذي دعم بشكل غير مباشر الربيع العربي، فتح حوارا مع طهران أدى إلى توقيع اتفاقية حول مشروع تطوير السلاح النووي الإيراني سنة 2015، مما خلق نوعا من الشك والارتباك ضمن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمنهم المملكة العربية السعودية. في المقابل، لاحظ الجميع متانة التحالف المباشر والميداني المطلق بين بوتين والرئيس السوري بشار الأسد.

و معلوم أن هذه الأسباب دفعت الرياض في غشت 2021 إلى توقيع اتفاق تعاون عسكري مع موسكو، هو مكمل للاتفاق العسكري السابق الذي وقع في فبراير من السنة نفسها، مباشرة بعد سقوط كبول في يد طالبان والانسحاب المفاجئ لأمريكا من أفغانستـان. لم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل هناك تعاون على المستـوى الاقتصادي من خلال الشراكة الموجودة بين الصـندوق السيادي السعودي (PIF) “le public Investment fund” والصندوق الروسي السيادي (RDIF) “Russian Direct Investment Fund”، التي توجت بتوقيع اتفاقية سنة 2015، الهدف منها استثمار 10 مليارات دولار في روسيا، مما فتح المجال لشركات أخرى، من بينها شركات الأمير الوليد بن طلال التي استثمرت في غشت 2022 مبلغ 500 مليون دولار في مؤسسات بترولية روسية مثل “غاز بروم” (Gazpron) و”ليكوال” (lukoil). موسكو، حسب المتتبعين، ليست البوصلة الوحيدة للأمير محمد بن سلمان لمواجهة التعقيدات الكونية الحالية، بل هناك الصين التي أصبحت في السنوات الأخيرة أول مستثمر في منطقة الخليج، فمنذ سنة 2020، السعودية هي المزود الرئيسي لبكين بالبترول، بل إن الرياض وبذكاء تستفيد من التمويلات الصينية لبعض المشاريع على مستوى البنية التحتية المندرجة في برنامج طريق الحرير، مشاريع مست ميادين عديدة، مثل الطاقة والموانئ والفضاء والصحة، هذا التواجد قد يعرف تطورا مهما في حالة الوصول إلى توقيع اتفاق للتبادل التجاري الحر بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي.

وجدير بالذكر هنا أن السعودية كانت قد اقتنت صواريخ باليستية صينية، كما فتحت المجال “لبكين” للمساهمة في بناء مصنع لإنتاج الدورن في مدينة الملك عبد العزيز العلمية والتكنولوجية. كل هذا جاء مصحوبا بإجراء تمارين عسكرية بحرية مشتركة بين الطرفين. التزود بالصواريخ البالستية الصينية قد يكون، حسب البعض، مجرد مرحلة لاقتناء نوع آخر من الأسلحة لها دور ردعي. أكيد أن تعويض بعض أنواع الصواريخ مثل “D F-3A” بأخرى تتميز بالسرعة والفعالية له ما يبرره، لكن اختيارات المملكة العربية السعودية هي الاستمرار في تطوير ترساناتها البالستية، هذا ما عبرت عنه الجريدة الأمريكية “واشنطن بوست” سنة 2019، التي أشارت إلى رغبة الرياض بامتلاك قاعدة صناعية تخص هذا النوع من الأسلحة. سنتان بعد نشر هذا الخبر، وبالضبط في دجنبر 2021، أكدت الاستخبارات الأمريكية وجود هذه الرغبة لدى صناع القرار في السعودية، وأن ترجمتها على أرض الواقع ستتم بتعاون مع الصين. التوفر على ترسانة من الأسلحة الباليستة قد يكون مقبولا لدى الأمريكيين إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هاجس الرياض خلق نوع من التوازن مع إسرائيل وإيران، لكن واشنطن تتخوف من انتقال السعودية إلى مرحلة أخرى في حالة عجز الغرب عن حسم الملف النووي الإيراني، وذلك بالانفتاح على باكستان، التي تملك بالإضافة إلى السلاح النووي، تقدما علميا في هذا المجال.

القيادة السعودية تنظر بعين الرضى لتشبث الصين في سياستها الخارجية بمبدأ عدم التدخل في الشؤون السياسية للبلدان التي تتعامل معها اقتصاديا وتجاريا، بخلاف الدول الغربية، الأمر لن يقف عند هذا الحد، بل هناك بعض الأخيار الرائجة تلمح إلى رغبة السعودية في الالتحاق بمجموعة “بريكس” (BRICS)، التي تضم كلا من روسيا والهند والصين وإفريقيا الجنوبية، والتي تتحكم مجتمعة في ربع الناتج الداخلي الخام عالميا، و16% من التجارة الدولية.

