Connect with us

على مسؤوليتي

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

نشرت

في

يبدو أن النقاش المفتوح حول حرية العبادات والتدين والاعتقاد لم يستنفد بعد شروطه الفكرية والسياسية، بل ربما لم يدخل مرحلته التأسيسية الحقيقية. فالمفارقة أن دستور 2011، الذي وُلد في سياق توتر اجتماعي ورهانات إصلاحية كبرى، حمل في بنيته نصوصًا متقدمة في باب الحقوق والحريات، لكنه ظل في بعض امتداداته التشريعية، خاصة في المنظومة الجنائية المرتبطة بالشأن الديني، أسير توازنات لم تُحسم تأويليًا ولا سياسيًا.

ثمة شعور ضمني بأن الدولة مدينة للتيارات المحافظة، ليس فقط لأنها دعمت خيار الإصلاح في ظل الاستقرار، بل لأنها ساهمت في امتصاص جزء من الاحتقان إبان الحراك الفبرايري ومنحت المسار الدستوري غطاءً مجتمعيًا وشرعية موازية. غير أن تحويل هذا المعطى السياسي الظرفي إلى ما يشبه دينًا أخلاقيًا دائمًا يُنتج نوعًا من التحفظ التشريعي، أو لنقل حذرًا مضاعفًا كلما تعلق الأمر بحرية الاعتقاد أو مراجعة بعض المقتضيات الجنائية ذات الصلة بالدين. وهنا يتولد التوتر الصامت بين الشرعية التوافقية التي أنتجت الدستور، والشرعية الحقوقية التي يتضمنها نصه.

المشكل لا يكمن في الاعتراف بدور الفاعلين المحافظين في لحظة معينة، بل في تحويل ذلك الدور إلى عنصر كابح لأي تطوير فقهي أو تشريعي في المجال الديني. فالتوازنات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قيود بنيوية على التطور الدستوري. إن الامتنان السياسي، إذا لم يُضبط في حدوده الزمنية، قد يتحول إلى منطق إدارة مؤجلة للتوتر بدل معالجته تأصيليًا وعقلانيًا.

كما أن النقاش حول حرية الاعتقاد يُستحضر غالبًا عبر عدسة الاستقرار والهاجس الأمني، وكأن أي اجتهاد تأويلي في هذا الباب يحمل بالضرورة إمكانية الانفلات أو الاستقطاب. بهذا المعنى، تتقاطع السردية الأمنية مع السردية الدينية، ويصبح المشرع الجنائي حارسًا للتوازنات الرمزية أكثر منه فاعلًا في تطوير الحقوق. غير أن تجميد النقاش لا يلغي التوتر، بل يؤجله ويجعله يتخذ أشكالًا أقل قابلية للضبط، خاصة في سياق رقمي مفتوح تتنازع فيه المرجعيات والهويات.

إن الدستور نفسه يتيح إمكانات تأويلية واسعة لو تم الاشتغال عليها بجرأة فقهية وقضائية، تميز بين حماية النظام العام الديني، وضمان حرية الضمير الفردي باعتبارها حقًا لا يُختزل في مجرد ممارسة الشعائر. الفارق هنا دقيق لكنه حاسم: حماية المجال الديني كمكوّن من مكونات الهوية الجماعية لا ينبغي أن تعني تأميم الضمير الفردي أو إخضاعه لمنطق التجريم الرمزي.

من منظور التفكير النقدي التوقعي، السؤال الاستراتيجي ليس هل نفتح النقاش أم لا، بل كيف نُعيد هندسته خارج ثنائية الاستقطاب: محافظ/حداثي، مؤمن/غير مؤمن، استقرار/فوضى. فاستدامة الاستقرار لا تتحقق بتعليق الإشكالات، بل بعقلنتها وتحويلها إلى موضوع نقاش عمومي ناضج، تشارك فيه النخب الدينية والحقوقية والقضائية ضمن أفق مسؤول.

