Connect with us

على مسؤوليتي

نقد تفكيكي لسرديات الإنقاذ في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي

نشرت

في

لم يكن “الخلاص” في السياق الفلسطيني-الإسرائيلي مجرد طموح سياسي، بل تموضع كسردية خلاصية تحاكي الميثولوجيا وتختزل التعقيد في منقذ موعود أو حدث مفصلي فاصل. فمن جهة، شُحن المشروع الصهيوني بوعد ديني-حداثي مزدوج: استعادة الأرض وبناء دولة ديمقراطية. ومن جهة مقابلة، تأسست الحركة الوطنية الفلسطينية على وعد التحرير الكامل، ثم تراجعت تدريجيًا نحو مفاوضات تُدار بمنطق الممكن لا العادل. هذا التوتر بين المثال والواقع، بين الرمز والبنية، قاد إلى انسداد ثلاثي الأبعاد: استراتيجي، سردي، ووظيفي.

أولًا: تاريخية الخلاص وتحولاته البنيوية
1. الصهيونية: خلاص بالتطهير والتفوق
سردية الضحية المتفوقة: المشروع الصهيوني يستبطن مفارقة “الضحية المتفوقة” التي تجمع بين ادعاء الاضطهاد الأخلاقي وامتلاك أدوات السيطرة العنيفة. وهو ما أنتج مفهوما “للدفاع الوقائي” يشرعن الهجوم المستمر.
التأسيس على الأسطورة: استُثمرت سردية “الخروج من الشتات” كأساس لشرعنة الطرد والإحلال، بتكثيف رموز “العودة إلى أرض الميعاد” و”إحياء العبرية” و”الأمن الذاتي” كمقومات خلاص قومي.
التناقض البنيوي بين الديمقراطية والإثنية: سعي إسرائيل لتعريف نفسها “كدولة يهودية وديمقراطية” هو تناقض لا يمكن تسويته. قانون القومية (2018) ليس سوى تتويج قانوني لمسار تمييزي طويل.

2. الفلسطينيون: من التحرير إلى البقاء
سردية الارتباك: انتقلت القضية من خطاب قومي تحرري إلى خطاب إداري/حقوقي يركّز على المعيش اليومي في ظل انسداد الأفق السياسي. المقاومة، بدل أن تكون أداة تحرر، أصبحت أداة تعبئة رمزية.
ازدواجية في المشروع الوطني: بين منطق “الدولة” الذي تسعى له فتح، ومنطق “التحرير” الذي تتبناه حماس، ضاعت بوصلة المشروع الجمعي، وتحوّل الانقسام إلى بنية حكم.
فقدان الجدوى الرمزية للقيادة: الانفصال الجغرافي (غزة/الضفة)، والسياسي (فتح/حماس)، والشرعي (تجميد الانتخابات)، فاقم من حالة فقدان الثقة في القيادة كمصدر خلاص.

3. المجتمع الدولي: وساطة بلا ضمير
تحييد البعد الأخلاقي: الخطاب الدولي تفادى المساءلة واكتفى بـ”إدارة النزاع”. عملية أوسلو حولت المحتل إلى “شريك سلام”، وغُيّب البعد الاستعماري للنزاع.
الشرعنة التقنية للاحتلال: آليات التمويل الدولي (UNDP، USAID، إلخ) خلقت اقتصادًا مموّلًا يرسّخ التبعية، وأنتجت بيروقراطية فلسطينية تخدم الاستقرار أكثر من التحرير.

ثانيًا: تفكيك الإخفاقات وصناعة الانسداد
1. الردع المستحيل ومأزق المقاومة
غياب التكافؤ الإستراتيجي: إسرائيل تملك تفوقًا نوويًا وتكنولوجيًا، بينما المقاومة الفلسطينية، رغم رمزيتها، محكومة بالتكرار والتكلفة الإنسانية الباهظة.
المقاومة بوصفها طقسًا سياسيًا: تحوّلت المقاومة المسلحة إلى أداة لتجديد الشرعية الداخلية لا وسيلة لتحقيق هدف التحرير، مما يفرغها من بعدها الإستراتيجي.