يجب الاعتراف هنا بأن الحرب الأوكرانية الروسية لم تخدم كثيرا الاختيارات الجديدة للأمير بن سلمان، خاصة على مستوى التعاطي مع الملف الإيراني، إذا استحضرنا استفادة طهران من المواجهة العسكرية الروسية الأوكرانية، مما سمح لها بإيجاد موقع قوي قصد التأثير في الأحداث الجيو-إقليمية، التي بدأت بتقارب براغماتي مع الصين، من خلال التوقيع على اتفاقية شراكة بين البلدين في مارس 2021، ضف إلى هذا أهمية إيران بالنسبة لروسيا، لا سيما بعد تزويدها موسكو بالــدرونات من نوع “شهيد2″، مع التهديد ببيعها صواريخ بالستية، هذا دون إغفال تواجدها في اليمن عن طريق الحوثيين، وفي لبنان بواسطة حزب الله، ودعمها للنظام السوري، مع تمكنها من خيوط اللعبة السياسية في العراق. بعض التخوفات بدأت تطفو على السطح تتمثل في أنه في حالة غياب الجدية في التعامل مع السلاح النووي الإيراني، السعودية، ومعها جزء كبير من دول الخليج، ستكون مجبرة على البحث عن غطاء نووي، مما سيحول الخليج إلى بؤرة للتوتر.

وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية كانت قد دشنت حوارا غير مباشر مع إيران عن طريق بغداد في أبريل سنة 2021، مع قبولها التحاق ثلاثة ديبلوماسيين إيرانيين بجدة لمزاولة مهامهم داخل مقر منظمة التعاون الإسلامي في يناير 2022، إلا أن هذه اللقاءات توقفت في نونبر الماضي بمبادرة من الرياض، بسبب غياب ضمانات واضحة حول المسألة اليمنية. هذه التحولات بالرغم من أهميتها، لا يمكن أن تحجب عن صناع القرار في السعودية أن الولايات المتحدة الأمريكية لها اهتمام استراتيجي بمنطقة الخليج، بدليل أن جل المراكز الكبرى التي لها تأثير في القرارات الاستراتيجية الرئيسية لواشنطـن، مثل مؤسسة (Cnas) “center for a new American Security”، التي تناولت في 10 نونبر 2022 موضوعا يتعلق بالتفكير في هندسة جديدة لخريطة العلاقات بالمنطقة، مقترحة الشروع في تنسيق دفاعي يضم دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى مصر والعراق والأردن، مقرونة بعملية تعاون أمني واسع بين كل الفاعلين الأساسين في منطقة الشرق الأوسط، لكن، وحسب مجموعة من الملاحظين، السعودية حاسمة في أمر الانخراط في أي مبادرة أو تقارب أو تعاون، دون إيجاد حل للقضية الفلسطينية. وصول اليمين الإسرائيلي المحافظ إلى الحكم أضعف هذه المقاربة، مما دفع بجزء من أهل الاختصاص في العلاقات الدولية إلى طرح سؤال مركزي حول تحركات ومبادرات المملكة العربية السعودية، هل تدخل ضمن تموقع استراتيجي دائم أم استباق براغماتي؟.

فيما يخص تركيا، الجميع يقر بأن الفاعل التركي بتبني منذ مدة سياسة مغايرة لمساره التاريخي، متأرجحة بين الارتباط بحلفائه التقليديين في المعسكر الغربي، وبين انفتاحه على موسكو، انطلاقا من علاقات تحكمها مصالح طاقية، لكنها تطورت في السنوات الأخيرة لتشمل مجالات حساسة وصلت إلى درجة اقتناء تركيا صواريخ روسية “S.400″، مما خلق نوعا من التحفظ الأمريكي على هذا التوجه الجديد، بل تسبب في حرمان أنقرة من صفقة الطائرة الأمريكية “ف 35″، خاصة وأن وصول الرئيس بايدن إلى الحكم عقد من مهمة القيادة التركية الحالية. هذه الأخيرة وجدت نفسها أمام ساكن جديد للبيت الأبيض له قراءة واضحة للوضعية الدولية، عبر عن ذلك مند البداية، خلال قمة حلف الناتو ببروكسيل في أواسط شهر يونيو 2021، عندما حدد المعالم الكبرى لخريطة العلاقات الكونية، معتبرا الصين وروسيا تحديا جديدات للغرب.

