على مسؤوليتي
حكومة الائتلاف الوطني للمونديال..ولي العهد، فاعل دستوري يدخل على الخط (2/3)
نشرت
منذ سنة واحدةفي
بواسطة
مراد بورجى
*مراد بورجى
أعرف أن عنوان هذا المقال، وهو الجزء الثاني المتعلّق بـ”حكومة الائتلاف الوطني لتنظيم المونديال”، سيثير لدى من يعنيهم الأمر أكثر من سؤال، خصوصا مع التحفّظ السائد في الساحة السياسية، والحزبية منها بالخصوص، التي تضع “ولاية العهد” ضمن الطابوهات، في وقت تحتاج البلاد إلى نزع “الطابوهات” مثلما نزعت “القداسة”، بأفق بِنائي يغذّي حاجة المغاربة إلى النقاش العمومي.
في غمار هذا الإشكال، سينتبه الكثيرون إلى أن فاعلا أساسيا ومحوريا في النظام السياسي المغربي مازال، إلى الآن، خارج حسابات المتسابقين في الانتخابات المقبلة، وهو ولي العهد الأمير مولاي الحسن، الذي يعتبر اليوم الحاضر الغائب الأكبر في صنع المرحلة!!! ثم سينتبه هؤلاء الكثيرون إلى أن معرفتهم بشخصية ولي العهد تكاد تكون شبه منعدمة خارج معطيات بعض التقارير الإعلامية، وبعض البروفايلات، التي تغلب عليها الإنشائية، مؤثّثة بمعطيات معروفة ورسمية تابعها المشاهدون على شاشات تلفزيونات الدولة!!!.
وعلى التو، تحضرني في الذاكرة مقارنة سريعة بين عهدين: عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لم يكن أحدٌ، آنذاك، يعرف شيئا ذا بال عن “سميت سيدي” ولي العهد سيدي محمد وعن رفاقه الأقربين، إلى أن تولّى المُلك، فبدأ المغاربة يتعرّفون على وجوه جديدة من المسؤولين السامين هم فريق دراسة وطفولة وشباب الجالس على العرش اليوم الملك محمد السادس، وهم، اليوم كذلك، مُعدّو مرحلة المُرور السلس لحكم ولي العهد الأمير مولاي الحسن غدًا.
واليوم أيضا، كثيرون لا يعرفون شيئا ذا بال عن ولي العهد الأمير مولاي الحسن وعن توجّهاته ورؤيته لما يجري ويدور ولما يتطلّع إليه في المستقبل المنظور، خصوصا أن ولي العهد عاش، قبل سنتين، نقلة نوعية في حياته اقترنت باحتفاله بالذكرى العشرين لميلاده، التي حرّرته من مجلس الوصاية، الذي بقي يلازمه حتى بعد تجاوزه سن الرشد (18 سنة) إلى أن يبلغ عمره تمام السنة العشرين، طبقًا لمقتضيات الفصل 44 من الدستور المغربي، بكل ما يعني “التحرّر من مجلس الوصاية” من آفاق رحبة تحرّره من المسؤولين السامين أعضاء المجلس، الذين يشكلون، بالنسبة إليه، إرثا قديما يدبّر “الحكم”بأساليبه القديمة، والمقصود هنا تلك الوجوه المرتبطة بـ”الحكومة التنفيذية”، وبرئيسها عزيز أخنوش! لنستحضر جيدا أن ولي العهد، عندما بلغ سن التخلّص من مجلس الوصاية (يوم 8 ماي 2023)، بدأ بمهام عسكرية ثم انخرط في القيام بمهام سياسية واجتماعية واقتصادية وختاماً بالديبلوماسية التي قادته لاستقبال رئيس دولة عظمى مثل الصين.
