Connect with us

على مسؤوليتي

حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها

نشرت

في

ليس من قبيل الصدفة أن يتحول الاحتجاج المهني للمحامين إلى موضوع جدل عمومي وسياسي وقيمي، فالأمر يتجاوز في عمقه منطق المطالب الفئوية أو الاعتراض الظرفي، ليطرح سؤالًا بنيويًا حول طبيعة العلاقة بين الدولة ومكوناتها الحقوقية، وحول معنى السيادة القانونية في زمن تتنازع فيه السلطة الرمزية بين منطق الضبط الإداري ومنطق الحماية الحقوقية.

في هذا السياق، يغدو الاحتجاج ليس خللًا في النظام، بل لحظة اختبار لمرونته، وقدرته على الإصلاح الذاتي، واستعداده للاعتراف بشرعية النقد من داخله. إن جلّ المغاربة ينحدرون من سلالات المقاومة وجيش التحرير على امتداد الوطن، والأغلبية الساحقة من النقباء والمحامين هم أبناء مدارس النضال والدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات العامة؛ رجالًا ونساءً، أدّوا ضريبة الكفاح، وتحمّلوا كلفة التضحية، وصنعوا بالوعي والصبر مسار التحرّر والكرامة. ولهذا لم يكن السلف، وتبعه الخلف، ليكترثوا للقوانين القمعية من قبيل ظهير “كل ما من شأنه الإخلال بالنظام العام”، ولا لعقوبات الإعدام والسجن المؤبد التي سنّها الاستعمار، ثم ورثها العقل الأمني خلال سنوات الرصاص.

لقد تصالح الجميع مع ماضيه ، وناهضوا ثقافة الضحية ، لكن بعض العقل الأمني لم يقطع مع تمثلات الماضي غتعذر الإنتقال في العقيدة ، غير أن الصمود الذاتي والموضوعي كصمام أمام ، جعل ثقافة المقاومة المدنية والاحتجاج السلمي دائمًا راسخة كرواسب إيجابية وأقوى من منطق القمع والتخويف.

اليوم، في العهد الجديد، يظلّ الاحتجاج مشروعًا ما دام سلميًا، ومنعه داخل فضاء المحاكم لا يختلف في جوهره عن التحريض على التظاهر في الشارع دون تقدير عواقب الاحتكاك بالعموم، بما قد يفضي إلى العنف والتطرّف. فلا تُسقِطوا غصن الزيتون من أيدي العقلاء، ولا تُطفئوا جذوة الحكمة في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التبصّر، لأن التضييق على التعبير السلمي لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار، ولا يحمي هيبة العدالة، بل يربك صورتها الرمزية والأخلاقية ؛ لأن اختزال احتجاج المحامين في كونه فعل تعطيل أو خروج عن النظام، لا يعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل يكشف عن أزمة أعمق في تمثل دور المهن القانونية داخل البناء الدستوري.

فالمحاماة ليست جهازًا تقنيًا ملحقًا بمرفق العدالة، ولا مجرد وسيط إجرائي بين المتقاضين والمحاكم، بل هي مكون أصيل في منظومة دولة الحق والقانون، تؤدي وظيفة مزدوجة: حماية الحقوق الفردية من جهة، والمساهمة في صيانة الشرعية الدستورية من جهة ثانية. ومن ثم، فإن الدفاع عن استقلالها وحقها في الاحتجاج هو في جوهره دفاع عن توازن النظام الدستوري ذاته.

إن الحق في الاحتجاج المهني لا يستمد مشروعيته من أعراف نقابية أو تقاليد مطلبية فحسب، بل يتأسس دستوريًا على حرية التعبير والتنظيم، وعلى مبدأ المشاركة في تدبير الشأن العام، وعلى كون دولة القانون لا تُختزل في احتكار السلطة، بل تقوم على توزيعها الرمزي بين الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين. فالاحتجاج، في هذا الأفق، ليس فعل قطيعة مع الدولة، بل ممارسة مدنية تهدف إلى تصويب اختلالاتها، وإلى إعادة توجيه سياساتها بما يخدم الصالح العام والعدالة الاجتماعية.

