على مسؤوليتي
الأرشيف المغربي بين أمن الدولة وحق المجتمع في الحقيقة
نشرت
منذ 8 أشهرفي
بواسطة
مصطفى المنوزي
في التاسع والعشرين من أكتوبر 1965، اختُطف المناضل المهدي بنبركة في قلب باريس، في واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في تاريخ المغرب السياسي الحديث.
واليوم، بعد مرور ستين سنة على تلك الواقعة، يلتقي الزمن الرمزي بالتاريخ القانوني: فالمهلة التي يحددها القانون المغربي لرفع السرية عن الوثائق المرتبطة بـ“أسرار الدفاع الوطني” و“أمن الدولة” قد انقضت.

لكن السؤال ما زال معلقًا في الهواء: هل ستفتح الدولة أرشيفها أم ستُمدِّد زمن الصمت؟.
وهنا يأتي دور الحقوقيين والمؤرخين وذوي حقوق الضحايا للنضال من أجل كشف الحقيقة من خلال إجبار الدولة على رفع السرية .
ذاكرة مؤجلة وزمن أمني
ينص القانون على أن الوثائق ذات الطابع الأمني والسيادي لا يمكن الاطلاع عليها قبل مرور ستين سنة.
إلا أن مرور هذا الأجل لا يعني بالضرورة رفع السرية فعليًا، إذ غالبًا ما يُمدَّد المنع أو يُعاد تأويل مفهوم “السرية” بما يخدم منطق الحجب.
هكذا يتحول الزمن إلى أداة لتأجيل الحقيقة، لا لاكتشافها، وتتحول الذاكرة إلى ملف إداري خاضع للمزاج السياسي أكثر مما تخضع لمبدأ الحق في المعرفة.
الستون سنة، في هذه الحالة، ليست رقمًا جامدًا، بل حدًّا رمزيًا بين جيل الشهود وجيل الباحثين عن الحقيقة.
ومع تقادم الشهود، تتقادم إمكانيات العدالة، فتُختزل القضايا في الشعارات بدل التوثيق والمكاشفة.
الأمن لا يعني السرية الدائمة
إن مفهوم “أسرار الدفاع الوطني” يجب ألا يُستعمل لتبرير طمس الذاكرة أو حجب الوقائع ذات الصلة بانتهاكات حقوق الإنسان.
فالأمن، في معناه الحديث، لا يقوم على الخوف من الحقيقة، بل على الثقة في قدرتنا على مواجهتها.
والكشف عن الأرشيف لا يُهدد الدولة، بل يحصّنها من تكرار الأخطاء ويمنحها شرعية أخلاقية أمام مواطنيها.
فالحق في الحقيقة جزء لا يتجزأ من الأمن الإنساني، كما تنص على ذلك المواثيق الدولية وتجارب العدالة الانتقالية.
من أمننة الأرشيف إلى دمقرطة الذاكرة
إن استمرار حجب الأرشيف المتعلق بالاختفاءات القسرية والملفات السياسية القديمة، وعلى رأسها قضية المهدي بنبركة، يضع المغرب أمام مفارقة تاريخية:
هل نريد أن نبرهن أننا تجاوزنا منطق الدولة السرّية، أم أننا نعيد إنتاجه في صيغ جديدة؟
إن فتح الأرشيف أمام الباحثين والمؤرخين وأسر الضحايا يشكل خطوة حقيقية نحو حوكمة الذاكرة، أي نحو إدارتها بشفافية ومشاركة، بدل الاكتفاء بتدبيرها بخلفية أمنية.
فالذاكرة الوطنية لا تُبنى على الحجب، بل على المشاركة في استحضار الماضي وفهمه، بما يسمح بتحويل الألم إلى معرفة والمأساة إلى درس.
من بنبركة إلى المانوزي: سؤال الحقيقة المستمر
رفع السرية عن قضية بنبركة لن يكون مجرد إجراء إداري، بل اختبارًا للضمير الوطني وقدرة الدولة على المصالحة مع ماضيها.
فالحقيقة لا تُهدد الاستقرار، بل تُرسخه على أسس الثقة والشفافية.
