Connect with us

على مسؤوليتي

انسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية فضيحة أخلاقية

نشرت

في

I. من نقاش تقني إلى معركة عدالة عالمية

لم يعد الجدل حول مستقبل منظمة الصحة العالمية شأناً تقنياً يهم الخبراء وحدهم، بل تحوّل إلى قضية عدالة عالمية وحقوق إنسان بامتياز. إن انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة، بكل ما يحمله من تناقضات سياسية وخطاب انتقائي، لا يعكس فقط خلافاً مؤسساتياً، بل يكشف أزمة عميقة في نظام الحكامة الصحية العالمية، نظام فشل خلال جائحة كوفيد-19 في حماية الحق في الصحة بوصفه حقاً إنسانياً أساسياً وغير قابل للتصرف.

II. انسحاب الولايات المتحدة… نقد مشروع أم نفاق سياسي؟

رغم وجاهة بعض الانتقادات الموجهة لأداء منظمة الصحة العالمية، فإن الانسحاب الأمريكي لا يمكن عزله عن تاريخ طويل من الضغط السياسي والمالي الذي مارسته واشنطن نفسها على المنظمة.
فالولايات المتحدة كانت، لعقود، فاعلاً مركزياً في إضعاف استقلالية المنظمة عبر:

· تجميد أو توجيه التمويل،

· فرض أولويات سياسية،

· وربط الدعم المالي بمصالح استراتيجية واقتصادية.

إن تحميل منظمة الصحة العالمية وحدها مسؤولية الفشل يُخفي حقيقة أساسية؛ إن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، شاركت بشكل مباشر في تفريغ المنظمة من سلطتها وقدرتها. وعليه، فالانسحاب لا يمثل دفاعاً عن منظومة الصحة العالمية، بل محاولة لإعادة هندسة النظام الصحي الدولي خارج الإطار الأممي، وبمنطق الصفقات لا بمنطق الحقوق.

III. منظمة بلا أنياب في عالم غير متكافئ

لقد أثبتت التجربة أن منظمة الصحة العالمية، رغم شرعيتها الأممية، تعمل داخل نظام دولي غير متكافئ تهيمن عليه:

· علاقات القوة،

· التمويل المشروط،

· ومصالح الصناعات الدوائية العالمية.

وبدل أن تكون الصحة العمومية مجالاً للتضامن الدولي، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة تنافس جيوسياسي وربح اقتصادي، على حساب كرامة الإنسان، خصوصاً في بلدان الجنوب والمناطق المتأثرة بالنزاعات والحصار.

IV. جائحة كوفيد-19… فشل أخلاقي ومؤسساتي مُمنهج

كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة منظمة الصحة العالمية، لا بسبب غياب الكفاءات، بل نتيجة قيود سياسية ومالية ممنهجة، أبرزها:

· الاعتماد المفرط على التمويل الطوعي،

· غياب سلطات الإلزام والتحقيق،

· ضعف آليات المساءلة الدولية.

وقد أكدت ذلك تقارير دولية مستقلة، من بينها تقرير اللجنة المستقلة المعنية بالتأهب والاستجابة للأوبئة (2021)، الذي خلص إلى أن العالم “أخفق أخلاقياً ومؤسساتياً” في مواجهة الجائحة

V. أزمة نظام لا أزمة منظمة

v ما نعيشه اليوم هو أزمة نظام عالمي، لا أزمة منظمة واحدة.

v فالسيادة الوطنية تُستعمل ذريعة لعرقلة التضامن،

v والتمويل يُستخدم أداة للهيمنة،

v والمؤسسات الصحية الدولية تعيش حالة تشظٍّ خطير:

· منظمة تملك الشرعية ولا تملك المال ولا السلطة،

· ومؤسسات أخرى تملك المال والنفوذ دون أي شرعية ديمقراطية.

إن استمرار هذا الوضع يعني أن الجوائح المقبلة لن تكون أقل فتكاً، بل أكثر ظلماً، حيث يُترك الجنوب العالمي مرة أخرى في مؤخرة الأولويات.

