Connect with us

على مسؤوليتي

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

نشرت

في

يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.

ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.

المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.

كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.

إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.

من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.

الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.

في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .

ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد وسلاسة الإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .

* مصطفى المنوزي

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

نشرت

في

يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.

ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.

المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.

كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.

إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.

من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.

الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.

في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .

ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد والإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

حين تتحول الهيبة إلى اشتباه: الشطط في استعمال السلطة بين هدم الحقوق وتشريع الانتقام

نشرت

في

لماذا تُضيّق الدولة أحيانًا على قطاعات لا تشوش عليها ولا تطالبها بشيء؟ ولماذا يتحول الصمت المدني إلى موضوع ريبة، والاستقلال المهني إلى احتمال تمرد مؤجل؟ السؤال لا يتعلق فقط بوقائع متفرقة، بل بنمط في إدارة المجال العام، حين تُستبدل الثقة بالاشتباه، والتعاقد بالردع الوقائي، والشرعية بالاستعراض.

في بعض السياقات، لا تُقرأ السلمية باعتبارها التزامًا بالقانون، بل تُقرأ باعتبارها استعدادًا كامناً للاعتراض. فيغدو منطق التدبير هو: لا ننتظر المطالبة حتى لا تتبلور، ولا نسمح بالمسافة المستقلة حتى لا تتحول إلى موقف. هكذا يتم التضييق لا بسبب فعلٍ قائم، بل بسبب إمكانية فعلٍ مستقبلي. وحين تهيمن هذه الذهنية، تصبح “الهيبة” مرادفًا لإبقاء الجميع تحت منسوب توتر محسوب، حتى لو لم يصدر عنهم ما يبرر ذلك.

غير أن هذا المناخ لا يبقى في مستوى الرسائل الرمزية، بل يترجم نفسه في ممارسات ملموسة: شطط في استعمال السلطة، قرارات إدارية غير معللة بما يكفي، اعتداءات مادية غير مشروعة على حق الملكية، هدم بيوت دون موجب قانوني واضح أو دون احترام المساطر والضمانات، تشريعات تصدر بلا مبررات اجتماعية أو اقتصادية أو حقوقية مقنعة، وأحيانًا توظيف أدوات الدولة لتصفية حسابات سياسية ضيقة. وعندما تتكرر هذه النماذج، لا يمكن التعامل معها كأخطاء فردية معزولة، بل كمؤشر على انزياح في تصور السلطة لوظيفتها.

حق الملكية، مثلًا، ليس امتيازًا شخصيًا معزولًا، بل ركيزة من ركائز الأمن القانوني والاستقرار الاجتماعي. تقييده أو نزعُه لا يكون مشروعًا إلا بوجود نص صريح، ومنفعة عامة حقيقية، وتعويض عادل، واحترام دقيق للمساطر. أما حين يُهدم بيت خارج هذه الشروط، فإن الخسارة لا تكون مادية فقط، بل رمزية أيضًا. فالمسكن امتداد لكرامة الإنسان وأمانه، والاعتداء عليه دون سند قانوني كافٍ يضرب في الصميم الثقة التي يفترض أن تحكم علاقة المواطن بالدولة. الاعتداء المادي غير المشروع، في الفقه الإداري، يُعد من أخطر صور الانحراف، لأنه يُخرج الإدارة من دائرة المشروعية إلى دائرة الغلبة.

والأمر نفسه ينطبق على التشريع حين يفقد روحه. فالقانون لا يكتسب شرعيته بمجرد صدوره، بل من عموميته وتجرده وتناسبه مع الغايات التي يدعي تحقيقها. التشريع الذي يصدر كرد فعل ظرفي، أو لإحكام السيطرة على قطاع بعينه، أو لمعاقبة معارضة مقنّعة، يتحول إلى أداة ضبط لا أداة تنظيم. وعوض أن ينتج استقرارًا، يراكم شعورًا بأن القواعد ليست عامة، بل موجهة، وأنها تُفصّل بحسب السياق والخصومة.