2. اقتصاد الاحتلال: ربحية العنف
تدويل المعاناة كأداة للربح: القطاع الأمني الإسرائيلي يصدر أدوات قمعه كتجربة ميدانية تم اختبارها على الفلسطينيين.
تحكم استعماري عبر التمويل: رُبطت “المساعدات” الدولية بشروط تخدم أمن إسرائيل، مثل التنسيق الأمني وبرامج التأهيل التي تُقصي البعد السياسي للقضية.

3. الهندسة الديموغرافية وإعادة إنتاج الصمت
التهجير كسياسة ناعمة: القوانين تُستخدم كأدوات تفريغ سكاني ممنهج (منع لم الشمل، سحب الهويات، تقييد البناء).
سردية “الديمقراطية المحاصَرة”: تُوظّف المخاوف الديموغرافية في إسرائيل لتبرير الفصل العنصري، بدعوى الحفاظ على “الطابع اليهودي”.

ثالثًا: من الخلاص إلى الحق – تفكيك المقدّس وتحرير المعنى
1. تفكيك بنية “الحل” الوهمي
ما بعد الدولة/الدولتين: يجب تجاوز الجدل العقيم بين حل الدولتين والدولة الواحدة، والتركيز على ضمان الحقوق غير القابلة للتصرف، كأفق تحرري جديد.
استعادة الإنسان كمركز للسردية: الفلسطيني ليس “مشروع دولة مؤجلة” بل هو ذات حرة تستحق المواطنة والعدالة والكرامة، سواء داخل فلسطين أو في الشتات.

2. ابتكار أدوات مقاومة معرفية وقانونية
تحويل المعاناة إلى معرفة: التوثيق الحقوقي يجب أن يُبنى كذاكرة استراتيجية، لا فقط كأرشيف للضحايا، بل كأداة لتحرير الخطاب.
قوة المقاطعة الرمزية: حركة BDS وأمثالها تُعيد تعريف النضال بوصفه فعلًا كونيًا ضد العنصرية، وليست مجرد تكتيك ضغط.

3. إعادة بناء الذات الوطنية كمشروع أخلاقي
من الانقسام إلى الميثاق الجمعي: استعادة الشرعية لا تمر عبر الانتخابات فحسب، بل تتطلب إنتاج ميثاق وطني مدني جامع يعيد تحديد العدو والغاية.
عدالة انتقالية توقعية: لا يكفي طلب العدالة للماضي، بل يجب بناء سردية مستقبلية تحرر المخيال الفلسطيني من الحنين وتمنحه أدوات التخيل والإبداع السياسي.

خاتمة موسعة: المعنى بدل الخلاص
ليست القضية اليوم مسألة خلاص جماعي أو انتظار حدث فاصل، بل ممارسة نقد جذري تزعزع البنية التي تنتج الاستلاب، سواء تمثل في الاحتلال أو في التواطؤ الداخلي أو في الصمت الدولي. فالتحرر ليس حالة استثنائية نبلغها، بل هو ممارسة يومية تستعيد الإنسان وتعيد بناء المعنى.

وفيما يخص البديل نقترح كمحاولة المغامرة بمقاربة نقدية لمفهوم العدالة الانتقالية في الحالة الفلسطينية، ضمن منظور يتقاطع مع تحليل بنية الاحتلال وانسداد الأفق التحرري، ويستحضر خصوصيات السياق الفلسطيني مقارنة بالتجارب الكلاسيكية للعدالة الانتقالية:

أ – مقدمة: عدالة بلا انتقال؟
تقوم العدالة الانتقالية تقليديًا على مبدأ الانتقال من حالة نزاع أو استبداد إلى نظام ديمقراطي يعترف بالضحايا ويُحاسب الجناة. لكن في السياق الفلسطيني، تطرح هذه الفرضية إشكالات جوهرية، إذ لا وجود لـ”نظام سابق” يُحاسَب، ولا انتقال فعلي نحو السيادة، بل استمرارية استعمارية تتجدد بتقنيات حديثة، وبموافقة دولية ضمنية.

أولًا: إشكالية المفهوم في ظل استعمار مستمر
1. غياب الدولة المستقلة:
العدالة الانتقالية تفترض وجود كيان سياسي سيادي قادر على إدارة العدالة. في الحالة الفلسطينية، السلطة محدودة السيادة، ومقيدة باتفاقات أوسلو، مما يجعلها عاجزة عن تنفيذ تدابير حقيقية للعدالة.