إذا كانت بعض الخطابات تسعى إلى نزع الشرعية عن هذا الاحتجاج عبر ربطه بالتحريض أو التسييس أو المساس بالاستقرار، فإن هذا المنطق يعكس تصورًا اختزاليًا للأمن القانوني، يعتبر الاستقرار مرادفًا للسكوت، والانضباط مساويًا للطاعة، في حين أن التجارب الديمقراطية الرصينة تؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر فتح قنوات النقد والمساءلة، وتوسيع مجال المشاركة، والاعتراف بحق الفاعلين في الاعتراض المسؤول. فالدولة التي تخشى الاحتجاج السلمي، إنما تعترف ضمنًا بهشاشة مشروعيتها الرمزية.

إن استقلال المحاماة لا يعني تحصنها من النقد أو إعفاءها من المساءلة، بل يعني حمايتها من التبعية والاحتواء والترويض، بما يمكنها من أداء دورها الطبيعي كقوة اقتراح وتصحيح داخل منظومة العدالة. فحين تحتج المحاماة، فهي لا تدافع فقط عن مصالح أعضائها، بل تستبطن، بوعي أو بدونه، رهانات أوسع تتصل بجودة العدالة، وبكرامة المتقاضين، وبمستقبل دولة القانون. لذلك فإن محاصرة هذا الاحتجاج أو التشكيك في نواياه يشكل مساسًا غير مباشر بالحق المجتمعي في عدالة مستقلة وفعالة.

وفي العمق، يعكس هذا الجدل توترًا بنيويًا بين نموذجين للدولة: نموذج الدولة الإدارية التي تميل إلى الضبط والاحتواء والتوجيه من أعلى، ونموذج الدولة الاجتماعية الحقوقية التي تقوم على التشارك والمساءلة والتوازن بين السلط. وفي هذا السياق، يصبح الاحتجاج المهني أحد تجليات هذا الصراع الرمزي، حيث تدافع المهن القانونية عن موقعها كوسيط نقدي بين السلطة والمجتمع، لا كأداة تنفيذية في يد القرار الإداري.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في كبح الاحتجاج، بل في استثماره كمؤشر على حيوية المجال العمومي، وكفرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وفاعليها الحقوقيين. فالاحتجاج الواعي والمسؤول ليس خطرًا على النظام، بل صمام أمان له، لأنه يسمح بتفريغ التوترات، وكشف الأعطاب، واستباق الانفجارات الاجتماعية والمؤسساتية. ومن هنا، فإن الدفاع عن مشروعية الاحتجاج المهني للمحامين هو دفاع عن منطق الدولة القوية بعدالتها، لا الدولة القوية بأجهزتها.

هكذا، يتحول الاحتجاج من فعل مقاومة إلى فعل سيادي بالمعنى العميق للكلمة: سيادة القانون على منطق القوة، وسيادة العقل العمومي على نزعة التحكم، وسيادة الحق على حساب الامتياز. وفي هذا التحول، تستعيد المحاماة دورها التاريخي كضمير نقدي للعدالة، لا كملحق إداري لها، وكفاعل استراتيجي في بناء دولة تتأسس على الكرامة، لا على الصمت، وعلى المشاركة، لا على الإذعان. فلتدعونا إذن نتواطؤ من أجل العدالة وكفى تحريضا على التآمر ضدها ، و حول النزاهة الوطنية فليتنافس المتنافسون بشرف وعزيمة ، سلميا وحضاريا .

* مصطفى المنوزي

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

مشروع أرضية سياسية-حقوقية حول مسار إصلاح التشريع المنظم لمهنة المحاماة

نشرت

في

تنويه هام : ( مقترح الأرضية مجرد مساهمة / توصية لا إملاء أو وصاية .)

* إعداد الأستاذ مصطفى المنوزي
محام ورئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

1. التقديم
إن مهنة المحاماة، باعتبارها مكوّنًا أساسيًا في منظومة العدالة، لا تُختزل في تنظيم مهني تقني، بل تضطلع بوظيفة حقوقية ودستورية محورية في ضمان حق الدفاع، وصيانة المحاكمة العادلة، وحماية التوازن بين السلطة والمتقاضي.