قبل خمس سنوات في يوم الاثنين 08 يوليوز 2020، كان لولي العهد مولاي الحسن أول حضور لمجلس وزاري. ومنذ ذلك الحين، لا يُمكن ألا يكون ولي العهد مولاي الحسن قد كوّن فكرةً عن التسيير الحكومي، وراكم خبرةً في التدبير والاحتكاك المباشر بالطبقة السياسية، لقد كان الأمير يحضر ويرى ويسمع ويتتبّع ما كان يُقال في مجالس وزارية في عهد حكومة كان يترأسها إسلاميون، وهو يحضر اليوم ويرى ويسمع ويتتبّع ما يقوله، في مجلس وزاري، وزراءُ حكومةٍ يترأسها رأسماليون، يترأسهم الملك محمد السادس، الذي “سئم” التعامل مع معظمهم، مجالس وزارية تحوّز الأمير الشاب على ملفاتها، ويشتغل، إلى حدود اليوم بصمت، بفريقِ أكفاء، وكذا ذوي خبرات وكفاءات متعددة ومتنوعة من ديوان والده، ويتابع أدق التفاصيل عن الحياة العامة في البلاد، بما في ذلك أساليب اشتغال حكومة أخنوش، وتوضع أمام مكتبه كل التقارير عن التحالف الحكومي وعن أحزابه الثلاثة وما يفعله قادتها في منخرطيها، وعن الحكومة وعن رئيسها وأعضائها وعن أعطابهم، ومن المؤكّد أن ولي العهد توصّل بمسودة تعديل حكومة أخنوش، التي اطّلع عليها الملك عندما كان في باريس يحضّر مع الرئيس الفرنسي وفريقه كل تفاصيل الاتفاقيات الاثني والعشرين، التي سيوقّع عليها المغرب وفرنسا عند زيارة ماكرون الشهيرة للرباط، حيث كان وزراء أخنوش يوقّعون على أوراش لا يعلمون عنها شيئا، كيف دُرست وروجعت وعُدّلت ودُقّقت قبل أن تأخذ شكلها الجاهز للتوقيع وللانخراط الفاعل في عمليات التنزيل، ومن المؤكد كذلك أنه ليس صدفةً أن يغيب ولي العهد عن تعديل أخنوش الحكومي، أو ما بات يطلق عليه المغاربة اسم “حكومة موروكو مول”.
هذا المعطى مهم جدا، سنعود إليه في الجزء الثالث من المقال، على أساس أن نتحدّث، هنا، عن فارق مهم بين العهدين: في العهد السابق، ظل الملك الراحل الحسن الثاني حريصا، ما أمكن، على إبعاد ولي العهد عن دهاليز الحكم ومكر السياسة وخبايا التدبير وأسرار القصور، حتى لا تكون له أي يد في سنوات الرصاص، إلى درجة أن فؤاد عالي الهمة وصف بداية العهد الجديد بكثير من الرهبة حتى أنه قال: “عندما مات أبونا الحسن الثاني وجاء أخونا محمد السادس (تْلَحنا فالبحرْ)”، لكن الفريق الجديد بقيادة ملك جديد سرعان ما تمرّس على الحكم، وجاء بأفكار جديدة وغذّى لدى المغاربة تطلعات وآمالا جديدة، بجيل جديد من الإصلاحات المجتمعية الكبيرة، وبعضها يمكن أن توصف، ودون مبالغة، بأنها ذات حمولة إصلاحية عظيمة، من قبيل تجربة الإنصاف والمصالحة المغربية.
في العهد الحالي، الوضع مختلف، لوحظ أن الملك محمد السادس يتعامل بأسلوب تشاركي مع ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يتابعه في الشاذة والفاذّة مع هامش مهم من حرية الحركة، شبيهة بالرقابة البعدية، ورهانُها أقرب إلى الحرية والمسؤولية، بخلاف الرقابة القبلية، التي كان يتعامل بها معه والده الملك الراحل الحسن الثاني.