وإذا كانت الذكرى الستون لاختطاف المهدي بنبركة تذكّرنا بما لم يُقل بعد، فإنها تفتح أيضًا باب السؤال الأخلاقي المفتوح:
فهل سننتظر مرور الأمد نفسه لكي تُرفع السرية عن حقيقة اختطاف المناضل الحسين المانوزي من تونس منذ 29 أكتوبر 1972؟.
إن ستين سنة من الصمت تكفي لتقول إن الحجب لم يعد يحمي الدولة، بل يجرّدها من ذاكرتها.
لقد آن الأوان للانتقال من حراسة الماضي إلى المصالحة معه، ومن أمننة الأرشيف إلى دمقرطة الذاكرة، لأن الحقيقة، في نهاية المطاف، ليست ضد الوطن، بل من أجل أن يبقى الوطن قابلاً للتصالح مع ذاته.
. مصطفى المنوزي
منسق دينامية ضمير الذاكرة وحوكمة السرديات الأمنية
قد يعجبك
على مسؤوليتي
سعيد الكحل..الغش في الامتحان: أزمة قيم أم أزمة قانون؟
نشرت
منذ يومينفي
يونيو 15, 2026بواسطة
سعيد لكحل
تعكس حالات الغش التي تم ضبطها هذه السنة خلال الامتحان الجهوي (4929 بزيادة 167% عن سنة 2025)، والوطني (4126 بزيادة 49 %)، أنها صارت ظاهرة مقلقة وآخذة في الاتساع رغم العقوبات التي ينص عليها القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية، ورغم التحذيرات التي أطلقتها وزارة التعليم، بأسابيع قبل موعد الامتحانات، بكونها ستستعين بأحدث تقنيات الكشف عن أجهزة الغش. وخطورة الظاهرة أنها تحولت من سلوك فردي معزول إلى ممارسة شبه عادية في المجال التعليمي باعتباره الحاضنة الأولى لتشكل علاقة الفرد بمفاهيم الاستحقاق والانضباط.
* التطبيع مع الغش.
تشير عدد من الدراسات الميدانية إلى أن نسب التعرض للغش أو ممارسته في التعليم الثانوي بالمغرب تتراوح بين 80 و95 في المائة، وهو ما يعكس حجم التحدي البنيوي الذي يواجه المنظومة التربوية. ومن المفارقات وانقلاب القيم، أن الغش كان سُبّة في الوسط التلاميذي قبل ثمانينيات القرن العشرين، لكن سرعان ما تحول تدريجيا إلى سلوك مرغوب ثم مطلوب جسّده شعار “من نَقَل انتقل ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه”. ومن تجليات هذا الانقلاب القيمي تشجيع طيف واسع من الأسر أبناءها على الغش سواء باقتناء الوسائل التقنية المساعدة عليه (هواتف ذكية، سماعات دقيقة بحجم حبة عدس) أو بالتواطؤ مع أطراف إدارية أو تربوية من أجل تسهيل عملية الغش أو التستر عليها. ولعل ظاهرة إملاء الأجوبة وأحيانا تحريرها على السبورة خلال الامتحان الإشهادي للسنة السادسة ابتدائي كفيلة بأن تخلق أجواء الارتياح لدى التلاميذ وأسرهم، ومن ثم تجعلهم يطبعون مع الغش كسلوك مباح، من جهة، ومن أخرى كمعيار للنجاح لا يعتمد الكفاءة. الأمر الذي ساهم ويساهم في ترسيخ تمثلات اجتماعية مفادها أن النجاح قد يتحقق عبر الالتفاف على القواعد بدل الالتزام بها؛ ومن ثم يحوّل المدرسة إلى فضاء لإعادة إنتاج أنماط سلوكية قد تمتد لاحقاً إلى مجالات العمل والإدارة والسياسة. وبذلك يصير الغش امتدادا لقيم أوسع مرتبطة بالفساد والتدليس. إلا أن الأخطر هو حين يتحول الغش الذي هو في نص القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية يرقى إلى جريمة تتراوح عقوبتها بين شهر واحد وسنة سجنا، وغرامة مالية تتراوح بين 5.000 و 10.000 درهم، يصير “حق” قد يدفع التلميذ الغشاش إلى ممارسة العنف في حالة منعه من ممارسته أو تحرير تقرير بشأنه. بل إن التضامن الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع حالات تم ضبطها في وضعية غش، تجعلنا مباشرة أمام أزمة قيم عميقة. وصدق بول باسكون في وصفه لهذا الواقع بقوله: “إننا نصارع في مجتمعاتنا من أجل تطبيق القانون لا من أجل تطويره”.