ومن ثمّ، فإن أي مسار لإصلاح تشريع المهنة لا يمكن أن يُدار بمنطق الاستعجال أو المقاربة الإدارية الضيقة، بل يقتضي رؤية سياسية-حقوقية مسؤولة، تستحضر حساسية الموقع ووظيفة المهنة داخل دولة القانون.

2. في المنهج: أولوية الشرعية الإجرائية
تؤكد هذه الأرضية أن الشرعية التشريعية لا تُبنى فقط على الاختصاص الدستوري، بل كذلك على الشرعية الإجرائية، وفي مقدمتها:
* احترام مقتضيات المادة 6 من القانون التنظيمي للحكومة، وخاصة:
* إعداد دراسة أثر قبلية وشاملة؛
* اعتماد التشاور الحقيقي لا الشكلي؛
* التدرج في الإصلاح بدل القطيعة المفاجئة.

وتعتبر أن أي التفاف على هذه المنهجية يُفقد الإصلاح مشروعيته السياسية والحقوقية، حتى وإن استوفى شكله القانوني.

3. في الثوابت: استقلال المهنة وسقف الحقوق المكتسبة
تنطلق الأرضية من أن إصلاح المهنة لا يعني إعادة التفاوض حول وجودها أو وظيفتها، بل تطوير شروط ممارستها، في إطار ثوابت غير قابلة للمساومة، من بينها:
* استقلال مهنة المحاماة كشرط لاستقلال القضاء؛
* التنظيم الذاتي للهيئات المهنية؛
* ضمانات ممارسة الدفاع وحصانته؛
* الحقوق المكتسبة للمحامين، باعتبارها سقفًا للإصلاح لا موضوعًا للمراجعة التنازلية.

وترفض أي مقاربة تُحوّل الإصلاح إلى أداة لإعادة هندسة ميزان السلطة داخل المهنة أو إخضاعها لمنطق الوصاية.

4. في القيمة المضافة: إصلاح دون مساس بالجوهر
تُميز الأرضية بين:
الإصلاح المشروع الذي يهدف إلى:
* تحسين جودة الأداء المهني،
* تطوير التكوين والتأطير،
* تعزيز أخلاقيات المهنة،
* تحديث آليات الحكامة الداخلية؛
وبين:
* التدخل الماسّ بالجوهر الذي يُضعف الاستقلال، أو يُقنّن التبعية، أو يُفرغ التنظيم الذاتي من محتواه.
وتؤكد أن أي قيمة مضافة تشريعية يجب أن تُقاس بأثرها الإيجابي على:
* حق المتقاضي في دفاع مستقل وفعّال ، مع ضمان حصانة المحامي كحق دستوري و مكتسب .
* تفعيل ضمان الحق في الدفع بعدم دستورية المقتضيات الموازية ذات الصلة بالحق في التقاضي والولوج والحق في الدفاع ( التنظيم القضائي والمسطرتين الجنائية والمدنية …)

5. في المسار التشاركي: من الشكل إلى المضمون
تؤمن هذه الأرضية بالمقاربة التشاركية، لكنها ترفض اختزالها في إجراءات رمزية أو توافقات تقنية معزولة.
فالمشاركة الحقيقية تقتضي:
* إشراكًا مبكرًا للفاعلين المهنيين؛
* وضوحًا في الأهداف والمنهج؛
* توثيقًا لما يتم الاتفاق حوله؛
* وضمانات لاحترام مخرجات الحوار.
وإلا تحوّل “التشارك” إلى مجرد أداة لتدبير الاختلاف، بدل أن يكون آلية لإنتاج تشريع متوازن ومشروع.

6. الخلاصة
إن إصلاح تشريع مهنة المحاماة هو اختبار سياسي-حقوقي لمدى التزام الدولة:
* باستقلال العدالة،
* وبثقافة الحقوق،
* وبمنطق الشراكة لا الوصاية.
وعليه، فإن هذه الأرضية تدعو إلى مسار إصلاحي:
* عادل في غاياته،
* متوازن في آلياته،
* ومشروع في منهجيته،
بما يحفظ كرامة المهنة، ويصون حق الدفاع، ويعزز الثقة في العدالة كموطن للإنسان وضامن للأمنين القانوني والقضائي .