معنى ذلك أن هذا الفاعل الدستوري المحوري المهم، مولاي الحسن، لا يمكن أن يبقى بمنأى عما يجري في البلاد، أخذا بالاعتبار أن لكل زمن رجاله ونساؤه، كما قال الملك نفسه… وولي العهد يرمز اليوم إلى جيل جديد، “جيل 2026″، بعقليات وأفكار جديدة وبخبرات وكفاءات ومقاربات مغايرة، جيل يُدفع به، من الآن، إلى تحمّل مسؤولياته التاريخية، بالشروع في القيام بمختلف المهام السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحّة، خصوصاً أن هذا الجيل لصيق بالتطوّرات الرقمية وبوسائط التواصل، التي خبر من خلالها فضائح السياسة والسياسيين وعلى رأسهم الأغلبية الحكومية، ولذلك لا يمكن تصوّر أن بصماته ستغيب عن تحوّلات وتمظهرات المرحلة المقبلة، الموسومة بـ”حكومة الالتزامات”، التي تعهّد بها الملك، وليست الحكومة، لتنظيم المونديال… والسؤال هو: كيف ستكون طبيعة هذا الحضور وهذه البصمة؟.
انتخابات 8 شتنبر 2021: فوز الفساد والغلاء بالاستقواء بالترحال السياسي
ماركوتينغ “تستاهلْ أحسنْ”، مارس بها أخنوش عملية تغرير بالناخب ببرنامج انتخابي مهزوز مزدوج الأركان: الأول كاذب غير قابل للتطبيق، أما الثاني فلا يكف فيه عن الاختباء وراء القصر والركوب على البرنامج الملكي، سواء في ما يتعلّق بتنزيل النموذج التنموي، أو بالمشاريع الملكية الكبرى… لكن عند الممارسة، في ثنايا التدبير، نجد أن حكومة أخنوش قدّمت للمغاربة المعنى الحقيقي لليبيرالية المتوحّشة، التي ضيّقت الخناق على الطبقتين الوسطى والصغرى، وشرعت ترمي بهما إلى القاع وتوسّع بهما دائرة الفقر، وعمّقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، وتأتي الطامة الكبرى، التي حوّلت السلطة التنفيذية إلى “حكومة التطبيع مع الفساد”، وقّعها عزيز أخنوش بالاسم والصفة، وبَصمتْ معه عليها فاطمة الزهراء المنصوري ومعها صهرها نزار بركة، لتُوزّع “التركة” على “الفئة المحظوظة”، وكان لهذا “التطبيع”أثر أقوى على المغرب وعلى المغاربة، فقد تسرطن الفساد والإفساد المفضوح، واستفحلت مظاهر الزبونية والريع، فتعدّدت ملفات الفساد في محاكم جرائم الأموال، وتضاعف المسؤولون المتابعون بشبهات الفساد، وأغلب هؤلاء المتهمين من صفوف أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي، وترافقت هذه الملفّات مع تعدّد وتنوّع واتساع مختلف مظاهر التعسّف والقهر والغلاء، والحصيلة: تدابير حكومية لاشعبية تزيد في تسمين الأغنياء وفي تجويع الفقراء وتُغرق البلاد في المديونية مع مسلسل من التراجعات في شتّى المجالات!.
انتخابات 2026: أحزاب بلا برنامج خارج البرنامج الملكي
الخلاصة الجوهرية اليوم هي أن هذه الأحزاب لا تتوفر على برنامج حكومي فعلي، وهي نفسها التي تؤكد أنها أصبحت تنفذ البرنامج الملكي، خاصة بعد اعتماد النموذج التنموي الذي صادق عليه الملك يوم 25 ماي 2021، وقد تضمّن التقرير الذي أعدته اللجنة المختصّة العديد من القضايا ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي، ويقترح عددا من السياسات العمومية والآليات التنظيمية والإجراءات التنفيذية لتحقيق الأهداف المسطرة في مختلف المجالات المعنية… وذلك ما تستحضره الأحزاب، خصوصا منها الأحزاب التي تتصدّر تدبير الشأن العام… فهل يمكن لحزب من هذه الأحزاب أن يستطيع الخروج من عباءة هذا النموذج التنموي الشامل، والأوراش الملكية المفتوحة، بالإضافة إلى أوراش تحيين المغرب لاحتضان المونديال التي عُهد بها لوزيري السيادة “التقنيين” عبد الوافي لفتيت وفوزي لقجع، وهنا مربط الفرس، وهو أن برنامج 2026-2030 هو برنامج ملكي صرف، لا يد لحزب فيه، سوى العمل على التنزيل فقط!.