VI. الصحة حق إنساني… لا سلعة ولا امتياز

تؤكد الأزمات الصحية المتلاحقة حقيقة لا يمكن تجاهلها. النظام الدولي الحالي للصحة العمومية غير مهيأ لحماية البشرية. فبدلاً من إدارة الصحة كمنفعة عامة عالمية، تُدار اليوم داخل منظومة اقتصادية تُخضع الحق في الحياة لمنطق السوق والربح.
ويُعد استمرار احتكار اللقاحات والتكنولوجيات الطبية، والدفاع عن براءات الاختراع في أوقات الطوارئ، انتهاكاً صريحاً للحق في الصحة. وقد حذّر عدد من المفكرين، من بينهم نعوم تشومسكي وفاندانا شيفا، من أن إخضاع الصحة لمنطق الرأسمالية المعولمة يُنتج شكلاً من العنف البنيوي ضد الشعوب الأكثر هشاشة

VII. الإطار القانوني الدولي… التزامات مُهملة لا غائبة

إن الحق في الصحة ليس شعاراً أخلاقياً، بل التزام قانوني دولي واضح، مؤسس على:

· العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 12)،

· التعليق العام رقم 14 (عناصر الحق في الصحة: التوافر، الوصول، المقبولية، الجودة)،

· الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25)،

· اللوائح الصحية الدولية (2005)،

· ودستور منظمة الصحة العالمية.

غير أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية والآليات الملزمة لتنفيذها.

VIII. الملكية الفكرية… عندما تُقدَّم الأرباح على الأرواح

رغم ما يتيحه اتفاق “تريبس” وإعلان الدوحة من مرونات لحماية الصحة العامة، فإن الواقع أثبت أن المصالح التجارية تتغلب باستمرار على الحق في الحياة.
وقد شددت قرارات حديثة لمجلس حقوق الإنسان على ضرورة إتاحة اللقاحات والتكنولوجيات الطبية دون تمييز، خصوصاً في حالات الطوارئ.

IX. مطالب أمام الرأي العام الدولي

بناءً على ما سبق، نؤكد ما يلي:

1. أن الحق في الصحة التزام قانوني دولي، لا خياراً سياسياً.

2. أن إصلاح منظمة الصحة العالمية يستحيل دون ضمان استقلالها المالي والسياسي.

3. أن اللقاحات والعلاجات في حالات الطوارئ الصحية يجب أن تُعتبر ملكية عامة عالمية.

4. أن بلدان الجنوب والمجتمعات المتأثرة بالنزاعات والاحتلال والحصار يجب أن تكون في صلب السياسات الصحية الدولية.

5. أن المجتمع المدني الدولي مطالب بلعب دور رقابي فاعل في مساءلة المؤسسات الصحية العالمية

X. خاتمة: من منطق الإحسان إلى منطق الحقوق

إن مستقبل الأمن الصحي العالمي مرهون بالانتقال:

· من منطق الإحسان إلى منطق الحقوق،

· ومن منطق السوق إلى منطق الكرامة الإنسانية.

وأي نظام صحي دولي لا يؤسس على هذه القيم، سيظل عاجزاً عن حماية البشرية من الأزمات المقبل

خريطة طريق ترافعية

كفاعل حقوقيي ومدافع عن الحق في الصحة، فإنني اترافع بخوض معركة ترافع عالمية من أجل:

· إصلاح الحكامة في منظومة الصحة العالمية، ،

· ضمان استقلال منظمة الصحة العالمية،

· وتعزيز الوصول العادل للأدوية واللقاحات بوصفها ملكية عامة عالمية في حالات الطوارئ.

التوقيع

مولاي أحمد الدريدي
فاعل سياسي ومدافع عن حقوق الإنسان
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان (DHC)

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

العدالة تحت منطق الأمر الواقع أو الدفاع والمتقاضي في مرمى التشريع

نشرت

في

* ( من وحي التفاوض حول وثيقة التفصيل لمقترح الحكم الذاتي )

لا يستقيم، من زاوية حقوقية ودستورية، الحديث عن إضرار بالمتقاضين بسبب توقف المحامين عن تقديم الخدمات المهنية بالمحاكم، ما دامت الأشكال النضالية المعتمدة سلمية، حضارية، وخالية من كل عنف مادي أو رمزي. فالنضال المهني، في هذا السياق، لا يوجَّه ضد المتقاضي ولا ينتقص من حقوقه، بل يندرج ضمن ممارسة مشروعة للاحتجاج على اختيارات تشريعية فُرضت بمنطق الأمر الواقع.