ولكم ولكن سديد النظر بعد تفاعلكم / ن المنتج .

* المحمدية بتاريخ 12فبراير 2026

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

عود على بدء : التشريع التشاركي للمهنة وشرط تفعيل آلية دراسة الأثر

نشرت

في

صحيح أن البلاغ لا يؤكد صراحة واقعة سحب مشروع النص، كمطلب تصدر مطالب المحامين ، غير أن الإعلان عن تشكيل لجنة مختلطة يشكّل، عمليًا، مدخلًا مؤسساتيًا لإعادة النظر في مشروع قانون المهنة وفق صياغة تشاركية حقيقية، لا تختزل الإصلاح في تعديل تقني للمواد، بل تعيد ترتيب النقاش انطلاقًا من المنهجية والشكل قبل ولوج المحتوى.
فالإشكال الجوهري لا يكمن في تفاصيل النص وحدها، بل في الكيفية التي أُنتج بها، وفي مدى احترامه لمتطلبات الشرعية التشريعية. ذلك أن أي نقاش حول المضمون يبقى سابقًا لأوانه ما لم تُحسم، أولًا، شروط الإعداد، وأدوات الاشتغال، والمرجعيات المؤطرة للإصلاح.

وفي هذا السياق، يبرز تفعيل المادة السادسة من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة كشرط منهجي لا محيد عنه. فبموجب هذه المادة، تلتزم الحكومة بإعداد دراسة أثر قبل تقديم أي مشروع قانون أو مرسوم تنظيمي، ولا يمكن إدراج النصوص في جدول أعمال المجلس الحكومي دون إرفاقها بهذه الدراسة.
ودراسة الأثر، وفقًا لمنطوق المادة، لا تُختزل في الكلفة المالية أو الميزانياتية، بل تشمل تقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، والتحقق من انسجام النص مع المنظومة القانونية القائمة، بما يضمن جودة التشريع ويحول دون إنتاج آثار سلبية غير متوقعة.

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة حين يتعلق الأمر بمشروع قانون ينظم مهنة ذات وظيفة دستورية وحقوقية، تقوم على ثوابت مبدئية وقيمية لا تقبل المعالجة التقنية الضيقة، وفي مقدمتها: الاستقلالية، والحرية، والحصانة، والكرامة المهنية. فالقاعدة القانونية، في جوهرها، قاعدة اجتماعية قبل أن تكون أداة تنظيم أو ضبط، وهو ما يُلزم المشرّع ببسط أسباب النزول التشريعي وتبرير اختياراته، خصوصًا عندما تمس هذه الاختيارات جوهر العلاقة بين المحامي والعدالة والدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن القيمة المضافة لأي إصلاح تشريعي لا يمكن أن تكون في المساس بالثوابت أو تقليص الحقوق المكتسبة، بل في تطوير شروط الممارسة، وتحسين الحكامة المهنية، وتحقيق التوازن بين التنظيم الذاتي والمسؤولية، دون السقوط في منطق الوصاية أو الضبط الإداري المقنّع. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يطوّر الوظيفة دون تقويض الضمانة، ويُحصّن الاستقلالية بدل إعادة تعريفها على نحو مُقيِّد.

وانسجامًا مع هذا الأفق، تبرز مسؤولية جمعية هيئات المحامين بالمغرب في الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل التفاوضي المنظم، وذلك عبر إعداد خريطة طريق تفاوضية واضحة تُبنى على المداخل التالية:
أولوية المنهجية والشكل (دراسة الأثر، التشاور، التدرج) قبل الخوض في المضامين؛
تحديد الثوابت غير القابلة للتفاوض والحقوق المكتسبة كسقف للإصلاح لا كنقطة انطلاق؛
بلورة مجالات القيمة المضافة الممكنة دون المسّ بجوهر المهنة؛
توحيد الخطاب التمثيلي داخل اللجنة المختلطة على أساس رؤية مرجعية واضحة.

