على مسؤوليتي

غزلان أزندور تكتب..عندما تتحول المدرجات الى مرآة

نشرت

في

لم تكن أحداث التوتر والغضب التي شهدها ملعب بالرباط، خلال نهائي كاس افريقيا للأمم، مجرد لحظة احتقان كروي عابر، بل تشكل لحظة تعكس توترات أعمق من كرة القدم.

في تلك اللحظات لم يكن الصراع حول هدف او قرار تحكيمي، بل حول الشرعية، المكانة والاعتراف داخل المجال الافريقي. وتحول الملعب الذي كان يفترض فيه ان يكون فضاء تنافسيا شريفا، الى مسرح للصراعات الرمزية والسياسية. انفجرت على السطح مشاعر الغضب، الحقد، والاستياء، ملفوفة بخطاب التشجيع، لكن في كنهها تعرب عن أزمات غير محسومة.

لم يعد مقنعا القول بان مجال الرياضة هو ميدان محايد، منفصل كل الفصل عن السياسة والمجتمع، لقد شكل الملعب تاريخيا احدى الفضاءات التي يعلق فيها الالتزام ببعض الضوابط الأخلاقية لمدة زمنية محددة بعمر المباراة، كالصراخ، الانفعال والاصطفاف الجماعي. والخطورة طبعا تكمن حينما يتحول الانفعال الى محاولة لنفي الاخر، ويسحب عن المنافس صفته الرياضية ويعاد تعريفه كعدو رمزي. وتم الانتقال من منطق المنافسة الى منطق العداء. ومن أخطر اشكال العنف الذي يمارس ولا يسمى عنفا. هو الهتافات، السخرية، والتشكيك في نزاهة الاخر.

وهي أدوات لا يتم استثمارها بشكل برئ، بل تهدف الى نزع الشرعية، وتقويض الاعتراف، وإعادة تشكيل الهرمية داخل الفضاء الرياضي، وهذا ينتج عندا يعجز الفاعل عن مجاراة التفوق، يختار تفريغ النجاح من معناه الحقيقي. ويتحول التنظيم المحكم والمتميز الفوز الى مؤامرة مدبرة تحرك الاستياء وتؤججه.

تحولت المدرجات الى فضاء للصراح على من يملك حق تعريف الشرعية داخل الفضاء الافريقي، فالاعتراف ليس مجاملة أخلاقية، وانما هو احدى الشروط الأساسية لبناء الكرامة والهوية، وعندما تشعر جماعات او دول بان مكانتها الرمزية تتراجع، ونموذجا اخر يفرض، يتحول الاعتراف وفق تشارلز تايلر جرح هوياتي عميق، ما يجعلني أقول بان المغرب لم يواجه كمنتخب فقط، بل كرمز لنجاح متراكم على المستوى التنظيمي و في الجانب الاستثمارات طويل الأمد، ناهيك عن الحضور الافريقي المتنامي داخل القارة وخارجها. وعوض ان يتم استقبال هذا المجهود كنموذج للاقتداء به، تم اعتباره تهديدا صارخا للتراتبية الرمزية القائمة.

يمكننا استدعاء مفهوم الاستياء لدى الفيلسوف نتشه لمحاوله فهم لحظة تحول عجز جماعي عن الفعل الى كراهية أخلاقية. أي انه عندما يعجز الضعفاء عن الصراع المباشر يختلقون اخلاقا تجعل فضائلهم كالضعف والمسكنة خيرا وخيارا، وتحول قوة الأقوياء الى شر. كما ينبع الاستياء من حسد الضعفاء للأقوياء، وإعادة توجيه هذا الحقد الى اخلاق جديدة ترفض قيم الاخر وتحوله الى عدو ويعاد تفسير النجاح على انه فساد، والتفوق كظلم وهو ما يشكل خطرا مستمرا ومتواصلا. ما يفسر جليا الى ان الغضب لا يتعبر تعبيرا عن خسارة مؤقتة، وانما هو رفض صريح للاعتراف بالتفوق ورغبة جامحة في الانتقام الرمزي. وتصبح المواجهة عبارة عن انفلات جماعي ضد التحكيم، والبلد المنظم… وانفجار ضد كل رمز للسلطة. ويتم دمج المنتخب والبلد المنظم في صورة واحدة أي صورة القوة.

ليست الرياضة من اججت العنف وصنعت الكراهية، وليست سبب الازمة، ولكنها كشفتها واعطتها الشرعية ومنحتها جمهورا وصوتا. وما وقع في المدرجات ليس عرضيا وانما يكشف عن مشكلات أعمق. ستعود في كل استحقاق قادم، وقد يكون بأشكال أكثر حدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه الان، ليس من فاز؟ بل هل سنملك ثقافة وشجاعة الاعتراف؟ ام سنواصل تحويل التفوق الى ذنب وجريمة؟.

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version