2. استمرار الجاني في السيطرة:
في أغلب تجارب العدالة الانتقالية، تكون الأنظمة القمعية قد انهارت. أما في فلسطين، فالاحتلال الإسرائيلي ما زال قائمًا، ويمتلك أدوات الإكراه والعنف والسيطرة على الأرض والمعابر والمعطيات.
3. غياب آلية الاعتراف الدولية:
العدالة الانتقالية تتطلب اعترافًا دوليًا بطبيعة الجريمة والانتهاك. بينما ما يزال الاحتلال يُصوَّر كـ”نزاع سياسي”، لا كنظام فصل عنصري استيطاني، كما أثبتته تقارير أمنيستي وهيومن رايتس ووتش.

ثانيًا: انزلاق نحو عدالة مجتزأة أو وظيفية
1. تحويل الضحية إلى متهم:
في بعض الممارسات، يتم استدعاء أدوات العدالة الانتقالية لمحاكمة الفلسطينيين أنفسهم تحت ذريعة “الانقسام”، بينما يبقى الاحتلال خارج دائرة المساءلة، مما يُفرغ المفهوم من محتواه التحرري.

2. العدالة كبديل عن التحرير:
يُروَّج أحيانًا للعدالة الانتقالية كـ”حل واقعي” بدل التحرير، ما يجعلها أداة تسكين سياسي بدل أن تكون مسارًا للمحاسبة والتحرر. وهذا يعكس توظيفًا وظيفيًا للمفهوم يخدم استقرار الاحتلال لا تقويضه.

3. المعونات بدل الجبر:
تُستبدل أحيانًا آليات الجبر (التعويض، الإقرار، إصلاح المؤسسات) ببرامج “دعم نفسي” أو “تنمية محلية”، في تجاهل لطبيعة الضرر السياسي والوجودي الواقع على الشعب الفلسطيني.

ثالثًا: نحو عدالة انتقالية توقعية ومتحررة
1. تحرير المفهوم من الدولة:
ينبغي إعادة تعريف العدالة الانتقالية في السياق الفلسطيني باعتبارها أفقًا نضاليًا لا يُنتظر من “دولة” لم تولد، بل يُمارَس عبر الأرشفة، التوثيق، المطالبة بالحقوق، والربط بين الذاكرة والمعنى.

2. عدالة تشاركية عبر الحدود:
العدالة يجب أن تشمل الفلسطينيين في الداخل، الضفة، غزة، والمخيمات. وهذا يتطلب ميثاقًا جامعًا يعيد صياغة سردية الضحية، ويربط بين النكبة كحدث تأسيسي، والاحتلال كاستمرار بنيوي.

3. دمج الحقوقي بالتحرري:
لا عدالة دون مقاومة. لذا، يجب أن تتقاطع العدالة الانتقالية مع النضال ضد الاستعمار، عبر الملاحقة القضائية الدولية، وتوظيف أدوات مثل المقاطعة BDS، والمرافعة الإعلامية، لا باعتبارها تعويضات رمزية، بل أدوات تفكيك للبنية الاستعمارية.

ب- خاتمة: من الانتقال الزائف إلى إعادة التأسيس
العدالة الانتقالية في الحالة الفلسطينية ليست لحظة ختامية لنزاع انتهى، بل مشروع نضالي مفتوح. هي عدالة توقعية، تُبنى عبر كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، ومساءلة الذات والآخر، لا كترف قانوني، بل كضرورة وجودية لاستعادة الكرامة والمعنى في سياق استعمار استيطاني معولم.
*مصطفى المنوزي

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

نشرت

في

لا نسأل الناس إن كانوا يظلمون، بل نسألهم عن إحساسهم حين يُظلَمون، وعن الأثر العميق لذلك في سلوكهم وتمثلاتهم واختياراتهم. لأن الظلم لا يختبر فقط أخلاق من يمارسه، بل يختبر، في العمق، قدرة المجتمع على حماية أفراده من التحول إلى نقيض ذواتهم. ومن هنا، لا تعود العدالة مجرد آلية قانونية لإنصاف المتضررين، بل تصبح شرطًا إنسانيًا لبقاء التوازن الأخلاقي داخل المجتمع.