في المغرب، كما في كل الدول التي تعتمد الديمقراطية التعددية، يعرض الحزب السياسي برنامجا انتخابيا على الناخبين، وإذا ما اقتنعوا به، يبوِّئُونه الصدارة ليعمل على تنفيذ برنامجه، وهذا هو المبدأ، الذي أسست عليه لجنة مراجعة الدستور مقتضيات الفصل 47 من دستور 2011، وضمنها فقرته الأولى التي جاءت بهذه الصيغة: “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”.
في غياب البرامج الانتخابية، هذا المقتضى الدستوري لا يقيّد يد الملك في اختيار “شخص حزبي معيّن” (أمين عام مثلا)، بل إن هذا المقتضى لا يحصر عملية التعيين في الحزب الفائز بالانتخابات، بمعنى أن أمام الملك عدّة “اختيارات”، نبّه إليها بلاغ الديوان الملكي القاضي بإعفاء بنكيران، إثر “حادثة البلوكاج المُفتعلة”، عقب انتخابات 2016، والتي “فجّرت” جدلا كبيرا حول قراءة الفصل 47 من الدستور المتعلّق بتعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، وليس بالضرورة الأمين العام للحزب حسب منطوق النص، حين شدّد بلاغ الديوان الملكي على أنه “بمقتضى الصلاحيات الدستورية للملك، بصفته الساهر على احترام الدستور وعلى حسن سير المؤسسات، والمؤتمن على المصالح العليا للوطن والمواطنين، وحرصا منه على تجاوز وضعية الجمود الحالية، فقد قرر أن يعيّن، كرئيسِ حكومةٍ جديدٍ، شخصيةً سياسيةً أخرى من حزب العدالة والتنمية”، ليستدرك موضّحا بدلالات قصدية أن “الملك محمد السادس فضّل أن يتخذ هذا القرار السامي من ضمن كل الاختيارات المتاحة التي يمنحها له نص وروح الدستور”، حدث هذا في ظرفية قدّم فيها حزب العدالة والتنمية برنامجه في انتخابات 2011، وبرنامجه في انتخابات 2016، ورغم ذلك، فقد فتح الفصل 47 أمام الملك أكثر من اختيار، فما بالك اليوم، والأحزاب التي ستخوض الانتخابات المقبلة، بدون برنامج خارج برنامج وأوراش القصر؟!.
ولمزيد من توضيح هذه الخلفية الدستورية، لابدّ من العودة للتذكير بما قاله وقتها الباحث المغربي محمد الطوزي، أحد أبرز أعضاء اللجنة الملكية الاستشارية، التي راجعت دستور 2011، إذ أبرز وقتها أن “ما سمي بـ(البلوكاج) يعتبر جزءا من اللعبة البرلمانية التعددية”، وزاد موضّحا “لا أقول الديمقراطية بل التعددية”، قبل أن ينبّه إلى الصلاحيات الدستورية للملك، التي تتيح له اختيار رئيس الحكومة من حزب آخر، معتبرا أن الفصل 47 من الدستور لا يُعتبر قاعدة قانونية آمِرة: (على الملك أن يعيِّن) أو مُلزِمة: (لابُد للملك أن يعين)، الأمر الذي يفتح أمام الملك أكثر من اختيار بعد إعفائه لبنكيران، و قال الطوزي وقتها إن: “الملك مسؤول أمام الله، وأمام التاريخ”، وخلُص الدكتور الطوزي إلى القول إن “من ينتج منظومة القيم، بما فيها الممارسة الديمقراطية، هو الملك والملكية والقصر”، لأن “الملكية، في المغرب، هي معيار السلوك الجماعي”، فالدستور، يضيف الطوزي، يعطي للملك حق تحديد التوجهات الاستراتيجية، إلى جانب الحكومة.