* الغش ظاهرة اجتماعية تتجاوز أسوار المدرسة.
لا يمكن اختزال الغش في الامتحانات في مجرد مخالفة مدرسية أو سلوك فردي معزول، بل ينبغي فهمه باعتباره ظاهرة اجتماعية تعكس تحولات أعمق في المجتمع. فالمدرسة ليست مؤسسة منفصلة عن محيطها، وإنما تعيد إنتاج كثير من القيم والسلوكيات السائدة داخله. فعندما يلاحظ التلميذ انتشار أشكال متعددة من التحايل في الحياة اليومية، سواء في بعض المعاملات الإدارية أو الاقتصادية أو التجارية، فإنه قد يطور قناعة ضمنية بأن النجاح لا يتحقق دائماً عبر الاستحقاق والكفاءة والاجتهاد، بل يمكن بلوغه عبر الالتفاف على القواعد والقوانين. ومن ثم يصبح الغش في الامتحان امتداداً لمنطق اجتماعي أوسع يقوم على البحث عن النتائج بأقل تكلفة ممكنة. وقد أظهرت العديد من الدراسات السوسيولوجية أن المجتمعات التي تتراجع فيها الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص تكون أكثر عرضة لانتشار سلوكات الغش، لأن الأفراد يشعرون بأن الالتزام بالقواعد لا يضمن بالضرورة النجاح أو الترقي الاجتماعي. وهذا ما يلمسه التلميذ ويعاينه، سواء في سلوك بعض التجار الذين يلجؤون إلى الغش في الأوزان أو في جودة السلع أو في مصدرها الحقيقي حسب ما تكشف عنه حملات المراقبة التي تنفذها السلطات المختصة بشكل دوري؛ أو في سوق الشغل، حيث تبرز مظاهر أخرى للغش من خلال تزوير الشهادات والخبرات المهنية أو الحصول على وظائف عبر الوساطة والمحسوبية بدل الكفاءة والاستحقاق. وهنا يتحول الغش إلى آلية لإعادة إنتاج اللامساواة وإضعاف الثقة في المؤسسات.
لا شك أن التحولات التي عرفها المجتمع بفعل العولمة والرقمنة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في ترسيخ ثقافة السرعة والربح الفوري، حيث يتم التركيز على النتائج والشهادات أكثر من التركيز على الجهد المبذول للوصول إليها. لهذا، فإن الغش ليس مجرد مشكلة أخلاقية فردية يمكن القضاء عليها فقط بتعزيز المراقبة داخل مراكز الامتحان، واستخدام أجهزة التشويش، ومتابعة الشبكات الإلكترونية التي تنشط في تسريب الأجوبة أو بيع وسائل الغش، أو بتشديد العقوبات الحبسية والغرامات المالية؛ بل يمثل تحدياً بنيوياً يمس الدولة والمجتمع والاقتصاد على حد سواء. وتكمن خطورته في قدرته على اختراق مختلف القطاعات وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والكفاءة إلى هامش، والتحايل إلى وسيلة للترقي الاجتماعي والاقتصادي. لذلك فإن بناء مجتمع أكثر نزاهة لا يمر فقط عبر سن قوانين جديدة أو تشديد العقوبات، بل يتطلب أيضاً إعادة الاعتبار لمنظومة القيم التي تجعل احترام القانون قناعة داخلية قبل أن يكون التزاماً مفروضاً. فالقانون يردع، لكن القيم هي التي تمنع الفرد من التفكير في الغش أصلاً، وعندما يجتمع الردع القانوني مع الضمير الأخلاقي تصبح فرص مكافحة الظاهرة أكبر وأكثر استدامة.
فالقانون القوي لا يستطيع وحده القضاء على الغش إذا كانت الثقافة الاجتماعية تتسامح معه أو تبرره. وفي المقابل، فإن القيم الأخلاقية مهما بلغت قوتها تحتاج إلى مؤسسات فعالة تحميها وتضمن احترامها.