فالعدالة لا تحمي الحقوق فقط، بل تحمي الإنسان من الانكسار الداخلي، ومن الانزلاق نحو منطق الانتقام، ومن التحول من ضحية إلى مشروع ظالم مؤجل. لهذا نطمح جميعًا إلى العدالة والإنصاف: ليس فقط لاسترجاع الحقوق، بل لصيانة إنسانيتنا المشتركة، وحماية المجتمع من دوامة القهر المتبادل.
في هذا السياق، يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح:
هل القضاء في خدمة المواطن، أم أن العدالة تصنع المواطن؟.

قد يبدو السؤال فلسفيًا، لكنه في جوهره سياسي ومجتمعي واستراتيجي، لأنه يحدد تصورنا لوظيفة العدالة داخل الدولة الحديثة. ففي النموذج السائد، يُنظر إلى القضاء كمرفق عمومي غايته الأساسية فضّ النزاعات وضمان الولوج إلى الحقوق. وهو تصور ضروري، لكنه يظل قاصرًا إذا اختُزلت العدالة في بعدها الإجرائي والتقني، دون استحضار وظيفتها التربوية والرمزية في بناء الوعي القانوني والسلوك المدني.

فالعدالة لا تكتفي بخدمة المواطن، بل تسهم، بوعي أو بدونه، في صناعة المواطن: في تشكيل وعيه بالحق والواجب، في ترسيخ ثقته في المؤسسات، في ضبط علاقته بالقانون، وفي تحديد أفق انخراطه في الشأن العام. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تحسين جودة الخدمات القضائية فقط، بل في الانتقال من منطق التدبير إلى منطق البناء، ومن منطق الفصل في النزاعات إلى منطق إنتاج المعنى القانوني المشترك.

يتم هذا التحول حين تتحول العدالة من مجرد جهاز لإغلاق الملفات إلى قوة رمزية لإنتاج الثقة، وحين تصبح الأحكام القضائية أدوات لتشكيل الوعي الجمعي، لا فقط قرارات تقنية لإنهاء الخصومات. ويتحقق حين يضطلع القضاء بدور فاعل في هندسة السلوك القانوني، وفي حماية المجتمع من التطبيع مع الظلم، ومن إعادة إنتاج علاقات القوة المختلة.

في هذا الأفق، تتجلى القيمة العميقة لاستقلال القضاء، لا باعتباره مبدأً مؤسساتيًا مجردًا، بل بوصفه شرطًا جوهريًا لتحول القاضي من موظف عمومي إلى فاعل مجتمعي في صناعة الإنسان المواطن. فالاستقلال القضائي لا يقتصر على تحصين القرار من التدخل، بل يمكّن القاضي من أداء دور تربوي وأخلاقي، يرسّخ ثقافة الحقوق، ويُعيد بناء الثقة المتآكلة بين المواطن والمؤسسات.

وفي قلب هذا التحول البنيوي، تحتل المحاماة موقعًا استراتيجيًا لا غنى عنه. فالمحامي ليس مجرد تقني في المنازعات، بل وسيط حضاري بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، ومترجم لمعنى العدالة في التجربة اليومية للناس. من خلال المرافعة، والتأطير، والمواكبة، يسهم المحامي في تحويل القانون من أداة قسر إلى أفق إنصاف، ومن سلطة زجر إلى مرجعية عقلانية وأخلاقية.

في منطق القضاء في خدمة المواطن، ينحصر دور المحامي في الدفاع وإدارة النزاع داخل المحكمة. أما في أفق العدالة التي تصنع المواطن، فإن المحاماة تتحول إلى قوة تربوية وتنويرية، تنشر الوعي القانوني، وتُسهم في عقلنة النزاعات قبل انفجارها، وتعمل على تحويل التقاضي من منطق الصراع إلى أفق التواصل والإنصاف.