بمعنى أن قراءة مفتوحة ومرنة للفصل 47 تقدّم عدّة اختيارات متاحة أمام الملك:
– تعيين رئيس الحكومة في شخص الأمين العام للحزب الأول.
– تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول في شخص أي مسؤول خارج الأمين العام.
– تعيين رئيس الحكومة من الحزب الثاني أو حتى العاشر تمكّنَ من تشكيل تحالف أغلبي.
– تعيين رئيس الحكومة من خارج الحزب الأول، بواحدة من صيغتين: إما صبغ شخصية مستقلّة بلون الحزب الأول مثلما وقع مع عزيز أخنوش نفسه، وإما التفاف تحالف أغلبي من عدة أحزاب وراء شخصية مستقلة مثل ما حصل مع إدريس جطو.. وبصريح العبارة، يشرح الدكتور محمد الطوزي أن النص الدستوري “قابل لاحتواء الشيء ونقيضه”، وأن “تأويله الديمقراطي مرتبط أساسا بالفاعلين السياسيين”، وفي الحالة الراهنة، فإن ظرفية المونديال، ومشاريعها الكبرى المفتوحة، هي من وضع وإشراف الملك، فهي ليست مجرد برامج ظرفية، وإنما مؤطّرة بأوراش ذات طبيعة استراتيجية محددة في الزمان والمكان تُلزم الملك لأن يختار الأصلح لهذه المرحلة، وليس “المصائب”، التي جاء بها أخنوش في الصيغة الأولى، والتي جاءت بها زوجته بعد التعديل الفضيحة.
يتبع 3/3
قد يعجبك
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة
نشرت
منذ 5 أيامفي
يونيو 8, 2026بواسطة
سعيد لكحل
ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.
وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.
من الخيمة خرج مايل.
إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.
وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.
من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.
غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.
لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.
على مسؤوليتي
اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة
نشرت
منذ أسبوع واحدفي
يونيو 3, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.
لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.
غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.
فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.
ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.
أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.
لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.
لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.
ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.
° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن
على مسؤوليتي
احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون
نشرت
منذ أسبوعينفي
يونيو 2, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .
ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.
وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.
لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .
ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.
فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.
ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.
ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.
أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .
* مصطفى المنوزي
بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء
مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث
ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز
إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة
افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير
«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم
غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة
قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير
هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت
كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”
مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل
أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم
التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي
توقعات أحوال الطقس لليوم السبت
مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل
الفتح الرياضي يتعادل مع المغرب الفاسي (1-1)
عراقجي: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران “أقرب من أي وقت مضى”
مونديال 2026: رفض تأشيرتي رئيس الاتحاد الفلسطيني لأمريكا وكندا
عودة خدمات “فيسبوك” و “أنستغرام” تدريجيا بعد انقطاع أثر على آلاف المستخدمين
إمبراير البرازيلية تعرض على المغرب طائرة KC-390 ومركز قيادة متطور
فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”
وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر 104 أعوام
الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات
الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى
اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة
سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟
مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا
عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر
البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23
اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami
رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية
تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين
الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي
“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو
انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة
المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية
سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة
احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون
20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة
المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة
البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
الاكثر مشاهدة
-
سياسة منذ يومينفوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”
-
سياسة منذ يومينمراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا
-
واجهة منذ 7 أيامعبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر
-
رياضة منذ 6 أيامالبطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23
-
على مسؤوليتي منذ 5 أيامسعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة
-
سياسة منذ 3 أيامالمغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة
-
رياضة منذ 5 أيامالاختيار يقع على المغربي الحسين عموتة مديرا فنيا للأهلي المصري
-
واجهة منذ 7 أياموكالة تنفيذ المشاريع بجهة البيضاء–سطات تسرّع وتيرة التنمية خلال 2026