فمن دون خريطة طريق تفاوضية تستند إلى هذه المرتكزات، قد يتحول المسار التشاركي إلى مجرد إجراء شكلي لتدبير الاختلاف، بدل أن يكون آلية حقيقية لإنتاج تشريع عادل، متوازن، ومشروع.

وبذلك، لا يصبح الحوار غاية في ذاته، بل وسيلة لإرساء تشريع يحترم المهنة، ويصون دورها داخل منظومة العدالة، ويؤكد أن الإصلاح لا يُبنى على كسر الثقة، بل على عقلنة الاختلاف وصناعة التوافق ، ناهيك عن شرط توثيق الأشغال بكافة الوسائل المنتجة للحقيقة والمصداقية ، بصرف النظر عن كونهما مفترضتان ، خاصة وأن مبادرة رئيس الحكومة ، وهو ثاني شخصية بعد الملك ، لا يمكن إتخاذها إلا بإشارة ” تحفيزية ” من أعلى !

مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

حين يُختبر منطق الثقة: التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي كمرآتين للدولة

نشرت

في

ليس من قبيل المصادفة أن يتجدد النقاش حول التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة في لحظة سياسية ومؤسساتية دقيقة، تتقاطع فيها أسئلة العدالة مع رهانات الاستقرار، وتعود فيها مفردات الانتقال والثقة والتفويض إلى الواجهة. فالربط بين التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي في الصحراء قد يبدو لأول وهلة مجازيًا، لكنه في العمق ربط وظيفي وسياسي مشروع، لأن كلا الخيارين ينطلقان من تصور واحد للسلطة، لا باعتبارها احتكارًا مركزيًا، بل وظيفة قابلة للتقاسم المنضبط داخل وحدة الدولة.

التنظيم الذاتي للمحاماة ليس امتيازًا مهنيًا ولا مطلبًا فئويا، بل تعبير عن ثقة الدولة في قدرة المهنة على ضبط ذاتها، وحماية أخلاقياتها، والمساهمة في تحقيق التوازن داخل منظومة العدالة. وبالمثل، لا يمثل الحكم الذاتي في الصحراء تنازلًا عن السيادة، بل تجسيدًا متقدمًا لوحدة الدولة عبر تنويع أساليب تدبيرها، ومنح الفاعلين المحليين سلطة تقريرية داخل إطار وطني جامع. في الحالتين، تقوم العلاقة على أدوار متبادلة: تفويض من الدولة، ومسؤولية من الفاعلين، وضمان ومساءلة بدل الوصاية.

هذا المنطق ليس جديدًا في التجربة المغربية. ففي لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، وأثناء التحضير للتناوب التوافقي برئاسة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، أصر الملك الراحل الحسن الثاني على إصدار ظهائر ومبادرات تأسيسية ذات حمولة رمزية وقانونية قوية، من بينها إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والظهير المنظم لمهنة المحاماة سنة 1993، الذي أقر صراحة باستقلالية المهنة وحصانة المحامين، إلى جانب إحداث المحاكم الإدارية والتجارية. لم تكن تلك القرارات تقنية أو معزولة، بل مؤشرات واضحة على انفراج في الأفق، ورسائل طمأنة موجهة إلى الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، استعدادًا لانتقال سلس ومضبوط.

كان الرهان آنذاك واضحًا: لا انتقال سياسي هادئ دون وسائط مؤسسية محصنة، ولا عدالة مستقلة دون دفاع مستقل ومحمي من منطق الضغط أو الانتقام. لذلك لم يكن اعتباطيًا أن تُؤطر المبادئ التأسيسية للمحاماة بظهير ملكي، باعتباره أداة تأسيسية تعلو على منطق التدبير الظرفي، وتؤسس لتوازن مستدام داخل منظومة العدالة. ومن هذا المنظور، فإن التنظيم الذاتي للمحاماة شكّل، في حينه، تمرينًا مصغرًا على منطق الثقة وتقاسم السلطة داخل الدولة.