الدولة، في نهاية المطاف، ليست مدينة لأي تيار بقدر ما هي مدينة لمنطقها الدستوري ولرهانها على بناء دولة قانون قادرة على استيعاب التعدد دون خوف منه. والوفاء الحقيقي للحظة 2011 لا يكون بتجميد الأسئلة الحساسة، بل بامتلاك الشجاعة السياسية والفقهية لإدارتها بوعي تراكمي، يربط بين حماية الثوابت وضمان الحريات، ويمنع في الآن ذاته تحويل المجال الديني إلى منطقة معفاة من النقد أو التطوير التشريعي.

في نهاية المطاف، لا تُقاس حرية الاعتقاد بمدى استفادة فئة دون أخرى، بل بقدرتها على تحويل الإيمان من انتماء مفروض إلى اختيار واعٍ، وتحويل الاختلاف من تهديد إلى معطى طبيعي في مجتمع تعددي. فهي تحمي غير المؤمن من الإقصاء، لكنها تحمي المؤمن أيضًا من أن يُختزل إيمانه في مجرد امتثال اجتماعي أو قراءة رسمية مغلقة. بذلك لا تكون حرية الاعتقاد تنازلاً عن الثوابت، بل رهانًا على نضجها، ولا تكون تهديدًا للاستقرار، بل أفقًا لإعادة تأسيسه على قاعدة الثقة لا الخوف. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل نملك الجرأة للانتقال من حماية الهوية بالإكراه الرمزي إلى تحصينها بحرية الاختيار؟ .

ولعله من بين ضمانات حسن الإستعداد وسلاسة الإنتقال حظر أي تصرف يزعم لصاحبه محاكمة الناس بشرع اليد أو ما بات يعرف لدى المشارقة بنظام الحسبة أو النهي عن المنكر خارج نطاق القانون ومؤسسة العدالة .

* مصطفى المنوزي

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في بعض أنماط النقد داخل الفضاء المعرفي

نشرت

في

* بين نقد المحتوى ومساءلة التمثيلية: ( في مساءلة إقتصاد الإنتباه في الفضاء الرقمي والخلط بين النقد والنقض )

من أدب الحوار النقدي أن نثمن العمل في زمن قلّ فيه التفكير، ثم ننتقل بعد ذلك إلى إثارة الملاحظات النقدية المتطلبة علميًا. فالنقد الرصين لا يبدأ بالحكم على المبادرات من ظاهر المشهد، بل ينطلق من قراءة مضمونها وسياقاتها ومقاصدها. أما الاكتفاء بإسقاط أحكام انطباعية انطلاقًا من الصورة الخارجية للنشاط، فهو أقرب إلى النقد السريع منه إلى النقد المعرفي المسؤول.

ومن بين الظواهر التي أصبحت تتكرر في بعض الفضاءات العمومية توجيه الانتقاد إلى الأنشطة الفكرية أو الأكاديمية التي لا يحضر فيها العنصر النسوي، أو لا يتم إحضاره ضمن المتدخلين. والحال أن مقاربة النوع الاجتماعي، باعتبارها مكسبًا حقوقيًا ومعياريًا مهمًا، ينبغي أن تحضر أساسًا في المجالات التي تُصنع فيها السلطة والقرار: السياسي، والأمني، والمالي، والقضائي، حيث تتعلق المسألة بعدالة التمثيلية وتقاسم المسؤولية داخل المجتمع.

أما في مجال العمل التطوعي والعطاء المعرفي، فإن الأمر يرتبط غالبًا بمعايير تقنية تتعلق بطبيعة الموضوع والتخصصات المطلوبة وتوفر الكفاءات القادرة على الإسهام في النقاش. لذلك تبقى العبرة في مثل هذه المبادرات بمحتوى العروض وبطريقة تصريف المواقف والتعبير عنها، مع الحرص على عدم الإضرار بأي فئة أو شريحة مجتمعية.