من هنا، فإن أي مشروع لإصلاح العدالة يظل ناقصًا ما لم يُدمج فيه تصور استراتيجي لمكانة المحاماة ووظيفتها المجتمعية. فالتضييق على هذه المهنة أو اختزالها في بعدها الإجرائي لا يهدد فقط استقلالها، بل يقوّض فلسفة العدالة ذاتها، ويفرغ مفهوم الأمن القضائي من مضمونه الإنساني والرمزي.
نحن، إذن، أمام مفترق طرق:
إما عدالة تكتفي بتدبير النزاعات، فتُنتج مواطنًا متذمرًا، هشّ الثقة، سريع الانكسار؛
وإما عدالة تصنع المواطن، فتُنتج إنسانًا واعيًا بحقوقه وواجباته، قادرًا على تحويل الغضب إلى وعي، والألم إلى مطلب إصلاحي، والاحتجاج إلى فعل مدني مسؤول.

وفي قلب هذا الاختيار، تتموضع المحاماة والقضاء المستقل في صميم المعركة الرمزية من أجل عدالة ذات معنى: عدالة لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تشتغل على شروط عدم اندلاعها أصلًا.

من هنا يكتسب سؤال مشروع قانون مهنة المحاماة بعده الاستراتيجي:
هل استحضر هذا المشروع الخلفيات العميقة للتحول المنشود في فلسفة العدالة؟ وهل انسجم مع رهانات المشروع التنموي الجديد، القائم على بناء الثقة، وتعزيز المشاركة، وصناعة المواطن بدل تدبير شكاياته وتظلماته فقط؟ أم أننا ما نزال أسرى مقاربة تقنية اختزالية، تعالج الأعراض بدل مساءلة الجذور، وتدير الأزمة.

إن المطلوب في آخر التحليل تأطير المفهوم الجديد للسلطة بمقتضيات المعنى الحديث للعدالة وفلسفة الحق والقانون !

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

من تضخيم الانتظارات إلى تفكيك الخيبة: نحو تضامن نقدي مع المنتخب الوطني

نشرت

في

ضخّمتم انتظارات الجماهير الرياضية، فارتفعت منسوبات الأمل إلى سقوف غير مسبوقة، وتحوّل الحلم الجماعي إلى وعد قريب المنال، قبل أن تأتي النتيجة مخيبة، جارحة في رمزيتها، وقاسية في وقعها النفسي. غير أن الخيبة، مهما اشتدّت، لا ينبغي أن تكون لحظة انكسار نهائي، ولا مدخلاً لتصفية الحسابات السهلة، ولا ذريعة للانسحاب من الفضاء العمومي المشترك. بل قد تكون، إذا ما أحسنّا قراءتها، فرصة نادرة لإعادة بناء المعنى، وترميم الثقة، وتصحيح المسار.

من هذا المنطلق، نختار موقع التضامن النقدي مع منتخبنا الوطني: تضامن لا يختبئ خلف خطاب التبرير، ولا يستسلم لمنطق الشتم والتجريح، بل ينتصب في منطقة وسطى مسؤولة، تجمع بين الانتماء واليقظة، بين الغيرة الوطنية والمساءلة الصارمة. فنحن لا نناصر المنتخب لأنه انتصر فقط، بل لأنه يمثلنا، ولأن فشله – كما نجاحه – شأن عمومي يخص المجتمع برمّته، ويعكس عمق اختلالات بنيوية تتجاوز المستطيل الأخضر.
لقد اعتدنا في ثقافتنا الرياضية، كما في غيرها من الحقول، على تضخيم الوعود، ورفع سقف الانتظارات دون بناء شروطها الواقعية. نراكم الخطابات الاحتفالية، ونستسهل صناعة الأبطال، ونستثمر العاطفة الجماعية دون استثمار موازٍ في البنيات، والتكوين، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعندما تقع الخيبة، نبحث عن كبش فداء: مدرب، لاعب، حكم، أو حتى الحظ، دون أن نجرؤ على مساءلة المنظومة بأكملها، بمن فيها ومن يديرها، ومن يستفيد من أعطابها.

التضامن النقدي، في هذا السياق، ليس موقفًا عاطفيًا، بل هو اختيار أخلاقي وسياسي. أخلاقي، لأنه يرفض تحويل الإخفاق إلى مناسبة للإهانة الجماعية، ويصون كرامة الفاعلين مهما أخطؤوا. وسياسي، لأنه يربط الرياضة بالسياسات العمومية، وبأنماط التدبير، وبشبكات المصالح، وبامتدادات الفساد التي تنخر كثيرًا من القطاعات، بما فيها القطاع الرياضي.

