على مسؤوليتي

الإسلام السياسي: عندما تتحول القداسة إلى أداة هيمنة

نشرت

في

ليس المطلوب تعقيم الجدران من “اختلاطها بالآخر”، بل تحرير العقول من عدوى الكراهية التي تُسوَّق باسم الدين.

لم يعد ممكنًا التزام الصمت أمام موجة متصاعدة من الخطاب الذي يختبئ خلف شعارات دينية أو قضايا عادلة، بينما يمارس في العمق نوعًا صارخًا من الإقصاء والازدواجية. ما نشهده اليوم ليس دفاعًا عن الدين، ولا نصرةً حقيقيةً لفلسطين، بل هو توظيف فجّ للمقدس من أجل الهيمنة على العقول، وتدجين المجال العام، وفرض وصاية أخلاقية على المجتمع.

لنقلها بوضوح: لا ديمقراطية مع استغلال المقدس، لا انتخابات نزيهة مع التضليل العاطفي، ولا استقرار مع ازدواجية الخطاب. هذه ليست مجرد شعارات، بل تشخيص دقيق لمرض سياسي يتغذى من الخلط المتعمد بين الدين والسياسة.

من إسلام التعدد إلى إسلام الوصاية

الإسلام المغربي، الذي تشكّل عبر قرون من التفاعل مع العمق الأمازيغي والانفتاح الحضاري، لم يكن يومًا دينًا إقصائيًا. كان إسلامًا يتسع للجميع، لا يفرض نفسه بالقوة، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

لكن ما يُراد اليوم هو شيء مختلف تمامًا: نسخة مُؤدلجة من الدين، تُختزل في خطاب واحد، وتُنصّب نفسها وصية على ضمائر الناس، وتُصنّف المجتمع إلى “صالحين” و“منحرفين”، إلى “مؤمنين حقيقيين” و“آخرين يجب تقويمهم أو إسكاتهم”.

هذه ليست دعوة دينية، بل مشروع سلطة.

حرية على المقاس: الفضاء العام كغنيمة

أخطر ما في هذا الخطاب ليس ما يقوله، بل ما يمارسه.
كيف يمكن تبرير مشهد احتلال الأرصفة والشوارع لأداء الصلوات الجماعية، في خرق واضح لقواعد تنظيم الفضاء العام، ثم في المقابل، تقوم نفس الأصوات بشن حملات شرسة ضد مواطنين—مغاربة، يهود أو غيرهم—لمجرد أنهم مارسوا حقهم في الصلاة بشكل بسيط؟.

أي منطق هذا؟.

أي عدالة هذه التي تُجيز لنفسها ما تحرّمه على غيرها؟.

الحقيقة واضحة: الأمر لا يتعلق بالدين، بل باحتكار الدين. لا يتعلق بالنظام العام، بل بالهيمنة على المجال العام. إنها عقلية تعتبر أن الفضاء المشترك ملكية خاصة، وأن الاختلاف تهديد يجب قمعه.

مناهضة التطبيع… أم تبرير الإقصاء؟

القضية الفلسطينية عادلة، وستبقى كذلك. الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة ليس موضوع نقاش. لكن تحويل هذه القضية إلى أداة لتكميم الأفواه، أو إلى منصة لنشر الكراهية، هو خيانة لها قبل أن يكون دعمًا لها.

هناك من يختبئ وراء “مناهضة التطبيع” ليُمارس نوعًا من التطهير الرمزي داخل المجتمع: تخوين، تشهير، وتصنيف للناس حسب درجة “نقائهم السياسي”. والأسوأ من ذلك، خلط متعمد بين الصهيونية كأيديولوجيا، وبين اليهود كأفراد ومواطنين، في انزلاق خطير نحو خطاب عنصري مرفوض.

تطرف مقابل تطرف: والشعوب هي الضحية

نعم، هناك سياسات إسرائيلية عدوانية يقودها تيار متطرف، يدفع المنطقة نحو مزيد من العنف. لكن هل الحل هو السقوط في نفس المنطق؟.

هل نواجه التوظيف الديني بتوظيف ديني مضاد؟.

الحقيقة المُرّة أن أطرافًا متعددة—دولًا وتنظيمات—تستثمر في هذا الصراع، لا لإنهائه، بل لإدارته بما يخدم مصالحها. شعوب تُحوَّل إلى دروع بشرية، وإلى رهائن في حرب عقائدية لا تخدم إلا من يشعلها.

الديمقراطية في مواجهة الابتزاز الديني

حين يدخل الدين إلى صناديق الاقتراع، تخرج الديمقراطية من الباب الخلفي.

حين يُخاطَب المواطن بخوفه لا بعقله، بعاطفته لا بمصالحه، فإننا لا نكون أمام اختيار حر، بل أمام توجيه مقنّع.

استغلال المقدس في السياسة ليس فقط خطأً أخلاقيًا، بل خطر وجودي على الدولة والمجتمع. لأنه يخلق انقسامًا عموديًا، ويُحوّل الاختلاف السياسي إلى صراع ديني، حيث لا مجال للنقاش، بل فقط للتخوين.

أي مغرب نريد؟.

السؤال اليوم لم يعد نظريًا.
هل نريد مغربًا يحتكر فيه البعض الدين والفضاء العام والحقيقة؟.
أم مغربًا يعترف بتعدده، ويحمي حرية المعتقد، ويُساوي بين مواطنيه دون تمييز؟.

مغرب يُسمح فيه للبعض بكل شيء باسم الدين، ويُمنع فيه الآخرون من أبسط حقوقهم، ليس مغربًا مستقرًا، بل وصفة لصراع دائم.

الخلاصة: كفى من النفاق السياسي

كفى من استغلال القضايا العادلة لتمرير أجندات ضيقة.

كفى من الحديث باسم الدين لفرض الوصاية على المجتمع.

كفى من ازدواجية المعايير التي تُفقد الخطاب أي مصداقية.

الدين أسمى من أن يُستعمل في الحملات، وأعمق من أن يُختزل في شعارات.

وفلسطين أكبر من أن تُحوَّل إلى ورقة في صراع داخلي.

والمغرب أعرق من أن يُختطف من طرف من يعتقدون أنهم يملكون الحقيقة وحدهم.

المعركة اليوم ليست بين “متدينين” و“غير متدينين”، بل بين من يؤمنون بالحرية والمساواة، ومن يسعون إلى فرض الوصاية والإقصاء.

وبين هذين الخيارين، لا مجال للحياد.

التوقيع

* مولاي أحمد الدريدي
فاعل سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان (DHC)

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version