نقطة منهجية ضرورية
من الضروري التذكير بقاعدة منهجية في أدب النقد، مفادها أن الإنجاز الشخصي لا يخضع للمحاسبة النقدية العمومية إلا في حالتين أساسيتين:
إما عندما تكون الشخصية المعنية شخصية عمومية تمارس دورًا مؤثرًا في المجال العام، أو عندما توجد علاقة تعاقدية أو مؤسساتية تجعل الفعل محل التقييم جزءًا من مسؤولية عامة أو التزام مشترك.

أما المبادرات الفردية، خاصة تلك التي تندرج ضمن العمل التطوعي أو العطاء المعرفي الحر، فإن التعامل معها ينبغي أن يتم في إطار الحوار الفكري أو النقد التفاعلي، لا في إطار المحاسبة العمومية التي تفترض وجود سلطة أو مسؤولية عامة. فالخلط بين هذه المستويات قد يؤدي إلى نوع من التضخم النقدي الذي يحاكم الأفعال الفردية بمعايير موجهة أصلاً لمجالات السلطة والقرار.

قراءة سوسيولوجية للصراع حول الشرعية الرمزية
من الناحية السوسيولوجية، يمكن فهم هذه الظاهرة في ضوء ما يسميه بيير بورديو الصراع حول الشرعية الرمزية داخل الحقول الاجتماعية. فالفضاء الأكاديمي أو المدني ليس مجالًا محايدًا بالكامل، بل هو أيضًا مجال تتنافس داخله الفاعلون على الاعتراف والتموقع. وفي هذا السياق قد يتحول خطاب التمثيلية الجندرية أحيانًا إلى مورد رمزي يُستعمل لمساءلة شرعية نشاط ما أو للتشكيك في مكانة بعض الفاعلين داخل الحقل، حتى عندما لا يكون ذلك مرتبطًا مباشرة بطبيعة الموضوع المطروح للنقاش.

قراءة أنثروبولوجية للتحولات القيمية
ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة الظاهرة في سياق التحولات الثقافية التي عرفتها المجتمعات المعاصرة، حيث أصبحت المساواة الجندرية قيمة معيارية قوية في الثقافة السياسية والحقوقية العالمية. غير أن انتقال هذه القيمة من المستوى المعياري إلى مستوى الممارسة اليومية يولد أحيانًا توترات، خاصة عندما يُنتظر حضور التمثيلية الجندرية في كل الفضاءات دون تمييز بين طبيعة المجالات وسياقاتها.

كما أن الأنثروبولوجيا الرمزية، كما نجد عند كليفورد غيرتز، تذكرنا بأن الأفعال الاجتماعية تُقرأ ليس فقط بوظيفتها العملية بل أيضًا بدلالتها الرمزية. فالمنصة التي يغيب عنها الحضور النسوي قد تُقرأ رمزيًا باعتبارها علامة على اختلال في التمثيلية، حتى لو كان تنظيم النشاط في الواقع محكومًا باعتبارات التخصص أو توفر المتدخلين.

شرطان معرفيان: التنسيب واللايقينية
غير أن التعامل مع هذه الظواهر يقتضي استحضار شرطين معرفيين أساسيين:
أولًا: شرط التنسيب
أي وضع كل ظاهرة في سياقها، والتمييز بين طبيعة المجالات المختلفة. فالتعميم المعياري دون مراعاة السياقات قد يؤدي إلى اختزال النقاش وتحويله من نقد للمضمون إلى محاسبة للشكل.
ثانيًا: شرط اللايقينية المعرفية
أي الاعتراف بأن الظواهر الاجتماعية معقدة ومتغيرة، وأن الأحكام القطعية السريعة قد تعكس تمثلات مسبقة أكثر مما تعكس فهمًا موضوعيًا للوقائع.

من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمثل
ويبدو أن النقاش العمومي في كثير من الأحيان ما يزال أسير مرحلة التأسيس والتذكير بالمبادئ، في حين أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال إلى مرحلة التمرين على تمثل المقاربات. فمقاربة النوع، مثلها مثل غيرها من المقاربات الحديثة، لا تختزل في شعارات أو مؤشرات شكلية، بل تقتضي إدماجًا واعيًا داخل السياسات العمومية ومجالات اتخاذ القرار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية المجال المعرفي ومنطقه الخاص.