فنحن تشاركيون حتى في الإخفاقات العمومية. نعتبر أن الفشل لا يخص فاعلًا بعينه، بل هو نتيجة تراكبية لاختيارات استراتيجية، ولنمط حكامة، ولمستوى شفافية، ولمدى احترام قواعد الاستحقاق والكفاءة. ولذلك، فإن الخيبة لا ينبغي أن تُدار بمنطق التسكين أو الإنكار، بل بمنطق التشخيص العميق والإصلاح الجذري.

إن التفاؤل النقدي الذي ندعو إليه لا يعني إنكار الألم، ولا تزييف الواقع، بل يعني تحويل الخيبة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء المنظومة الرياضية على أسس جديدة: أسس النزاهة، والعدالة، والاستثمار في الإنسان، وربط الرياضة بالتربية، وبالمدرسة، وبالقيم المدنية. تفاؤل يجعل من النقد أداة للتحرير لا للهدم، ومن الغضب طاقة للتغيير لا وقودًا لليأس.

ولعل أخطر ما قد ينتج عن الإخفاق ليس الهزيمة في حد ذاتها، بل تطبيع المجتمع مع الرداءة، وترويضه على قبول الفشل باعتباره قدرًا لا يُردّ. هنا بالضبط تتقاطع الرياضة مع السياسة، وتتحول الملاعب إلى مرايا تعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة: هل هي علاقة ثقة ومساءلة، أم علاقة استهلاك عاطفي وتفويض أعمى؟.

إن بناء منتخب قوي لا يبدأ من تغيير المدرب فقط، ولا من ضخ الأموال وحدها، بل من بناء منظومة وطنية متكاملة، تقطع مع الريع، وتحاصر الفساد، وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص، وتستثمر في التكوين القاعدي، وتربط الإنجاز الرياضي بالعدالة المجالية وبالتنمية البشرية. عندها فقط، يمكن للأمل أن يتحول من شعور عابر إلى مشروع وطني مستدام.

وفي انتظار ذلك، نختار أن نتضامن نقديًا مع منتخبنا: نسانده دون أن نقدّسه، وننتقده دون أن نجلده، ونؤمن بأن الوطنية الحقة لا تُقاس بارتفاع التصفيق في لحظة الانتصار، بل بعمق المسؤولية في زمن الخيبة. فهنا، فقط، تُختبر صدقية الانتماء، وتُبنى شروط المستقبل.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

خدمات المحامين غير عمومية و ليست سلعة للاستهلاك

نشرت

في

من حق حكومة الدولة ومهندسيها القانونيين والأمنيين، أن يدافعوا عن منتوجاتهم التشريعية ، ولكن ينبغي رفع إيقاع الجدال والسجال إلى مستوى مقبول ينتج المعنى والحقيقة السياسية ؛ فلا يعقل تحفيز، حتى لا نقول تسخير أو تحريض الأقلام الموالية لمناهضة الحق في التعبير السلمي ؛ لأن كل أمننة للصراع القانوني والحوار الحقوقي يعد عنفا معنويا ورمزيا خاضع للمسؤولية القانونية ، من شأنه تقويض كل التسويات المتراكمة ، منذ إطلاق يافطة المفهوم الجديد للسلطة.

لذلك و في أفق إرساء المفهوم الجديد للعدل ، والذي لا يعني سوى تكريس الإعتراف وترسيخ الإنصاف ؛ فإنه حان الوقت للتنبيه ؛ لأن الدولة مسؤولة عن موظفيها العموميين والفعليين ( بقوة الواقع والضرورة ) ؛ التنبيه بأنه على بعض الإعلاميين وثلة من الحقوقيين، ولا سيما من يشتغلون تحت يافطة حماية المستهلك، أن يُميّزوا تمييزًا دقيقًا بين الخدمات العمومية التي تلتزم الدولة بتوفيرها وضمان استمراريتها، وبين الخدمات الحرة التي يزاولها المحامون وباقي المهنيين القانونيين في إطار تعاقدي خاص.

