على مسؤوليتي

عندما تتحول التحالفات إلى أدوات ابتزاز في عالم متحوّل

نشرت

في

في خطابه بدافوس، حين قال دونالد ترامب مخاطبًا القادة الأوروبيين: «لولا أمريكا لكنتم اليوم تتحدثون الألمانية واليابانية»، لم يكن يستدعي التاريخ من باب الاعتبار الإنساني، بل يوظّفه سياسيًا بوصفه أداة ابتزاز رمزي. تتحول الذاكرة هنا من تجربة إنسانية مشتركة إلى خطاب هيمنة، حيث يُعاد تصوير التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية كـ«منّة دائمة» تُسوِّغ الوصاية السياسية والاقتصادية والأمنية. وبهذا تنتقل الذاكرة من أفق التحرر الجماعي إلى سردية استحقاق إمبريالي، قوامها أن من “حرر” الأمس يملك حق قيادة اليوم.

ورغم أن الخطاب موجّه ظاهريًا إلى أوروبا، فإن رسالته الأعمق تتجاوزها إلى بنية النظام الدولي برمّته، ولا سيما دول العالم الثالث الحليفة أو التابعة. يؤسّس هذا المنطق لتحوّل خطير من منطق التحالف إلى منطق “الفاتورة”، ومن الحماية إلى الابتزاز، حيث يغدو الدعم ورقة تفاوض لا التزامًا استراتيجيًا طويل الأمد، وتتحول الشراكة إلى عبء مالي وسياسي قابل للمقايضة. في هذا السياق يصبح الحليف عنصرًا قابلًا للتوظيف والتضحية به في صراعات لا تخدم مصالحه، بل تُدار باسمه وعليه.

بالنسبة لدول الجنوب، ينذر هذا التحول بتداعيات عميقة: سياسات الدعم تنتقل من منطق بناء القدرات إلى منطق استنزافها، عبر صفقات تسليح مكلفة، وقواعد عسكرية تمسّ بالسيادة، وحروب بالوكالة، وإدراج الدول الهشة في تحالفات تصادمية تزيد هشاشتها بدل تعزيز مناعتها. ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تتحول هذه الدول إلى ساحات صراع بدل أن تكون شركاء في القرار، وأدوات للسيطرة الجيوسياسية بدل فاعلين مستقلين.

كما يفتح هذا الخطاب الباب لتآكل مفهوم السيادة الوطنية، إذ تتحول من حق أصيل إلى امتياز مشروط بالولاء، ما يشرعن التدخلات السياسية والضغوط الاقتصادية والوصاية الأمنية تحت ذريعة “الامتنان التاريخي”. وتأتي الكلفة الاقتصادية مضاعفة، حيث تُرحَّل الأزمات العالمية إلى الاقتصادات الهشة، فتصبح دول الجنوب أسواقًا لتصريف الفوائض، ومصادر للمواد الخام، ومناطق للضبط الأمني والديمغرافي، وأطرافًا هامشية في قلب العاصفة العالمية.

ولا يقل خطر البعد الرمزي والثقافي، إذ يُعاد إنتاج سردية التفوق الحضاري، بما يعمّق عقد النقص والتبعية النفسية وازدراء الذات الجماعية. وينعكس ذلك على النخب والسياسات التعليمية والإعلامية، فيؤسس لاستعمار ناعم للوعي يمهّد للسيطرة على القرار قبل السيطرة على الموارد.

في العمق، لا يعكس هذا الخطاب ثقة قوة مهيمنة بقدر ما يكشف قلقها. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى استحضار أمجاد الماضي لتبرير حاضرها، بينما تلجأ القوة القلقة إلى التاريخ للمساومة على المستقبل. من هنا، لا يكون تصريح ترامب مجرد واقعة لغوية، بل مؤشرًا على تفكك منظومة الضبط الدولي، وصعود منطق القوة، وتآكل سيادة القانون، بما ينذر بفوضى عالمية تدفع دول الجنوب كلفتها الأفدح.

أمام هذا التحول، تبرز الحاجة إلى الانتقال من سياسات الانحياز إلى استراتيجيات التوازن الذكي، ومن التبعية إلى سيادة تشاركية، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي. فكل تحالف غير قائم على الندية، في زمن التحولات الجذرية، سيتحوّل إلى عبء استراتيجي. وعندما تصبح الذاكرة أداة ابتزاز، والحماية وصاية، والتحالف فاتورة، يصبح واجبًا على دول الجنوب تطوير عقلية استراتيجية نقدية، ونخب شجاعة، ومشاريع تحرر واقعية.

وفي السياق المغربي، تكشف هذه التحولات في الخطاب الأمريكي عن مرحلة دولية جديدة تقوم على تسييس التحالفات وتوظيف الذاكرة وتصدير الضغوط، ما يفرض أعلى درجات اليقظة. التحدي ليس في تعدد الشراكات، بل في فقدان القدرة على إدارة توازناتها، والانزلاق من الشراكة الندية إلى التبعية الوظيفية، ومن التعاون المتوازن إلى منطق “الفاتورة” السياسية والأمنية.

كما أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في قابلية الداخل للاختراق الرمزي والسياسي، حين تُستعمل ملفات مثل حقوق الإنسان أو الهجرة أو الأمن أو الاقتصاد كأدوات ضغط انتقائية للسيطرة لا للإصلاح. فحماية السيادة تمرّ عبر تعزيز دولة القانون، وترسيخ استقلال القضاء، وتوسيع الحريات، وتحصين النسيج الاجتماعي، لأن الهشاشة الداخلية تتحول سريعًا إلى ثغرة جيوسياسية.

وبينما يراكم المغرب مكتسباته الدبلوماسية في قضاياه المصيرية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، ينبغي ألا يقع في وهم “الحماية الدائمة”. فالتحالفات في عالم متحوّل لا تُبنى على الأخلاق أو الامتنان، بل على توازن المصالح والقوة والكلفة. الرهان الحقيقي هو بناء قوة ذاتية شاملة: ديمقراطية، حقوقية، اقتصادية، علمية، ومجتمعية، تجعل من المغرب شريكًا لا تابعًا، وفاعلًا لا مجرد ساحة نفوذ.

إن أخطر السيناريوهات هو تحقيق انتصارات دبلوماسية كبرى مع خسارة معركة المناعة الداخلية. لذلك، يجب أن ينصبّ التحذير الوطني على الربط العضوي بين السيادة والحرية، وبين الأمن والكرامة، وبين الاستقرار والعدالة، لأن التاريخ يعلّمنا أن الدول التي تُختزل في وظائف أمنية أو جيوسياسية سرعان ما تتحول من شركاء إلى أوراق في مفاوضات الآخرين.

* مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version