ويزداد تعقيد الظاهرة في ظل ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الانتباه في الفضاء الرقمي، حيث يميل النقد السريع إلى التركيز على المؤشرات البصرية المباشرة، مثل صورة المنصة أو تركيبة المتدخلين، بدل قراءة المضامين وتحليل الأفكار المطروحة.

خاتمة
إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن منهجي بين قيمتين أساسيتين:
قيمة العدالة في التمثيلية والمشاركة من جهة، وقيمة الكفاءة المعرفية والتخصص العلمي من جهة أخرى. فالمجتمعات الديمقراطية لا تتقدم بإقصاء أي من هذين المبدأين، بل بالسعي إلى التوفيق بينهما وفق طبيعة المجالات والسياقات.

وفي النهاية، فإن المقاربة الأكثر اتزانًا تظل هي التي تجعل من النقد وسيلة لتطوير النقاش وتحسين جودة المبادرات المعرفية، لا مجرد أداة للمساءلة الانطباعية أو للمزايدة الرمزية، لأن الغاية من الفضاء المعرفي ليست فقط إعادة توزيع الحضور على المنصات، بل إنتاج المعنى وتوسيع دائرة التفكير الحر والمسؤول.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

رمضانيات (1) : لكي نحرر الإيمان من ملهاة الشياطين

نشرت

في

* “أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٠٤ المائدة﴾”

في لحظة ما قد يحدث أن أفكر مليا ،ولربما في بعض الأوقات، أو في جلها، بموضوع العقائد، فلا أرتاح لنفسي؛ كوني شخص مهووس بحقائق الأمور وهذا يقربني من الشك أكثر من اليقين.

لا أرتاح كذلك البتة لمن يقولون «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ” (سورة الزخرف الآية 22 ) وما كنت في هذا فقيها ولا مسلما بالضرورة، قد أكون كذلك وغير ذلك أيضا حسب الوقائع والملابسات. أعتبر أن الأمر شأني وحدي ، لا أجادل فيه أحدا غير أفكاري ، لا أكترث فيه لمن يحبني لغير شخصي ولا لذاك الذي يكرهني غيرة أو طمعا في هشيم هذا العالم ومغتنم أهله ، وفي آن واحد ، بكل صراحة ،أجد أن الشك يقربني من كافة الناس، بينما يزرع اليقين القطعي المراتب الفاصلة عنوة و الظالمة جوهرا عدا الضغائن القاتلة التي تبثها بينهم ، وهذا يبعدني عنهم تماما ، خلصت هكذا من خلال تدحرجي بين السنين ،إلى أن الإيمان الحقيقي يختلف عن اليقين بالتأكيد.

لم يعد يرهبني في هذا أبناء جلدتي أفرادا، جماعات أو دولا حتى ، حين يكشرون أنيابهم مدججين بالمذاهب والطوائف والأديان ومثقلين بقذائف مطلق القيم والثوابت العمياء ، أرى فيها توابيت محنطة تشدهم لظلمة ما تحت الثرى كخفافيش الظلام ، ولما يحاولون نصب أو/ ينصبون فعلا محاكم التفتيش ، تكون تلك دوما، غربا ،شرقا أو عمقا، علامة استبداد مقيت ما ، ينخرهم سرا أو علانية كديدان المقابر .