ذلك أن العنف الحقيقي، وإن اتخذ لبوسًا مؤسساتيًا، يتمثل في المنهجية التشريعية المعتمدة، حيث جرى السطو على الاختصاص التشريعي الأصيل للبرلمان عبر احتكار المبادرة التشريعية في صيغة مشاريع قوانين حكومية، تحت ذريعة ما يُسمّى بـ«العقلانية البرلمانية»، الموروثة أو المستوردة من نموذج الجمهورية الفرنسية الخامسة. وهو ما أفضى عمليًا إلى إفراغ النقاش البرلماني من مضمونه التداولي، وتحويله إلى مجرد محطة شكلية للمصادقة.

وفي هذا الإطار، تم تمرير قانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية بصيغة تثير قلقًا حقوقيًا بالغًا، ليس فقط لما تنطوي عليه من تضييق على ضمانات المحاكمة العادلة، ولكن أيضًا لما تؤسسه من اختلال بنيوي في توازن الأطراف داخل الدعوى القضائية. فبنفس منطق الترهيب التشريعي، سيُحاكم المتقاضون استنادًا إلى عبارة «محاضر ضباط الشرطة القضائية يُوثق بمضمنها»، في خرق صريح لقاعدة دستورية وكونية مفادها أن قرينة البراءة هي الأصل، وأن عبء الإثبات لا يُنقل إلى المتهم ولا يُختزل في محاضر تُمنح قوة شبه مطلقة خارج شروط الرقابة القضائية الصارمة.

إن هذا التوجه لا يضعف فقط دور الدفاع، بل يُحوّل المتقاضي نفسه إلى موضوع اشتباه دائم، ويُعيد الاعتبار لمنطق الإثبات الزجري على حساب المحاكمة العادلة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الثقة في العدالة وعلى السلم القانوني والاجتماعي.

خاتمة
وإذا ما تم تمرير مشروع قانون المهنة بصيغته الحالية، فإننا نكون أمام عودة مقلقة لمنطق تشريعي يُغذّي الخوف ويُنتج الرقابة بدل الحماية، ويستحضر في الذاكرة فوبيا ظهير «كل ما من شأنه»؛ ذلك الظهير الذي استُخدم خلال عهد الحماية وسنوات الرصاص لتجريم النوايا، وتوسيع دائرة الاشتباه، ومحاكمة الوطنيين والديمقراطيين خارج منطق الشرعية والإنصاف. إن استدامة هذا المنحى لا تهدد فقط استقلال المهنة وأدوارها الدستورية، بل تمسّ جوهر دولة القانون، وتعيدنا إلى منطق زجري يتناقض مع مسار الحقوق والحريات، ومع متطلبات عدالة حديثة قائمة على الضمانات والثقة، لا على التخويف والترهيب المقنّع ؛ وكل هذا والمغرب بكافة مكوناته في حاجة إلى تنزيل مقتضيات مقترح الحكم الذاتي ، هذا الأخير يحتاج إلى إجماع تشاركي لإرساء بنية الإستقبال وإلى كافة الحقوقيين الذين ساهموا في بلورة وتفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة ، كثمرة ونتاج تسوية سياسية شاملة لأجل القطع مع ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وبناء تعاقد جديد ، ولأنه من شروط النجاح إستكمال تنفيذ الشق السياسي وخاصة كل ما يتعلق بالإصلاح الدستوري السياسي والمؤسستي والتشريعي ، ولكن بأفق توسيع مجال الحريات وضمان الحق في الأمن ضد الحاجة والأمن ضد الخوف ، والحق في الأمن القضائي في إطار عدالة حقيقية وتحت رقابة مؤسساتها وعلى رأسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية وإلى جانبها مجلس الذي دعا عاهل البلاد إلى تنصيبه منذ 15 دجنبر 1999 ، والذي سيكون بمثابة هيأة قضائية عليا تنظر في الطعون المتعلقة بالقرارات الإدارية للسلطات العمومية والوظائف العليا للدولة ، بما فيها الوضعية الفردية والنأديبية للقضاة ، في إستقلالية تامة عن الغرفة الإدارية لمحكمة النقض ، وأساسا للبت في النزاعات بين حكومة المركز والحكومة المحلية ذات الحكم الذاتي .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