وتظهر هذه العلاقة بوضوح في التجارب الدولية الناجحة. ففي بلدان مثل الدنمارك وفنلندا وسنغافورة، لم يتحقق انخفاض مستويات الفساد والغش بفضل القوانين الصارمة فقط، بل أيضاً نتيجة ترسيخ ثقافة النزاهة منذ مراحل التعليم الأولى، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي ومنتظم.
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة
نشرت
منذ أسبوع واحدفي
يونيو 8, 2026بواسطة
سعيد لكحل
ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.
وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.
من الخيمة خرج مايل.
إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.
وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.
من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.
غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.
لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.
على مسؤوليتي
اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة
نشرت
منذ أسبوعينفي
يونيو 3, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.
لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.
غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.
فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.
ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.
أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.
لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.
لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.
ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.
° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن
ابن كيران: العزوف الانتخابي يفتح الباب لأصحاب المصالح
ميسي: دموعي بعد الهدف الأول في مرمى الجزائر بسبب “أيام صعبة”
انحسار السباق بين كوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا لتزويد المغرب بغواصات عسكرية
تنصيب الأستاذ محمد العربي كركب عضواً بأكاديمية العلوم بغرناطة الإسبانية
غارات إسرائيلية عدة على جنوب لبنان رغم الاتفاق الإيراني الأميركي
توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء
منتخب الأردن يستهل مشواره بهزيمة أمام النمسا ( 3-1)
ميسي يلتحق بالألماني كلوزه في صدارة الهدافين التاريخيين للمونديال برصيد 16 هدفا
الأرجنتين تسقط الجزائر بثلاثية ميسي التاريخية
خسارة قاسية للعراق أمام النروج و هالاند 1-4
ثنائية مبابي تقود فرنسا لبداية واعدة بفوز صريح على السنغال 3-1
مونديال 2026: إنفانتينو يحتفل بـ “مليون مشجع” حتى اللحظة!
“أسود الاطلس” يرفعون إيقاع التحضيرات تحسبا لمواجهة ضد اسكتلندا
30 قتيلا جريحا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال أسبوع
إسرائيل تجرد الفلسطينيين من صلاحيات إدارة الحرم الابراهيمي
موندبال 2026: جدول مباريات اليوم والقنوات الناقلة
“بي بي سي” تستعد لعملية واسعة لتقليص الوظائف
انخفاض سعر برميل خام برنت إلى ما دون 80 دولار
معرض “موروكو ستيتش آند تيكس” 2026: محطة استراتيجية لتسريع وتيرة الإدماج
قاليباف سيحضر توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة
تنصيب الأستاذ محمد العربي كركب عضواً بأكاديمية العلوم بغرناطة الإسبانية
فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”
مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا
اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة
هذا هو موعد مباراة المغرب ضد اسكتلندا والقنوات الناقلة
البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23
عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر
رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية
اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami
الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي
تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين
سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة
المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة
المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية
انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة
الاختيار يقع على المغربي الحسين عموتة مديرا فنيا للأهلي المصري
38 قتيلا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال أسبوع
بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء
أمريكا: تأسيس “المجلس الأطلسي المغربي / الأمريكي” لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاحتفال بيوم المغرب بولاية ميشيغان
أسرة عبد الحليم حافظ تتقدم بشكوى للديوان الملكي بسبب تنظيم حفل للعندليب
البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
الاكثر مشاهدة
-
واجهة منذ 5 ساعاتتنصيب الأستاذ محمد العربي كركب عضواً بأكاديمية العلوم بغرناطة الإسبانية
-
سياسة منذ 6 أيامفوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”
-
سياسة منذ 6 أياممراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا
-
رياضة منذ يومينهذا هو موعد مباراة المغرب ضد اسكتلندا والقنوات الناقلة
-
سياسة منذ 6 أيامالمغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة
-
واجهة منذ 4 أيامبعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء
-
منوعات منذ يومينأسرة عبد الحليم حافظ تتقدم بشكوى للديوان الملكي بسبب تنظيم حفل للعندليب
-
رياضة منذ يوم واحدموندبال 2026: جدول مباريات اليوم والقنوات الناقلة