لا أنزعج إذن حين ينشئون شرط الآداب والعقائد باسم خالق يبعدهم علما، حلما(بالضم) وحلما(بالكسر). وسواء أدركوا أو أغفلوا ذلك، ولت أزمنة الإكراه العقائدي منذ وهلة، وأصبح روادها فقط بقايا أحقاد بيد الشياطين. .
حتى في قريتي الصغيرة لا أود أن يختلط الإيمان بقضايا الحكم والسياسة، فلا ولاية لي لدى أهلها لأي كان ،فقيها أو زاهدا أو وريثا باسم العقائد والأديان ، أدركت أن الحياة تصبح أفضل قيميا و خلقيا حين لا أحدد نفسي و وشائجي من خلال ذلك ، “وعدي صادق” دوما في هذا ، لن أصلح قط لأي قبيلة في غرض من هذا الصنف ، انا فقط مغربي يتمنى لجميع أهله ألوانا و أعراقا و مللا التعايش السمح الكريم بين بعضهم البعض ، على قدم المساواة ، بشرا ، نساء ورجالا، بالتشارك المسالم في بناء هذا البلد، نحو أفضل مما هو عليه اليوم, ليصبح ضمن أفضل أمم العصر مهما كانت عقائدها ، ويبتعد عن صفوف أكثرها ظلما وتخلفا !.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

من يحرس القضاء الإداري؟ صراع المنطق الوظيفي بين المفوض الملكي والنيابة العامة

نشرت

في

* ( تاملات إستفهامية إنكارية مفتوحة إلى أنصار القضاء الإداري )

يُنظر إلى القضاء الإداري تقليديًا باعتباره أحد أهم صمامات أمان الشرعية داخل الدولة القانونية، لأنه المجال الذي تُفحص فيه مشروعية أعمال الإدارة في علاقتها بالأفراد، بما يضمن التوازن بين سلطة الدولة وحقوق المتقاضين. وفي هذا الإطار نشأت داخل القضاء الإداري مؤسسة المفوض الملكي باعتبارها آلية مؤسساتية خاصة تُسهم في ترشيد الاجتهاد القضائي، من خلال تقديم رأي قانوني مستقل يساعد المحكمة على استجلاء الحل الأنسب في ضوء مبادئ الشرعية.

غير أن النقاش الدائر حول إمكانية إقحام النيابة العامة في مجال القضاء الإداري لتعويض المفوض الملكي يثير تساؤلات تتجاوز البعد التنظيمي إلى الخلفية الوظيفية لهذا التحول. فصحيح أن النيابة العامة ليست غريبة تمامًا عن المجال غير الزجري، إذ إن حضورها في القضاء المدني مؤطر بمقتضيات المادة 9 من قانون المسطرة المدنية، التي تخول لها التدخل في بعض القضايا التي تمس النظام العام أو مصالح الدولة. غير أن هذا الدور ظل تقليديًا مرتبطًا بما يمكن تسميته بمنطق “شرطة البطلان”، أي السهر على احترام القواعد الشكلية والآمرة التي قد يترتب على خرقها بطلان الإجراءات أو المساس بالمصلحة العامة.

ومن هذه الزاوية، فإن نقل هذا الدور إلى مجال القضاء الإداري قد يُفهم على أنه محاولة لإعادة توجيه وظيفة التدخل المؤسسي داخل الخصومة الإدارية من منطق الرأي القانوني المحايد الذي يجسده المفوض الملكي، إلى منطق المراقبة الإجرائية والدفاع غير المباشر عن مصالح الدولة الذي تمارسه النيابة العامة في القضاء المدني.

ويزداد هذا الاحتمال وضوحًا إذا استُحضر السياق العملي الذي يشهد تصاعدًا ملحوظًا في دعاوى المسؤولية الإدارية ضد أشخاص القانون العام، خاصة في مجالات مثل نزع الملكية، والاعتداء المادي، والتعسف في استعمال السلطة، والأخطاء القضائية. فقد أصبحت هذه القضايا تشكل مجالًا متناميًا للأحكام القضائية القاضية بالتعويض، وهو ما يترتب عنه انعكاسات مالية ومؤسساتية مهمة بالنسبة للإدارة.

في هذا السياق، قد يُفهم إسناد دور للنيابة العامة داخل القضاء الإداري باعتباره آلية إضافية لممارسة نوع من الرقابة القانونية على هذه الدعاوى وعلى الأحكام الصادرة فيها، سواء من خلال إثارة وسائل البطلان أو من خلال الطعن في الأحكام التي تمس مصالح الدولة ومؤسساتها.