هل نحن أمام إصلاح للعدالة الإدارية أم التفاف ناعم على استحقاق دستوري مؤجل؟

نشرت

في

يثير توجه إحداث مؤسسة النيابة العامة بالمحاكم الإدارية، بدل المفوض الملكي، ضمن المخطط التشريعي لوزارة العدل، كما أيده المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أكثر من سؤال حول مآلات ورش العدالة الإدارية بالمغرب، وحدود الانسجام بين الإصلاحات المعلنة والاستحقاقات الدستورية المؤجلة، وعلى رأسها تنصيب مجلس الدولة بعد دسترته.

من حيث الظاهر، يبدو هذا الإجراء خطوة تقنية تهدف إلى تجويد الأداء القضائي وتعزيز الأمن القانوني والقضائي، غير أن القراءة المتأنية تكشف أننا قد نكون أمام تحول مؤسساتي محفوف بمخاطر دستورية صامتة، لعل أخطرها ضرب مبدأ ازدواجية القضاء، والخشية من تطويق استقلال القضاء الإداري وإبقائه ضمن دائرة الضبط المركزي لمحكمة النقض.

فمبدأ ازدواجية القضاء لا يقوم فقط على الفصل الوظيفي بين القضاء العادي والقضاء الإداري، بل يفترض استقلالًا بنيويًا في المرجعية والاجتهاد والتنظيم، يتيح للقضاء الإداري تطوير منطقه الخاص في حماية الحقوق والحريات في مواجهة الإدارة. أما إلحاق النيابة العامة الإدارية برئاسة النيابة العامة لدى محكمة النقض، فيعيد ربط القضاء الإداري، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالمركز القضائي الأعلى للقضاء العادي، وهو ما يفرغ الازدواجية من مضمونها العميق.

ويزداد هذا التخوف مشروعية إذا ما استُحضرت التعديلات الأخيرة على قانون المسطرة الجنائية، التي جعلت من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض محركًا للدعوى العمومية، وضابطًا ساميًا للشرطة القضائية، ورئيسًا هرميا على الوكلاء العامين للملك. هذا التمركز غير المسبوق للسلطات داخل مؤسسة رئاسة النيابة العامة يثير أسئلة جوهرية حول موقعها الفعلي بين السلط، ومدى قربها الوظيفي من منطق السلطة التنفيذية، حتى وإن تم تحصينها شكليًا بخطاب الاستقلال.

غير أن الإشكال لا يقتصر على البعد الدستوري والمؤسساتي، بل يمتد إلى جوهر الممارسة القضائية اليومية. فميزة المفوض الملكي في القضاء الإداري لا تكمن فقط في موقعه الوظيفي، بل أساسًا في طبيعة إنتاجه القانوني، حيث يحرر مذكرات مستنتجات كتابية حقيقية، مؤسسة على التحليل والاجتهاد والمقارنة، بما يجعل منها لبنة أساسية في بناء الاجتهاد القضائي الإداري، ورافعة لتعليل الأحكام وقرارات المحاكم.

في المقابل، تُظهر التجربة العملية أن جزءًا واسعًا من ممثلي النيابات العامة، في القضاء العادي، يكتفي في عدد كبير من الملفات بمطالب نمطية جاهزة، من قبيل: “نلتمس تطبيق القانون”، عبر مطبوعات محصصة، مكرورة، تفتقر في الغالب إلى الإقناع والتعليل، ولا تضيف قيمة قانونية نوعية للنقاش القضائي.