اليوم، وفي سياق لا يقل حساسية وإن اختلفت ملامحه، يبدو أن النقاش التشريعي حول مهنة المحاماة يسير في اتجاه معاكس. فبدل تعميق منطق الاستقلالية والمسؤولية، يبرز نزوع لإعادة ضبط المهنة بمنطق أمني وقائي، يتعامل مع الاستثناء باعتباره قاعدة، ومع الشك باعتباره مبدأً. والحال أن إضعاف المحاماة لا يحصّن الدولة، بل يُضعف أحد أهم وسائطها في إنتاج الشرعية وحماية الحقوق.

ولو كان العقل الأمني اليوم واعيًا بدروس التجربة السابقة، لأدرك أن تمكين المحامين من المبادئ القيمية للاستقلالية والحصانة ليس تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا من شروطه. كما أن منطق توازي الشكليات يفرض نفسه بقوة في هذا السياق: فالمبادئ التأسيسية التي أُقرت بظهير ملكي لا يمكن نسخها أو تفريغها من مضمونها بنص تشريعي عادي، إلا بظهير آخر يرقى إلى نفس المرتبة ويحمل نفس الشرعية التأسيسية.

وعند الرجوع إلى تقديم مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة، يتضح غياب أي تعليل دستوري أو سياسي يبرر المساس بهذه المبادئ. فلا حديث عن اختلالات جسيمة تهدد النظام العام، ولا عن ضرورة تاريخية تفرض التراجع عن استقلالية الدفاع أو حصانته، بل مقاربة تقنية ضيقة تتجاهل البعد الرمزي والوظيفي للمهنة داخل منظومة العدالة، وتتناقض مع خطاب الدولة نفسها حول الثقة، التفويض، والحكم الذاتي.

إن العلاقة بين التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي في الصحراء ليست علاقة تشابه شكلي، بل علاقة أدوار متبادلة واختبار مزدوج لنضج الدولة. فالدولة التي تدافع عن الحكم الذاتي باعتباره تعبيرًا عن ثقة سياسية في الفاعلين المحليين، مطالبة بأن تُجسد نفس المنطق داخليًا مع فاعلين مهنيين يفترض فيهم حماية الحقوق والحريات. ومن لا يثق في محاميه لتنظيم مهنته، يصعب أن يُقنع الآخرين بثقته في مواطنيه لتدبير شؤونهم.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يذكّر من يتجاهل دروسه. وما كان بالأمس مدخلًا للانفراج والانتقال السلس، قد يكون اليوم شرطًا لتفادي الانغلاق والتوتر. فاستقلال الدفاع لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان دائمًا أحد مؤشرات قوتها ونضجها.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
رياضة منذ 26 دقيقة

الجيش الملكي يشد الرحال إلى القاهرة لموقعة الأهلي الحاسمة

رياضة منذ 35 دقيقة

العصبة تحدد موعد مؤجل الجولة 9: الوداد يستقبل الجيش الملكي في البيضاء

منوعات منذ ساعتين

تعليق الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة بسبب سوء الأحوال الجوية

على مسؤوليتي منذ ساعتين

مشروع أرضية سياسية-حقوقية حول مسار إصلاح التشريع المنظم لمهنة المحاماة

رياضة منذ 3 ساعات

العصبة تكشف برنامج الجولات المقبلة ومواعيد المباريات المؤجلة

دولي منذ 4 ساعات

حاملة طائرات أمريكية إضافية تبحر نحو مشارف إيران

منوعات منذ 4 ساعات

سانلام المغرب ترفع أرباحها بنسبة 7,9% وتتجه لتوزيع 98 درهماً للسهم

منوعات منذ 4 ساعات

بتعليمات ملكية: الحكومة تطلق برنامج دعم واسع للأسر المتضررة من الاضطرابات الجوية بميزانية 3 مليارات درهم