غير أن هذا التحول يطرح في المقابل إشكالًا مبدئيًا يتعلق بطبيعة القضاء الإداري نفسه. فإذا كان المفوض الملكي يمثل تقليديًا أداة لإغناء النقاش القضائي حول مبدأ الشرعية وتطوير الاجتهاد، فإن إحلال النيابة العامة محله قد يؤدي إلى تغيير التوازن داخل الخصومة الإدارية، من فضاء يهدف أساسًا إلى مراقبة عمل الإدارة إلى فضاء قد يتعزز فيه حضور منطق الدفاع المؤسسي عن الإدارة.

ومن ثم فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بإعادة توزيع الأدوار داخل المحكمة الإدارية، بل يمتد إلى السؤال الأعمق المتعلق بمستقبل فلسفة القضاء الإداري:
هل سيظل فضاءً متميزًا لتطوير اجتهاد قضائي مستقل في مراقبة السلطة الإدارية، أم سيتجه تدريجيًا إلى الاقتراب من منطق القضاء العادي حيث تتعزز آليات حماية مصالح الدولة داخل الخصومة؟.

بهذا المعنى، فإن مسألة إحلال النيابة العامة محل المفوض الملكي تبدو أقل ارتباطًا بإصلاح تقني بسيط، وأكثر اتصالًا بتحولات أعمق في موقع دعاوى المسؤولية الإدارية داخل توازن العلاقة بين الدولة والمتقاضي.

وفي خاتمة هذا النقاش، يجدر التنبيه إلى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بمدى تمتيع المواطن بحق الولوج إلى القضاء، وإنما بقدرتها على توفير شروط المحاكمة العادلة بكل ضماناتها. فحق التقاضي، في حد ذاته، قد يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا لم يُصاحب بمنظومة إجرائية ومؤسساتية تضمن توازن الخصومة واستقلالية الفاعلين داخلها.

لذلك فإن أي إصلاح يهم بنية القضاء الإداري أو أدوار الفاعلين داخله ينبغي أن يُقاس أساسًا بمدى مساهمته في تعزيز الأمن القانوني والأمن القضائي، لا في إعادة ترجيح كفة أحد أطراف الخصومة، أيا كان موقعه. فالقضاء الإداري لم ينشأ فقط لتسوية النزاعات، بل ليشكل فضاءً مؤسساتيًا لضبط علاقة السلطة بالحق، والإدارة بالمواطن.

ومن ثم فإن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق يظل شرطًا جوهريًا لضمان الثقة في العدالة، لأن الدولة القوية ليست تلك التي تنتصر في القضايا، بل تلك التي تضمن أن تُدار الخصومة القضائية وفق قواعد العدالة والإنصاف، في إطار يحفظ للمواطن كرامته القانونية ويصون للدولة هيبتها المؤسسية .

* مصطفى المنوزي
رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي

أكمل القراءة
دولي منذ 11 ساعة

إيران تسمي مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا خلفا لوالده

الجديد TV منذ 11 ساعة

أحمد الصبار يفتح “الكناش” المنسي للصحافة الرياضية المغربية

مجتمع منذ 12 ساعة

ولاية أمن الدار البيضاء توضح حقيقة فيديو اختفاء شقيقين

دولي منذ 12 ساعة

أمريكا تعلن مقتل عنصر سابع من أفرادها في حرب إيران

دولي منذ 13 ساعة

إيران تهدّد باستهداف منشآت النفط في الخليج

دولي منذ 15 ساعة

أكثر من نصف مليون نازح في لبنان خلال أسبوع من الحرب

على مسؤوليتي منذ 17 ساعة

قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية في بعض أنماط النقد داخل الفضاء المعرفي

واجهة منذ 17 ساعة

نشرة إنذارية.. تساقطات ثلجية مرتقبة من الثلاثاء إلى الأربعاء بعدد من المناطق

رياضة منذ 18 ساعة

رمزي يعطي موافقته للالتحاق بالمنتخب الوطني في انتظار قرار الجامعة

رياضة منذ 24 ساعة

المنتخب الوطني النسوي يفوز على كاب فيردي

رياضة منذ يوم واحد

أتلتيكو مدريد يفوز على ريال سوسييداد (3-2)