ولا يتعلق الأمر هنا بتقليل من شأن النيابة العامة أو التشكيك في أدوارها الحيوية، بل بتشخيص فارق بنيوي في ثقافة المرافعة القضائية: ثقافة قائمة على الإنتاج التحليلي والاجتهادي، مقابل ثقافة إجرائية تميل إلى التنميط والاختزال.

والأدهى من ذلك أن الجميع – قضاة، محامين، ونيابات عامة – يستفيدون فعليًا من مجهودات المفوضين الملكيين واجتهاداتهم القانونية، سواء عبر استلهام تحليلاتهم، أو عبر الاستناد إلى مذكراتهم في بناء التعليل القضائي، مما يجعل الاستغناء عن هذه الوظيفة، أو استبدالها بوظيفة نمطية، مخاطرة حقيقية بجودة العدالة الإدارية.

ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى دستورية الإجراء، بل أيضًا بمدى نجاعته المهنية والمعرفية: هل سنربح عدالة إدارية أكثر جودة، أم سنفقد إحدى أهم آليات إنتاج المعنى القانوني داخل هذا القضاء المتخصص؟.

إن جوهر العدالة الإدارية لا يكمن في سرعة البت أو كثرة المؤسسات، بل في عمق التعليل، وجودة الاجتهاد، واستقلال التأويل. وأي إصلاح لا يحافظ على هذه المقومات، أو يغامر بتفكيكها، سيكون أقرب إلى إعادة ترتيب شكلي للبنية القضائية منه إلى إصلاح حقيقي.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

هل نحن أمام إصلاح للعدالة الإدارية أم التفاف ناعم على استحقاق دستوري مؤجل؟

نشرت

في

يثير توجه إحداث مؤسسة النيابة العامة بالمحاكم الإدارية، بدل المفوض الملكي، ضمن المخطط التشريعي لوزارة العدل، كما أيده المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أكثر من سؤال حول مآلات ورش العدالة الإدارية بالمغرب، وحدود الانسجام بين الإصلاحات المعلنة والاستحقاقات الدستورية المؤجلة، وعلى رأسها تنصيب مجلس الدولة بعد دسترته.

من حيث الظاهر، يبدو هذا الإجراء خطوة تقنية تهدف إلى تجويد الأداء القضائي وتعزيز الأمن القانوني والقضائي، غير أن القراءة المتأنية تكشف أننا قد نكون أمام تحول مؤسساتي محفوف بمخاطر دستورية صامتة، لعل أخطرها ضرب مبدأ ازدواجية القضاء، والخشية من تطويق استقلال القضاء الإداري وإبقائه ضمن دائرة الضبط المركزي لمحكمة النقض.

فمبدأ ازدواجية القضاء لا يقوم فقط على الفصل الوظيفي بين القضاء العادي والقضاء الإداري، بل يفترض استقلالًا بنيويًا في المرجعية والاجتهاد والتنظيم، يتيح للقضاء الإداري تطوير منطقه الخاص في حماية الحقوق والحريات في مواجهة الإدارة. أما إلحاق النيابة العامة الإدارية برئاسة النيابة العامة لدى محكمة النقض، فيعيد ربط القضاء الإداري، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالمركز القضائي الأعلى للقضاء العادي، وهو ما يفرغ الازدواجية من مضمونها العميق.

ويزداد هذا التخوف مشروعية إذا ما استُحضرت التعديلات الأخيرة على قانون المسطرة الجنائية، التي جعلت من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض محركًا للدعوى العمومية، وضابطًا ساميًا للشرطة القضائية، ورئيسًا هرميا على الوكلاء العامين للملك. هذا التمركز غير المسبوق للسلطات داخل مؤسسة رئاسة النيابة العامة يثير أسئلة جوهرية حول موقعها الفعلي بين السلط، ومدى قربها الوظيفي من منطق السلطة التنفيذية، حتى وإن تم تحصينها شكليًا بخطاب الاستقلال.