وبالعودة إلى مسار الأحداث بالمنطقة، تركيا كانت سباقة في 24 فبراير 2022 إلى إدانة التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، معتبرة ذلك بمثابة خرق واضح للقانون الدولي، لكنها رفضت تطبيق العقوبات الغربية على موسكو. لفهم هذا الموقف، ضروري أولا استحضار العلاقة الخاصة التي كانت تجمع تركيا بأوكرانيا؛ فالاثنان كان لهما وعي بضرورة خلق نوع من التوازن الجيو-إقليمي مع الفاعل الرئيسي في المنطقة، ونقصد هنا موسكو. علاقة الطرفين قبل الحرب كانت شاملة، اقتصادية وعسكرية، بحيث وصلت سنة 2021 إلى 7.4 مليارات دولار، تقوت ابتداء من سنة 2015، مستفيدة من بعض الخلافات الروسية التركية، وصلت إلى القمة سنة 2018، بعد التوقيع على اتفاق مهم خلق حساسية استراتيجية لدى موسكو، ونقصد هنا بيع أنقرة طائرات الدرون “TB2” لأوكرانيا. علاقة الطرفين انتقلت بعد ذلك إلى تعاون صناعي عسكري مؤطر بأكثر من أربعين اتفاقية، أهمها التعاون بين الشركة التركية “بيكار مكينا”، والشركة الأوكرانية “ايكرس اكسبور”، الذي سمح لكييف بالحصول على درونات تركية. في المقابل، استفادت أنقرة من المحركات الأوكرانية التي تستعملها لتجهيز طائرات الدرون، وبعض الدبابات.

الملاحظ هو أن هذا الوضع تغير بعد اندلاع الحرب في القارة الأوروبية، بحيث أصبحت تركيا تميل إلى نوع من المواقف، ظاهرها الوساطة وباطنها التموقع والتأثير في التعقيدات الواقعة في المنطقة، مع التواجد ضمن مجموعة الدول التي رفضت التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، والبقاء على مسافة مع مواقف الدول الغربية الداعمة لكييف.

وبإطلالة سريعة ثانيا على العلاقات التركية الروسية، يمكننا استيعاب أكثر هذا الاختيار، فالمصالح المشتركة بين الطرفين بدأت قبل نهاية الحرب الباردة، قاعدتها الصلبة، كما ذكرنا سابقا، هي تزويد موسكو أنقرة بالغاز. التبادل التجاري بين البلدين تطور بحيث وصل سنة 2021 إلى 34.7 مليار دولار، عدد السياح الروس الوافدين على تركيا قفز إلى أكثر من 7 ملايين زائر سنويا، وهو بالمناسبة أعلى رقم إذا ما قورن بالدول الأخرى. موسكو تستفيد من الخلاف الأمريكي التركي، لا سيما على مستوى الملف السوري، بحيث ترى أنقرة في مساندة واشنطن للأكراد السوريين نوعا من التخلي عن الحليف التاريخي لها، بعكس روسيا التي أصبحت طرفا أساسيا في الإشكال السوري، تسعى دائما إلى خلق آليات التنسيق مع تركيا من خلال مبادرات عديدة مثل مسلسل أسطانا، بل إن الرأي العام الدولي تابع كيف أن بوتين كان من الزعماء الأوائل الذين اتصلوا بأردوغان إبان انقلاب سنة 2016.

من هذا المنطلق، أنقرة كانت سباقة للقيام بأدوار الوساطة قبل الهجوم الروسي بثلاثة أسابيع، أي في 3 فبراير 2022، عندما زار أردوغان أوكرانيا وصرح بإمكانية عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي، هذا الإلحاح استمر فيما بعد عندما حاول الأتراك تهيئة الظروف في المنتدى الديبلوماسي الذي انعقد في 10 مارس 2022 بأنطاليا، إلا أن وزير الخارجية الروسي وزميله الأوكراني رفضا حتى مصافحة بعضهما، مما اعتبر من طرف الأعلام الغربي فشلا ذريعا للديبلوماسية التركية. هذه الأخيرة لم تستلم؛ نظمت في 29 مارس من السنة نفسها اجتماعا بين الطرفين، عرف هو الآخر تعثرا بعدما نشرت الدول الغربية وثائق تثبت وجود بعض حالات جرائم حرب خلال التدخل العسكري الروسي.