دولي منذ يومين

مذكرة توقيف بحق طارق رمضان بتهمة الاغتصاب

منوعات منذ يومين

خبراء الصحة يحذرون من مخاطر تقبيل المواليد الجدد

رياضة منذ يومين

المغربي السباعي يعيد أنجيه الفرنسي إلى سكة الانتصارات

منوعات منذ يومين

كريمة غيث تزور دار الأيتام و تشارك لحظات إنسانية مؤثرة”الصورة”

واجهة منذ يومين

توقيف فرنسي موضوع نشرة حمراء للإنتربول بمطار محمد الخامس

اقتصاد منذ يومين

إقبال قوي للمستثمرين المؤسساتيين على سندات ONCF الخضراء

مجتمع منذ يومين

توقيع اتفاقية شراكة لتعزيز التعليم العالي لأبناء الأمن الوطني

اقتصاد منذ يومين

حرب إيران..أسعار المحروقات على أعتاب 17 درهما للتر

رياضة منذ يومين

جياني إنفانتينو يشيد بتجربة وليد الركراكي

اقتصاد منذ 7 أيام

أسعار المحروقات تعود للارتفاع في المغرب مع بداية مارس 2026

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل

مجتمع منذ أسبوعين

بسبب إضراب العدول لا عقود زواج في المغرب لمدة أسبوع

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي

الجديد TV منذ 11 ساعة

أحمد الصبار يفتح “الكناش” المنسي للصحافة الرياضية المغربية

مجتمع منذ أسبوعين

ترقية استثنائية لفائدة موظفي المديرية العامة للأمن الوطني الأربعة الذين قضوا جراء الحادث المروري

مجتمع منذ أسبوعين

“ترمضينة”..تطيح بشخصين بتهمة تبادل العنف بالأسلحة البيضاء بفاس

دولي منذ أسبوع واحد

الصين تدعو مواطنيها لمغادرة إيران “بأسرع وقت ممكن”

منوعات منذ أسبوع واحد

بعد جدل “لا إله إلا الله”.. قرار مشترك يحدد رسميًا مواصفات سيارات نقل الموتى

واجهة منذ أسبوعين

TUI fly البلجيكية تعيد الربط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وبرشلونة

تكنولوجيا منذ أسبوع واحد

عطل مفاجئ يضرب يوتيوب.. اختفاء مئات الآلاف من الفيديوهات

رياضة منذ أسبوعين

إنفانتينو “مطمئن جدا” بشأن كأس العالم في المكسيك

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

حرية الاعتقاد بين رهانات الاستقرار وجرأة التأويل الدستوري

على مسؤوليتي منذ 7 أيام

سعيد الكحل: حب الأوطان من الإيمان يا بنكيران

تكنولوجيا منذ أسبوعين

روسيا تقترب من إنتاج “قطع غيار” لجسم الإنسان

دولي منذ أسبوع واحد

ترامب: خامنئى مات والفرصة الأكبر الآن للشعب الإيراني

رياضة منذ 7 أيام

كرة السلة المغربية من منطق الإعانة إلى منطق الاستثمار

اقتصاد منذ أسبوعين

دخول قانون تعويض ضحايا حوادث السير حيز التنفيذ

اقتصاد منذ 7 أيام

حرب إيران.. ”لارام” تكشف مصير الرحلات الجوية إلى دبي والدوحة المتوقفة

دولي منذ أسبوع واحد

نتانياهو: مؤشرات عديدة إلى أن خامنئي “لم يعد على قيد الحياة”

واجهة منذ أسبوع واحد

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ شهر واحد

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ شهر واحد

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ شهرين

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 3 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 4 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 5 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 7 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 9 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 9 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 10 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 10 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 11 شهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 11 شهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 11 شهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 11 شهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 12 شهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 12 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الاكثر مشاهدة