غير أن الإشكال لا يقتصر على البعد الدستوري والمؤسساتي، بل يمتد إلى جوهر الممارسة القضائية اليومية. فميزة المفوض الملكي في القضاء الإداري لا تكمن فقط في موقعه الوظيفي، بل أساسًا في طبيعة إنتاجه القانوني، حيث يحرر مذكرات مستنتجات كتابية حقيقية، مؤسسة على التحليل والاجتهاد والمقارنة، بما يجعل منها لبنة أساسية في بناء الاجتهاد القضائي الإداري، ورافعة لتعليل الأحكام وقرارات المحاكم.

في المقابل، تُظهر التجربة العملية أن جزءًا واسعًا من ممثلي النيابات العامة، في القضاء العادي، يكتفي في عدد كبير من الملفات بمطالب نمطية جاهزة، من قبيل: “نلتمس تطبيق القانون”، عبر مطبوعات محصصة، مكرورة، تفتقر في الغالب إلى الإقناع والتعليل، ولا تضيف قيمة قانونية نوعية للنقاش القضائي.
ولا يتعلق الأمر هنا بتقليل من شأن النيابة العامة أو التشكيك في أدوارها الحيوية، بل بتشخيص فارق بنيوي في ثقافة المرافعة القضائية: ثقافة قائمة على الإنتاج التحليلي والاجتهادي، مقابل ثقافة إجرائية تميل إلى التنميط والاختزال.

والأدهى من ذلك أن الجميع – قضاة، محامين، ونيابات عامة – يستفيدون فعليًا من مجهودات المفوضين الملكيين واجتهاداتهم القانونية، سواء عبر استلهام تحليلاتهم، أو عبر الاستناد إلى مذكراتهم في بناء التعليل القضائي، مما يجعل الاستغناء عن هذه الوظيفة، أو استبدالها بوظيفة نمطية، مخاطرة حقيقية بجودة العدالة الإدارية.

ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى دستورية الإجراء، بل أيضًا بمدى نجاعته المهنية والمعرفية: هل سنربح عدالة إدارية أكثر جودة، أم سنفقد إحدى أهم آليات إنتاج المعنى القانوني داخل هذا القضاء المتخصص؟.

إن جوهر العدالة الإدارية لا يكمن في سرعة البت أو كثرة المؤسسات، بل في عمق التعليل، وجودة الاجتهاد، واستقلال التأويل. وأي إصلاح لا يحافظ على هذه المقومات، أو يغامر بتفكيكها، سيكون أقرب إلى إعادة ترتيب شكلي للبنية القضائية منه إلى إصلاح حقيقي.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
مجتمع منذ ساعة واحدة

ولاية طنجة تنفي صحة الأخبار المتداولة بخصوص “إحصاء ساكنة القصر الكبير”

واجهة منذ 3 ساعات

وضعية سد وادي المخازن تعود للإستقرار مع تراجع مستوى الحقينة

مجتمع منذ 3 ساعات

توقيف فرنسي بطنجة مطلوب لـ ”الانتربول” للاشتباه في ارتباطه بشبكة لتهريب المخدرات

رياضة منذ 5 ساعات

مونديال 2030 يتجاوز كرة القدم نحو مشروع تنموي ضخم

رياضة منذ 5 ساعات

هل غادر زياش الوداد بسبب أزمة؟ الحقيقة الكاملة

منوعات منذ 8 ساعات

قبل رمضان.. حملة واسعة بالبيضاء لضبط صلاحية المواد الغذائية

مجتمع منذ 9 ساعات

شهر رمضان.. توقيت مسترسل جديد للعمل بالإدارات العمومية

تكنولوجيا منذ 9 ساعات

أبل” تستعد لإطلاق iPhone 17 E بشحن سريع

رياضة منذ 9 ساعات

الوداد يعلن تفاصيل بيع تذاكر مباراة عزام التنزاني

سياسة منذ 10 ساعات

الملك يهنئ محمد شوكي بمناسبة انتخابه رئيسًا لحزب “الأحرار”

