على مسؤوليتي

حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها

نشرت

في

ليس من قبيل الصدفة أن يتحول الاحتجاج المهني للمحامين إلى موضوع جدل عمومي وسياسي وقيمي، فالأمر يتجاوز في عمقه منطق المطالب الفئوية أو الاعتراض الظرفي، ليطرح سؤالًا بنيويًا حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الحقوقية، وحول معنى السيادة القانونية في زمن تتنازع فيه السلطة الرمزية بين منطق الضبط الإداري ومنطق الحماية الحقوقية.

في هذا السياق، يغدو الاحتجاج ليس خللًا في النظام، بل لحظة اختبار لمرونته، وقدرته على الإصلاح الذاتي، واستعداده للاعتراف بشرعية النقد من داخله. إن جلّ المغاربة ينحدرون من سلالات المقاومة وجيش التحرير على امتداد الوطن، والأغلبية الساحقة من النقباء والمحامين هم أبناء مدارس النضال والدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات العامة؛ رجالًا ونساءً، أدّوا ضريبة الكفاح، وتحمّلوا كلفة التضحية، وصنعوا بالوعي والصبر مسار التحرّر والكرامة. ولهذا لم يكن السلف، وتبعه الخلف، ليكترثوا للقوانين القمعية من قبيل ظهير “كل ما من شأنه الإخلال بالنظام العام”، ولا لعقوبات الإعدام والسجن المؤبد التي سنّها الاستعمار، ثم ورثها العقل الأمني خلال سنوات الرصاص.

لقد تصالح الجميع مع ماضيه ، وناهضوا ثقافة الضحية ، لكن بعض العقل الأمني لم يقطع مع تمثلات الماضي غتعذر الإنتقال في العقيدة ، غير أن الصمود الذاتي والموضوعي كصمام أمام ، جعل ثقافة المقاومة المدنية والاحتجاج السلمي دائمًا راسخة كرواسب إيجابية وأقوى من منطق القمع والتخويف.

اليوم، في العهد الجديد، يظلّ الاحتجاج مشروعًا ما دام سلميًا، ومنعه داخل فضاء المحاكم لا يختلف في جوهره عن التحريض على التظاهر في الشارع دون تقدير عواقب الاحتكاك بالعموم، بما قد يفضي إلى العنف والتطرّف. فلا تُسقِطوا غصن الزيتون من أيدي العقلاء، ولا تُطفئوا جذوة الحكمة في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التبصّر، لأن التضييق على التعبير السلمي لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار، ولا يحمي هيبة العدالة، بل يربك صورتها الرمزية والأخلاقية ؛ لأن اختزال احتجاج المحامين في كونه فعل تعطيل أو خروج عن النظام، لا يعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل يكشف عن أزمة أعمق في تمثل دور المهن القانونية داخل البناء الدستوري.

فالمحاماة ليست جهازًا تقنيًا ملحقًا بمرفق العدالة، ولا مجرد وسيط إجرائي بين المتقاضين والمحاكم، بل هي مكون أصيل في منظومة دولة الحق والقانون، تؤدي وظيفة مزدوجة: حماية الحقوق الفردية من جهة، والمساهمة في صيانة الشرعية الدستورية من جهة ثانية. ومن ثم، فإن الدفاع عن استقلالها وحقها في الاحتجاج هو في جوهره دفاع عن توازن النظام الدستوري ذاته.

إن الحق في الاحتجاج المهني لا يستمد مشروعيته من أعراف نقابية أو تقاليد مطلبية فحسب، بل يتأسس دستوريًا على حرية التعبير والتنظيم، وعلى مبدأ المشاركة في تدبير الشأن العام، وعلى كون دولة القانون لا تُختزل في احتكار السلطة، بل تقوم على توزيعها الرمزي بين الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين. فالاحتجاج، في هذا الأفق، ليس فعل قطيعة مع الدولة، بل ممارسة مدنية تهدف إلى تصويب اختلالاتها، وإلى إعادة توجيه سياساتها بما يخدم الصالح العام والعدالة الاجتماعية.

إذا كانت بعض الخطابات تسعى إلى نزع الشرعية عن هذا الاحتجاج عبر ربطه بالتحريض أو التسييس أو المساس بالاستقرار، فإن هذا المنطق يعكس تصورًا اختزاليًا للأمن القانوني، يعتبر الاستقرار مرادفًا للسكوت، والانضباط مساويًا للطاعة، في حين أن التجارب الديمقراطية الرصينة تؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر فتح قنوات النقد والمساءلة، وتوسيع مجال المشاركة، والاعتراف بحق الفاعلين في الاعتراض المسؤول. فالدولة التي تخشى الاحتجاج السلمي، إنما تعترف ضمنًا بهشاشة مشروعيتها الرمزية.

إن استقلال المحاماة لا يعني تحصنها من النقد أو إعفاءها من المساءلة، بل يعني حمايتها من التبعية والاحتواء والترويض، بما يمكنها من أداء دورها الطبيعي كقوة اقتراح وتصحيح داخل منظومة العدالة. فحين تحتج المحاماة، فهي لا تدافع فقط عن مصالح أعضائها، بل تستبطن، بوعي أو بدونه، رهانات أوسع تتصل بجودة العدالة، وبكرامة المتقاضين، وبمستقبل دولة القانون. لذلك فإن محاصرة هذا الاحتجاج أو التشكيك في نواياه يشكل مساسًا غير مباشر بالحق المجتمعي في عدالة مستقلة وفعالة.

وفي العمق، يعكس هذا الجدل توترًا بنيويًا بين نموذجين للدولة: نموذج الدولة الإدارية التي تميل إلى الضبط والاحتواء والتوجيه من أعلى، ونموذج الدولة الاجتماعية الحقوقية التي تقوم على التشارك والمساءلة والتوازن بين السلط. وفي هذا السياق، يصبح الاحتجاج المهني أحد تجليات هذا الصراع الرمزي، حيث تدافع المهن القانونية عن موقعها كوسيط نقدي بين السلطة والمجتمع، لا كأداة تنفيذية في يد القرار الإداري.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في كبح الاحتجاج، بل في استثماره كمؤشر على حيوية المجال العمومي، وكفرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وفاعليها الحقوقيين. فالاحتجاج الواعي والمسؤول ليس خطرًا على النظام، بل صمام أمان له، لأنه يسمح بتفريغ التوترات، وكشف الأعطاب، واستباق الانفجارات الاجتماعية والمؤسساتية. ومن هنا، فإن الدفاع عن مشروعية الاحتجاج المهني للمحامين هو دفاع عن منطق الدولة القوية بعدالتها، لا الدولة القوية بأجهزتها.

هكذا، يتحول الاحتجاج من فعل مقاومة إلى فعل سيادي بالمعنى العميق للكلمة: سيادة القانون على منطق القوة، وسيادة العقل العمومي على نزعة التحكم، وسيادة الحق على حساب الامتياز. وفي هذا التحول، تستعيد المحاماة دورها التاريخي كضمير نقدي للعدالة، لا كملحق إداري لها، وكفاعل استراتيجي في بناء دولة تتأسس على الكرامة، لا على الصمت، وعلى المشاركة، لا على الإذعان. فلتدعونا إذن نتواطؤ من أجل العدالة وكفى تحريضا على التآمر ضدها ، و حول النزاهة الوطنية فليتنافس المتنافسون بشرف وعزيمة ، سلميا وحضاريا .

* مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version