أخطر من ذلك كله هو حين تختلط أدوات الدولة بخصومات السياسة. فالدولة، في جوهرها، ليست طرفًا في الصراع السياسي، بل ضامنة لقواعده. وعندما تُستخدم المساطر الإدارية أو النصوص القانونية للضغط على فاعل مدني أو لتطويق خصم سياسي، فإن الحياد الرمزي للمؤسسات يتآكل، ويتحول التنافس الديمقراطي إلى صراع على الأمان. في هذه اللحظة، لا يخسر الخصم فقط، بل تخسر الدولة صورتها كحَكم.

ثمة خلط عميق بين الهيبة والخوف. الهيبة في الدولة الحديثة تُبنى على العدالة ووضوح القواعد واستقرار التوقعات. أما حين تُختزل في القدرة على الردع، فإنها تنتج حساسية مفرطة تجاه كل تعبير مستقل، ولو لم يكن معارضًا. الدولة القوية ليست التي تُضيّق على المسالمين لتثبت حضورها، بل التي تملك من الثقة ما يسمح لها بالتمييز بين المعتدي والناقد، بين الفوضى والاختلاف المشروع، بين حماية النظام العام وانتهاك الحقوق.
*
العلاج لا يكون بالتصعيد الخطابي، بل بإعادة ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس التناسب والضرورة، وتفعيل رقابة قضائية فعالة على الاعتداءات المادية، وإخضاع التشريعات لاختبارات الأثر الاجتماعي والحقوقي قبل اعتمادها، والفصل الصارم بين منطق الدولة ومنطق الخصومة السياسية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بتوسيع دائرة الاشتباه، بل بتوسيع دائرة الثقة، ولا تُصان الهيبة بالقهر، بل بالإنصاف.

حين تُستفز القطاعات الصامتة، ويُهدم البيت دون موجب قانوني، ويصدر التشريع بلا مبرر مقنع، وتُدار الخصومات السياسية بأدوات الدولة، فإن الخطر لا يكون على الأفراد وحدهم، بل على معنى الدولة ذاته. دولة القانون لا تُختبر في لحظات الطاعة، بل في قدرتها على احترام الحقوق في لحظات الاختلاف. والسلطة التي لا تُقيّد نفسها بالقانون، تُضعف تدريجيًا قدرتها على المطالبة بالطاعة باسمه.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

من تبعية النيابة العامة إلى استقلالها: هل تغيّرت التمثلات أم استمر منطق الأمننة؟

نشرت

في

إذا استحضرنا التطور التاريخي لموقع النيابة العامة في المغرب، فإن سؤال التمثلات المهنية يكتسب عمقًا إضافيًا. فالنيابة العامة لم تكن مجرد جهاز قضائي يمارس وظيفة الاتهام، بل كانت، لسنوات طويلة، جزءًا بنيويًا من السلطة التنفيذية؛ وزير العدل كان رئيسها الفعلي، يملك سلطة الإشراف وتوجيه السياسة الجنائية، بل وتحريك الدعوى العمومية.

كما كان عضوًا مؤثرًا داخل المجلس الأعلى للقضاء بصفته نائبًا لرئيسه.

هذا المعطى ليس تفصيلاً تاريخيًا، بل عنصرًا مفسرًا لتكوّن “الهابيتوس” المؤسسي للنيابة العامة. فالقاضي الذي تدرّج داخل هذا النسق لم يكن يتحرك فقط في أفق قانوني، بل داخل منظومة تعتبر النيابة أداة من أدوات تنفيذ السياسة العامة للدولة، حيث تتقاطع اعتبارات النظام العام مع اعتبارات التدبير الحكومي. بذلك تشكلت تمثلات الاتهام في سياق كانت فيه الشرعية المهنية مرتبطة، ضمنيًا، بالانسجام مع تصور السلطة للاستقرار والأمن.