فالدفاع والخدمات المهنية، فضلًا عن كونها لا تختزل في منطق السلعة الاستهلاكية، تخضع أساسًا لمنطق الالتزام التعاقدي الذي يؤطره القانون، وينظم حقوق وواجبات الأطراف، ويحدد آليات فضّ النزاعات الثنائية الناشئة عنها. وبناءً عليه، فإن المسؤولية المهنية للمحامي هي مسؤولية تعاقدية محضة، لا تقوم إلا في مواجهة موكله، وداخل حدود التفويض الممنوح له، ووفق الضوابط القانونية والمهنية المؤطرة للممارسة.

وعليه، فإن إقحام جمعيات حماية المستهلكين في النقاش المتعلق بتوقف المحامين عن العمل، بزعم الإضرار بالمتقاضين، يفتقر إلى السند القانوني والمنطقي، ما دام الأمر لا يتعلق بخدمة عمومية ملزمة للدولة، ولا بعلاقة استهلاكية جماعية. فالتمثيل القانوني لا يُفرض على أحد، ولا يُمارس إلا بناءً على تكليف فردي ومحدد في كل قضية على حدة، يصدر عن كل زبون بمحض إرادته. أما الادعاء بالدفاع عن مصلحة المتقاضين على نحو جماعي، فهذا منطق مقبول كحقيقة إعلامية ولا ترتقي حتى إلى مستوى الفضالة ( النيابة دون تكليف ومنها تشتق عبارة الفضولي وينظمها قانون الإلتزامات والعقود في باب أشباه الوكالة ) ؛ و الوكالة الصريحة لا تستقيم قانونًا إلا إذا توفرت الجمعية المعنية على صفة المنفعة العمومية، وثبت قيامها بتفويض صريح ومباشر من الأطراف المعنية، وهو ما يجعل من هذا الخطاب أقرب إلى التوظيف الرمزي والضغط الإعلامي منه إلى ممارسة حقوقية مسؤولة ؛ ولذلك وجب الحذر فليس كل ناشط حقوقي ضحية وليس كل ضحية مناضل حقوقي ! .

ناهيك عن أن توقف المحامين عن العمل لا يندرج في خانة الإضرار بالمتقاضين، بل يندرج، في عمقه الحقوقي والدستوري، ضمن حمايتهم وصون حقهم في الولوج العادل والمنصف إلى القضاء، وضمان حق الدفاع الحر والواعي والمسؤول. ذلك أن هذا التوقف لم يكن فعل تعطيل عبثي، وإنما ردًّا احتجاجيًا مشروعًا على تضخم الاشتراطات التعسفية التي جاء بها مشروع القانون المنظم للمهنة، كما حملتها أيضًا التعديلات المقترحة في المسطرتين الجنائية والمدنية، بما يهدد بتحويل العدالة من فضاء للإنصاف إلى مجال للتقييد والتعقيد والإقصاء الرمزي والمادي.

ومن ثم، فإن منطق الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تصحيح الخطأ بخطأ أكبر منه، ولا على معالجة أعطاب المنظومة بتشديد القيود عليها، ولا على ترميم الثقة بتقويض أسسها. وقد صدق من قال: لا يُعقل إصلاح الخطأ بالخطأ، وبالأحرى إصلاح الحرية والاستقلالية بالإعدام! لأن إعدام حرية الدفاع واستقلالية المحاماة هو في جوهره إعدام لشروط العدالة ذاتها، ومسّ مباشر بضمانات المحاكمة العادلة، وتقويض خطير للأمن القضائي، بما يحمله ذلك من آثار ارتدادية على الثقة في الدولة ومؤسساتها.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
سياسة منذ 8 ساعات

الإتحاد الأوربي يتبنى موقفاً مشتركاً يدعم الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية

على مسؤوليتي منذ 8 ساعات

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

منوعات منذ 10 ساعات

بوعلام صنصال ينتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية

واجهة منذ 10 ساعات

القصر الكبير .. تعبئة متواصلة لتدبير مخاطر ارتفاع منسوب وادي اللوكوس

دولي منذ 11 ساعة

العثور على الممثلة السورية هدى شعراوي مقتولة في منزلها في دمشق

دولي منذ 12 ساعة

الاتحاد الأوروبي يصنف الحرس الثوري الإيراني منظمة “إرهابية”