رياضة منذ 10 ساعات

خبر غير سار للرجاء.. برقوق خارج الحسابات لمدة شهر

رياضة منذ 10 ساعات

لقجع يكشف خطة المغرب لمونديال تاريخي بشراكة ثلاثية

مجتمع منذ 11 ساعة

ابتداءً من هذا الأحد.. الساعة ستتغير رسمياً في المغرب

مجتمع منذ 12 ساعة

تدابير استعجالية لفائدة تلاميذ إقليم القنيطرة و سيدي قاسم

منوعات منذ 12 ساعة

لارام” توسع شبكتها الأوروبية بإطلاق ستة مسارات جوية مباشرة جديدة في 2026

مجتمع منذ 12 ساعة

المكتب الوطني لمنتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين يُقيّم حصيلة مؤتمره الأول

اقتصاد منذ 14 ساعة

القرض الفلاحي للمغرب يطلق منظومة دعم لفائدة فلاحي وساكنة المناطق المتضررة من التقلبات الجوية

منوعات منذ 16 ساعة

“ليفل الوحش”.. رامز جلال يكشف عن بوستر برنامجه في رمضان 2026

واجهة منذ 17 ساعة

سد “وادي المخازن” يتجاوز طاقته الاستيعابية بنسبة 160 بالمائة

واجهة منذ 18 ساعة

طقس الثلاثاء: أجواء غائمة مع استمرار نزول الأمطار

مجتمع منذ 7 أيام

“رابطة متخصصي الصحة النفسية” تضع خدماتها رهن إشارة ساكنة القصر الكبير

مجتمع منذ أسبوعين

سد الوحدة يقترب من الامتلاء الكامل بعد واردات مائية قياسية

رياضة منذ أسبوعين

الكاف يراجع قوانينه التأديبية عقب أحداث نهائي كأس إفريقيا 2025

منوعات منذ أسبوع واحد

وفاة الفنان والمخرج عبد الرحمن الخياط زوج الراحلة نعيمة لمشرقي

رياضة منذ يوم واحد

البيضاء: تكريم احد أعمدة رياضة كرة السلة الوطنية الحاج أحمد بوهلال

مجتمع منذ أسبوعين

عاجل.. الحبس النافذ في حق العمدة السابق بلقايد والبرلماني بنسليمان

رياضة منذ أسبوعين

النهائي الفوضوي لأمم إفريقيا: الاتحاد السنغالي يمثل أمام كاف

مجتمع منذ 6 أيام

منع البرلماني عبد الرحيم بن الضو من مغادرة التراب الوطني

سياسة منذ أسبوعين

محمد شوكي يخلف أخنوش في قيادة حزب الأحرار

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

مجتمع منذ أسبوع واحد

هيئات المحامين تواصل التصعيد وتتمسك برفض مشروع المسطرة المدنية

منوعات منذ أسبوع واحد

KER BRANDS توحّد علاماتها التجارية تحت اسم “Ker Factor”

منوعات منذ أسبوع واحد

القنب/الكيف الطبي وصحة النساء في المغرب

مجتمع منذ 5 أيام

وفاة الطباخ المغربي كمال اللعبي المعروف بـ “الشاف كيمو”

رياضة منذ أسبوعين

حسنية أكادير تُعلن عن أربع تعاقدات جديدة لتعزيز صفوفها

رياضة منذ أسبوع واحد

فوز أخضر بثلاثية يعقبه اعتراض تقني من الزمامرة

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

رؤية ملك… سعيد الكحل

مجتمع منذ أسبوع واحد

المحامون يعلنون عن “إضراب مفتوح” ووقفة وطنية أمام البرلمان

اقتصاد منذ 5 أيام

إعفاء بنسودة من منصب الخازن العام للمملكة

رياضة منذ أسبوع واحد

أمم إفريقيا: السنغال تقرر عدم استئناف العقوبات المفروضة عليها

منوعات منذ 5 أيام

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 5 أيام

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ شهر واحد

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ شهرين

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 3 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 4 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 6 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 8 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 8 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 9 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 9 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 10 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 10 أشهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 10 أشهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 11 شهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 11 شهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 11 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يكشف مراحل الصراع بين الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد (الجزء الأول)

الاكثر مشاهدة