مع دستور 2011 وما تلاه من إخراج وزير العدل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ثم نقل رئاسة النيابة العامة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تم إقرار استقلال مؤسساتي شكلي مهم: لم تعد النيابة العامة جزءًا من السلطة التنفيذية، ولم يعد وزير العدل رئيسًا لها أو عضوًا داخل جهاز تدبير شؤون القضاة. غير أن التحول القانوني لا يعني تلقائيًا تحولًا ثقافيًا أو ذهنيًا. فالمؤسسات تحمل ذاكرتها، والفاعلون يحملون تمثلاتهم التي تشكلت في سياق سابق.

هنا تتجدد الإشكالية:
هل يكفي الاستقلال الدستوري والقانوني لتفكيك التمثلات التي نشأت في ظل التبعية التنفيذية؟
سيكولوجيًا ومؤسساتيًا، التمثلات لا تُمحى بقرار تشريعي. إنها تتغير حين يتغير تصور الدور. فإذا كان قاضي النيابة العامة قد تشرب، عبر عقود، أن وظيفته جزء من هندسة الاستقرار العام، فإن انتقاله إلى موقع تدبير السلطة القضائية يفترض إعادة تعريف عميقة للدور: من “تنفيذ السياسة الجنائية” إلى “ضمان استقلال القضاة وحماية شروط المحاكمة العادلة”.

في السياق المغربي، يظل خطر الأمننة قائمًا إذا استمر تعريف الحساسية المؤسسية بمنطق “تأمين المرحلة”. فحتى بعد الاستقلال عن وزير العدل، يمكن أن تستمر نفس التمثلات إذا لم تُرافقها ثقافة جديدة تجعل قرينة البراءة ليست مجرد قاعدة إجرائية، بل مرجعية ذهنية حاكمة. الفرق هنا جوهري:
الانتقال من استقلال عن السلطة التنفيذية إلى استقلال عن العقل التنفيذي ذاته.

من منظور التفكير النقدي التوقعي، التحدي لا يكمن فقط في الفصل الشكلي بين السلط، بل في إعادة بناء الوعي المهني داخل النيابة العامة وباقي أجهزة السلطة القضائية. أي الانتقال من نموذج تاريخي كانت فيه النيابة جزءًا من منظومة تنفيذية، إلى نموذج تكون فيه حارسًا للتوازن بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق والحريات.
إمكانية التخلص من تمثلات الاتهام إذن ليست مستحيلة، لكنها رهينة بثلاثة شروط مترابطة:

وعي ذاتي نقدي لدى الفاعلين بتاريخ المؤسسة ووظيفتها السابقة.
ثقافة قضائية جديدة تعلي من قيمة الضمانات على حساب منطق التحكم.
آليات مؤسساتية للمساءلة والتعدد تمنع عودة التبعية في صيغة ذهنية غير معلنة.

دون ذلك، قد يتحقق الاستقلال القانوني، لكن تبقى البنية الذهنية مشدودة إلى منطق قديم، فيتحول الإصلاح إلى نقل موقع السلطة دون إعادة تعريف معناها.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
رياضة منذ ساعتين

إيقاف مباراة إلتشي وإسبانيول بعد تعرض المغربي الهلالي لإساءة عنصرية

رياضة منذ 4 ساعات

الدوري السويدي الوجهة الجديدة لأشرف داري

واجهة منذ 5 ساعات

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

واجهة منذ 8 ساعات

غرق سفينة بنمية قبالة سواحل العيون

سياسة منذ 9 ساعات

فضيحة بالملايين تهزّ وكالة المياه والغابات… 43 مليون شتلة ضاعت وملايير صُرفت دون نتائج