واجهة منذ 13 ساعة

بلاغ: إغلاق مطار تطوان-سانية الرمل بشكل مؤقت

واجهة منذ 14 ساعة

الجيش الجزائري يعلن قتل ثلاثة “مهربي مخدرات مسلحين” مغاربة

مجتمع منذ 15 ساعة

القصر الكبير .. الجهود متواصلة لحماية الأحياء السكنية المهددة بالفيضانات

على مسؤوليتي منذ 16 ساعة

من تضخيم الانتظارات إلى تفكيك الخيبة: نحو تضامن نقدي مع المنتخب الوطني

اقتصاد منذ 17 ساعة

المداخيل الجمركية بالمغرب تتجاوز 100 مليار درهم

اقتصاد منذ 18 ساعة

مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا تتجاوز نظيرتها العاملة بالبنزين

مجتمع منذ 19 ساعة

إضراب وطني في التعليم و اعتصام أمام مقر الوزارة

واجهة منذ 21 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم الخميس

رياضة منذ 22 ساعة

نهائي الكان: عقوبات بالجملة على السنغال والمغرب

واجهة منذ 23 ساعة

حالة استنفار قصوى بالقصر الكبير بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس

رياضة منذ يوم واحد

أبطال أوروبا: ريال مدريد يخوض الملحق بخسارته أمام بنفيكا 2-4

رياضة منذ يوم واحد

أبطال أوروبا: برشلونة يقلب الطاولة على كوبنهاغن ويعبر إلى ثمن النهائي

اقتصاد منذ يوم واحد

عجز الميزانية يبلغ 61,6 مليار درهم عند متم 2025

رياضة منذ يوم واحد

الجيش الملكي سيدات ينهزم أمام أرسنال (6-0)

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

غزلان أزندور تكتب..عندما تتحول المدرجات الى مرآة

منوعات منذ أسبوعين

أبرز المعلومات عن زوجة ياسين بونو (صور)

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

من اللعب النظيف إلى العدالة المستقلة: كيف تكتمل الفرحة الوطنية؟

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

جيل Z في الشارع وولي العهد في الخلفية..

على مسؤوليتي منذ 7 أيام

ما الذي نؤجله حين نختار الكراهية؟..عزلان أزندور

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

مصطفى المنوزي يكتب: من أجل آلية لتقييم وتقويم السياسة القضائية

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

في باب التمييز بين المنطق البلاغي والإستدلال الحجاجي

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

مصطفى المنوزي يكتب: حين تتحول الرياضة إلى حرب بالوكالة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

حين يتحول تشريع المحاماة إلى تفريط في السيادة القانونية

على مسؤوليتي منذ 4 أيام

حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

(CAN 2025): الرياضة أمام اختبار المسؤولية الإعلامية

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

سعيد الكحل يكتب…اللهم كثّر حسادنا

رياضة منذ 6 أيام

لاعبو شبيبة القبائل يهدّدون بـ “مقاطعة” لقاء الجيش الملكي

رياضة منذ أسبوعين

انطلاق استعدادات المنتخب الوطني للقاء السنغال

على مسؤوليتي منذ 7 أيام

عندما تتحول التحالفات إلى أدوات ابتزاز في عالم متحوّل

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

في الحاجة إلى ترشيد الخطاب المؤسستي لمقاومة الإنهيار القيمي

رياضة منذ أسبوعين

هدا هو موعد مباراة نهائي “الكان” بين المغرب والسنغال

رياضة منذ أسبوع واحد

عقوبات صارمة في انتظار السنغال بسبب نهائي أفريقيا

رياضة منذ يومين

النهائي الفوضوي لأمم إفريقيا: الاتحاد السنغالي يمثل أمام كاف

منوعات منذ أسبوع واحد

محمد رمضان: لهذا السبب تم استبعادي من حفل ختام أمم إفريقيا

واجهة منذ 3 أسابيع

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ شهرين

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 3 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 3 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 6 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 7 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 8 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 9 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 9 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 9 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 10 أشهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 10 أشهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 10 أشهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 10 أشهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 11 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يكشف مراحل الصراع بين الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد (الجزء الأول)

الجديد TV منذ سنتين

تفاصيل تحكى لأول مرة عن اغتيال الشهيد عمر بن حلون (الحلقة الثانية)

الجديد TV منذ سنتين

و شهد شاهد من أهلها..حقائق تكشف لأول مرة عن اغتيال الشهيد عمر بن جلون

الاكثر مشاهدة