مجتمع منذ 4 ساعات

عاجل .. الحكومة تعلن مناطق الفيضانات “منكوبة” وتخصص 3 ملايير درهم لدعم المتضررين

على مسؤوليتي منذ 5 ساعات

عود على بدء : التشريع التشاركي للمهنة وشرط تفعيل آلية دراسة الأثر

مجتمع منذ 5 ساعات

سلطات القنيطرة تمنع دخول المؤثرين للتصوير داخل مخيمات الإيواء

رياضة منذ 6 ساعات

روسيا تدعم فكرة مواجهة المنتخب المغربي ودّيا

سياسة منذ 8 ساعات

الحكومة تؤجل إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على البرلمان

واجهة منذ 11 ساعة

طقس الخميس.. أجواء باردة وسحب منخفضة بهذه المناطق

دولي منذ 20 ساعة

ترامب يؤكد استمرار المفاوضات مع إيران

واجهة منذ 21 ساعة

واردات الأمطار تغطي ثلاث سنوات من “الماء الشروب”

منوعات منذ 23 ساعة

عنف بين مهاجرين أفارقة وشبان مغاربة يستنفر أمن مراكش

رياضة منذ 23 ساعة

ريال مدريد ويويفا يعلنان اتفاقاً مبدئياً لإنهاء نزاع السوبر ليغ

رياضة منذ يوم واحد

لجنة الأخلاقيات تشدد العقوبات: توقيف سنة وغرامات تصل إلى 30 ألف درهم

رياضة منذ يوم واحد

مباراتان وديتان قويتان تنتظران المنتخب الوطني قبل مونديال أمريكا 2026

مجتمع منذ أسبوع واحد

“رابطة متخصصي الصحة النفسية” تضع خدماتها رهن إشارة ساكنة القصر الكبير

مجتمع منذ أسبوعين

سد الوحدة يقترب من الامتلاء الكامل بعد واردات مائية قياسية

رياضة منذ 3 أيام

البيضاء: تكريم احد أعمدة رياضة كرة السلة الوطنية الحاج أحمد بوهلال

رياضة منذ أسبوعين

الكاف يراجع قوانينه التأديبية عقب أحداث نهائي كأس إفريقيا 2025

منوعات منذ أسبوعين

وفاة الفنان والمخرج عبد الرحمن الخياط زوج الراحلة نعيمة لمشرقي

مجتمع منذ أسبوعين

عاجل.. الحبس النافذ في حق العمدة السابق بلقايد والبرلماني بنسليمان

مجتمع منذ أسبوع واحد

منع البرلماني عبد الرحيم بن الضو من مغادرة التراب الوطني

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

منوعات منذ أسبوعين

KER BRANDS توحّد علاماتها التجارية تحت اسم “Ker Factor”

مجتمع منذ أسبوعين

هيئات المحامين تواصل التصعيد وتتمسك برفض مشروع المسطرة المدنية

مجتمع منذ أسبوع واحد

وفاة الطباخ المغربي كمال اللعبي المعروف بـ “الشاف كيمو”

منوعات منذ أسبوع واحد

القنب/الكيف الطبي وصحة النساء في المغرب

رياضة منذ أسبوعين

حسنية أكادير تُعلن عن أربع تعاقدات جديدة لتعزيز صفوفها

رياضة منذ أسبوعين

فوز أخضر بثلاثية يعقبه اعتراض تقني من الزمامرة

رياضة منذ يومين

هل غادر زياش الوداد بسبب أزمة؟ الحقيقة الكاملة

مجتمع منذ أسبوع واحد

المحامون يعلنون عن “إضراب مفتوح” ووقفة وطنية أمام البرلمان

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

رؤية ملك… سعيد الكحل

اقتصاد منذ أسبوع واحد

إعفاء بنسودة من منصب الخازن العام للمملكة

رياضة منذ أسبوع واحد

الميركاتو الشتوي 2026.. هذه أبرز انتقالات المحترفين المغاربة

على مسؤوليتي منذ 4 أيام

هل نحن أمام إصلاح للعدالة الإدارية أم التفاف ناعم على استحقاق دستوري مؤجل؟

منوعات منذ 6 أيام

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 7 أيام

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ شهر واحد

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ شهرين

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 3 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 4 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 6 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 8 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 9 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 9 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 9 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 10 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 10 أشهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 10 أشهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 11 شهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 11 شهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 11 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يكشف مراحل الصراع بين الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد (الجزء الأول)

الاكثر مشاهدة