على مسؤوليتي منذ 9 ساعات

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

سياسة منذ 10 ساعات

على غير المعتاد بن كيران يدين استهداف دول خليجية من طرف إيران

دولي منذ 11 ساعة

حداد في إيران بعد مقتل خامنئي وطهران تتعهد بالثأر

دولي منذ 13 ساعة

قائمة القيادات الإيرانية المعلن اغتيالها في الهجوم الإسرائيلي الأميركي

واجهة منذ 16 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم الأحد

رياضة منذ 17 ساعة

يامال يقود برشلونة إلى تخطي فياريال وتعزيز الصدارة

دولي منذ يوم واحد

ترامب: خامنئى مات والفرصة الأكبر الآن للشعب الإيراني

دولي منذ يوم واحد

نتانياهو: مؤشرات عديدة إلى أن خامنئي “لم يعد على قيد الحياة”

سياسة منذ يوم واحد

بلاغ: اتصال هاتفي بين الملك و ولي العهد بالسعودية

سياسة منذ يوم واحد

بلاغ: الملك يهاتف رئيس الإمارات المتحدة

رياضة منذ يوم واحد

طاقم تحكيم مصري لإدارة مباراة الوداد وأولمبيك آسفي

دولي منذ يوم واحد

إسرائيل تنفذ موجة جديدة من الضربات على إيران

دولي منذ يوم واحد

المغرب يدين الاعتداء الصاروخي الإيراني بأشد العبارات

دولي منذ يوم واحد

انفجارات جديدة في أبوظبي والمنامة والدوحة

رياضة منذ يوم واحد

هذا ما قاله غوارديولا عن صيام اللاعبين المسلمين قبل مواجهة ريال مدريد

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الخطأ لا يُصلِح الخطأ: تفكير نقدي لمسار المبادرة التشريعية

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا

رياضة منذ أسبوع واحد

أولمبيك الدشيرة يكشف تفاصيل بيع تذاكر مواجهة الوداد

على مسؤوليتي منذ 6 أيام

تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي

سياسة منذ أسبوع واحد

الحكومة تتراجع عن إحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الدريدي م.أحمد: الصحة حقً للشعوب لا سلعةً للأرباح

مجتمع منذ أسبوع واحد

ترقية استثنائية لفائدة موظفي المديرية العامة للأمن الوطني الأربعة الذين قضوا جراء الحادث المروري

مجتمع منذ أسبوعين

القصر الكبير.. انطلاق عملية واسعة لجرد خسائر المتضررين من الفيضانات

اقتصاد منذ أسبوع واحد

مندوبية التخطيط: تراجع أسعار المواد الغذائية بالمغرب

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الاتحاد الإشتراكي..من “الحركة التاريخية” إل منطق “الوكالة الانتخابية”

مجتمع منذ أسبوع واحد

المديرية العامة للأمن الوطني تنعي أربعة من عناصرها إثر حادث سير مأساوي

تكنولوجيا منذ أسبوعين

المغرب ينفق نحو 20 مليار درهم سنوياً على البحث والابتكار

مجتمع منذ أسبوع واحد

رقم قياسي لمجازر البيضاء في 2025 بأزيد من 30 ألف طن من اللحوم الحمراء

اقتصاد منذ أسبوع واحد

لارام و FM6SS تتعاونان لتنظيم الطب الجوي في المغرب

اقتصاد منذ أسبوع واحد

مجموعة رينو تحقق أداءً قويًا وتتحرك بثقة

رياضة منذ 5 أيام

إنفانتينو “مطمئن جدا” بشأن كأس العالم في المكسيك

رياضة منذ أسبوع واحد

غيابات وإصابات تربك استعدادات الرجاء قبل الجولة الـ13

واجهة منذ 3 أيام

TUI fly البلجيكية تعيد الربط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وبرشلونة

مجتمع منذ 6 أيام

بسبب إضراب العدول لا عقود زواج في المغرب لمدة أسبوع

واجهة منذ 5 ساعات

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 3 أسابيع

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 3 أسابيع

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ شهرين

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 3 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 4 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 4 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 7 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 8 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 9 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 10 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 10 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 10 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 11 شهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 11 شهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 11 شهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 11 شهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 12 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الاكثر مشاهدة