محاولة ثالثة وبالضبط في 8 يونيو 2022، عندما حل وزير الخارجية الروسي لبروف بأنقرة، لكن هذه المرة تم الاقتصار على مفاوضات روسية تركية بموافقة أوكرانية؛ اتفق الطرفان على ممر بحري في البحر الأسود، من خلال مفاوضات أدت في 22 يوليوز 2022 إلى التوقيع في إسطنبول على ما أطلق عليه “مبادرة الحبوب للبحر الأسود”، كييف رفضت توقيع الاتفاق بشكل مباشرـ مما دفع بتركيا إلى اقتراح توقيع النص نفسه لكن بشكل متفرق تحت إشراف الرئيس أردوغان وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة، هذه العملية سمحت بتصدير 12 مليون طن من الحبوب الأوكرانية، غادرت البلد على متن أكثر من 500 باخرة، نحو مجموعة من الدول التي تعودت التعامل مع سوق المنتوجات الزراعية الأوكرانية. جاءت بعد ذلك وساطة تركية أفضت إلى تبادل أكثر من 200 أسير حرب بين الطرفين. على جبهة أخرى مغايرة انطلقت عندما قررت كل من السويد وفنلندا الالتحاق بالحلف الأطلسي، تحركت أنقرة رافضة انخراط هذه الدول، بدعوى مساندتها للأكراد بشكل غير مباشر، عن طريق منح اللجوء السياسي لبعض العناصر القيادية المحسوبة على تنظيم “Pkk”، تنازل أردوغان عن هذه المعارضة، سيسمح له بإمكانية التوصل بطائرات “ف 16” الأمريكية، لتحديث الأسطول الجوي العسكري التركي. بهذا التموقع، تحول الفاعل التركي إلى طرف ضروري لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه محاور إقليمي لروسيا، مع استمراره كقاعدة خلفية لا يمكن الاستغناء عنها في الهندسة العسكرية للحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، هذا دون إغفال الحنكة التفاوضية مع الاتحاد الأوروبي في تدبير إشكالية تدفق المهاجرين على القارة العجوز.

* عبد الكريم بن عتيق

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

نشرت

في

بواسطة

ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.

وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.

من الخيمة خرج مايل.

إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.

وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.

من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.

غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.

لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

نشرت

في

يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.

لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.

غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.

فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.

ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.

أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.

لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.

° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

نشرت

في

إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .

ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.

وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.

لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.

فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.

ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.

أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
واجهة منذ 3 ساعات

بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء

رياضة منذ 4 ساعات

مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث

دولي منذ 5 ساعات

ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز

دولي منذ 6 ساعات

إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة

واجهة منذ 7 ساعات

افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير

رياضة منذ 8 ساعات

«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم

دولي منذ 9 ساعات

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة

اقتصاد منذ 10 ساعات

قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير

رياضة منذ 11 ساعة

هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت

منوعات منذ 12 ساعة

كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”

رياضة منذ 13 ساعة

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل

رياضة منذ 14 ساعة

أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم

رياضة منذ 15 ساعة

التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي

واجهة منذ 16 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم السبت

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل

رياضة منذ يوم واحد

الفتح الرياضي يتعادل مع المغرب الفاسي (1-1)

رياضة منذ يوم واحد

عراقجي: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران “أقرب من أي وقت مضى”

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: رفض تأشيرتي رئيس الاتحاد الفلسطيني لأمريكا وكندا

تكنولوجيا منذ يوم واحد

عودة خدمات “فيسبوك” و “أنستغرام” تدريجيا بعد انقطاع أثر على آلاف المستخدمين

واجهة منذ يوم واحد

إمبراير البرازيلية تعرض على المغرب طائرة KC-390 ومركز قيادة متطور

سياسة منذ يومين

فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”

واجهة منذ أسبوعين

وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر 104 أعوام

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات

واجهة منذ أسبوعين

الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

سياسة منذ يومين

مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا

واجهة منذ 6 أيام

عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر

رياضة منذ 5 أيام

البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23

منوعات منذ أسبوع واحد

اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami

اقتصاد منذ أسبوع واحد

رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية

رياضة منذ أسبوع واحد

تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين

منوعات منذ أسبوع واحد

الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي

منوعات منذ أسبوعين

“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو

منوعات منذ أسبوع واحد

انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة

رياضة منذ أسبوع واحد

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

اقتصاد منذ أسبوعين

20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة

سياسة منذ يومين

المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة

رياضة منذ شهرين

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 8 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 8 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 10 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 12 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ سنة واحدة

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds