على مسؤوليتي
سعيد الكحل: ملاحظات على البيان الختامي للمؤتمر9 للبيجيدي
نشرت
منذ سنة واحدةفي
بواسطة
حسن لمزالي
إن البيان الختامي الصادر عن المؤتمر التاسع لحزب العدالة والتنمية، ونظرا لدقة الظرفية التي يمر بها الحزب، والمرتبطة بوضعيته السياسية بسبب فشله في الانتخابات التشريعية التي أزاحته عن صدارة النتائج وعن قيادة الحكومة بعد عِقد من الرئاسة، ليحتل المرتبة الثامنة فيلتحق ـ كرهاـ بالمعارضة؛ ثم وضعيته التنظيمية التي أفقدته نصف أعضائه وقيادات بارزة من الصف الأول؛ يسمح ــ البيان ــ بتسجيل الملاحظات التالية:
1 ـ هاجس إبراء ذمة الحزب: شكل توقيع الحزب، في شخص أمينه العام ورئيس الحكومة السابق، السيد سعد الدين العثماني، على اتفاقية أبراهام واستئناف العلاقات مع إسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على الصحراء، حرجا كبيرا للحزب الذي اتخذ من القضية الفلسطينية أسّا جوهريا في منظومته الإيديولوجية وشعارا مركزيا في كل معاركه السياسية. ومن أجل التخلص من هذا الحرج وإبراء ذمته من تبعاته السياسية والتنظيمية والإيديولوجية، ركز المؤتمر، سواء في كلمة أمينه العام أو في بيانه الختامي، على محورية القضية الفلسطينية بالنسبة للحزب، دفعا لك مَعرّة أو شبهة. لأجل هذا خصص المؤتمر حيزا مهما في البيان الختامي، للقضية الفلسطينية.
*القضية الفلسطينية 36 سطر، 5 فقرات
*كلمة فلسطين 18 مرة
*الصهيونية 11 مرة
*الإبادة 4 مرات
*غزة 3 مرات
إن مصدر الحرج ليس القضية الفلسطينية ومسألة “التطبيع”، بل رهان الحزب على توظيف القضية كأصل تجاري يزايد بها على خصومه السياسيين، وتُمكّنه من استغلال التعاطف الشعبي مع القضية في كسب أصوات الناخبين. وهذا ما نوه به المؤتمر في بيانه الختامي “وإذ يشيد المؤتمر بالمسار الإيجابي الذي عرفه الحزب منذ المؤتمر الاستثنائي لسنة 2021، وما حققه من مكاسب على طريق استعادة الحزب للمبادرة واسترجاعه لمكانته ودوره وإشعاعه خاصة في القضايا الرئيسة التي تهم الأمة والوطن”.
لم يستطع الحزب إعادة ترتيب القضايا ذات الأولوية بالنسبة إليه، إذ ظل يضع القضية الفلسطينية على رأس القضايا متقدمة عن قضية الوحدة الترابية للمغرب، رغم إشادته بمواقف جلالة الملك، رئيس لجنة القدس، الداعمة للفلسطينيين والمشددة على حقهم في إقامة دولتهم المستقلة. فبيان المؤتمر لم يُول قضية الوحدة الترابية نفس الأهمية والمركزية التي خصصها للقضية الفلسطينية. ذلك أن البيان خصص للصحراء المغربية فقرتين من 11 سطرا، وتكررت كلمة الصحراء ثلاث (3) مرات فقط.
2 ـ هاجس رد الاعتبار للحزب: (أنا وحدي نضوي البلاد).
لم يستسغ الحزب الهزيمة المدوية التي مني بها في انتخابات 8 شتنبر 2021، والتي أساء قراءتها بإرجاع أسبابها إلى تدخل الدولة بدل الإقرار بفشله في تحقيق وعوده الانتخابية وتحسين مستوى عيش المواطنين. ولعل الغصة التي تسببت فيها هزيمة 8 شتنبر، جعلت الحزب يحكم على المسار السياسي بالفشل الذريع: “يسجل المؤتمر للأسف تعرض مسار البناء الديموقراطي ببلادنا في السنوات الأخيرة لتراجعات مست مصداقيته”. وقد ركز المؤتمر في بيانه الختامي على مسألتين اعتبرها المؤتمرون أساسيتين:
أ ـ الأداء الحكومي الذي هاجمه بشدة مخصصا له حيزا أوفر في البيان (163 سطرا من أصل 188 سطر المخصصة للجانب السياسي). إذ لم يكتف البيان بانتقاد الحكومة، بل حمّلها نتائج قرارات حزب العدالة والتنمية التي اتخذها حين كان يقودها: “يعتبر المؤتمر أن الفشل الحكومي برز بشكل أكثر حدة في المجال الاقتصادي والتنموي، سواء من خلال عجز الحكومة عن مواصلة وليس إطلاق الإصلاحات الكبرى وخاصة المقاصة والتقاعد، أو في اعتماد سياسة ضريبية جمركية محفزة للاستثمار وإنتاج الثروة او في حماية المالية العمومية من الانهيار”. وقد بالغ البيان في اعتبار إزاحة البيجيدي عن صدارة الانتخابات وقيادة الحكومة فشلا وانتكاسة “للمسار الديمقراطي”. فمعيار الديمقراطية ومصداقية المؤسسات التمثيلية وشرعيتها، حسب البيان، هو استمرار البيجيدي على رأس الحكومة: “يسجل المؤتمر للأسف تعرض مسار البناء الديموقراطي ببلادنا في السنوات الأخيرة لتراجعات مست مصداقيته، وأثرت سلبا على ثقة المواطن في جدوى المشاركة السياسية والعملية الانتخابية وما تفرزه من مؤسسات هشة فاقدة للثقة والمصداقية وبدون شرعية حقيقية”.
ب ـ تجربة البيجيدي الحكومية التي جعل منها المؤتمر مرجعا ونموذجا للنجاح في تدبير الشأن العام: “وإذ يذكر المؤتمر بالعمل الجاد والمسؤول والشجاعة السياسية لحكومة العدالة والتنمية لما تمكنت اليوم هذه الحكومة من التوفر على 100 مليار درهم من اعتمادات مالية بفضل إصلاح نظام المقاصة لتمويل الاستثمار والتعليم والصحة وورش تعميم الحماية الاجتماعية، فإن الحكومة اليوم عاجزة عن بلورة وتنزيل إصلاح طموح وشجاع ومسؤول لاستكمال إصلاح منظومة المقاصة”.
لقد تجاهل المؤتمر في بيانه مسؤولية الحزب على رأس الحكومة في توفير أسباب الغلاء والفساد والتهرب الضريبي بما اتخذه من قرارات وإجراءات مست مباشرة بالقدرة الشرائية لغالبية المواطنين، وفي مقدمتها تحرير أسعار المحروقات دون اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تغول شركات التوزيع.
حبل الكذب قصير.
إن تركيز بيان المؤتمر على انتقاد الحكومة بسبب “تراجع بلادنا في مؤشر إدراك الفساد، من المركز 86 في سنة 2020 إلى المركز 99 في سنة 2024، يفقد مصداقيته. ذلك أن هذا التراجع لم يقترن بتجربة حكومة عزيز أخنوش، وإنما وفرت له حكومة البيجيدي، طيلة عقد من الزمن، كل أسباب التردي وتفشي الفساد والرشوة.
إذ لم تشكل تلك الفترة قطيعة مع الفساد ولا حربا ضد الفاسدين؛ بل ظل المغرب يحتل المراتب المتدنية في مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية (احتل المغرب المرتبة 88 عالمياً سنة 2015، وفي 2016 احتل المرتبة 90 عالمياً، وفي 2017 احتل الرتبة 81، وفي 2018 احتل المرتبة 73، وسنة 2019 احتل الرتبة 80، ثم الـمرتبة 86 عالميا سنة 2020، وفي 2021، وهي آخر سنة من ولاية حكومة البيجيدي، احتل المغرب المترتبة 87). علما أن حكومة البيجيدي كانت تتوفر على الاستراتيجية الوطنيـة لمكافحة الفسـاد (تم وضعها سنة 2015 وتم تحيين صيغتها سنة 2018) فضلا عن مؤسسات الحكامة بما في ذلك الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومؤسسة الوسيط ومجلس المنافسة.
لقد فشلت حكومة البيجيدي فيما فشلت فيه حكومة أخنوش. لهذا تفقد الانتقادات التي يوجهها البيجيدي للحكومة موضوعيتها، كما تفقد وعوده “الإصلاحية” مصداقيتها مادام لم يف بما رفعه من شعارات وما قدمه من وعود سنة 2011، ومنها “تحسين ترتيب المغرب في مؤشر مناهضة الفساد العالمي إلى 40 “؛ علما أن رتبة المغرب سنة 2010 كانت 85. ومن أجل بيان فشل حكومة البيجيدي الذريع، نذكّر أصحاب البيان أنهم تسلّموا المغرب وهو يحتل المركز 114 في مؤشر التنمية سنة 2011، وسلّموه لحكومة أخنوش وهو يحتل المركز 121 من أصل 189 دولة شملها التصنيف سنة 2020. أما بخصوص معدلات النمو فيجدر تذكير قيادة البيجيدي أن المغرب حقق معدلات نمو اقتصادي مهمة قبل 2012: 7.57 % سنة 2006 ، 5.92 % سنة 2008 و 5.2 % سنة 2011. وما أن تسلم الحزب رئاسة الحكومة حتى بدأت نسب النمو في الانهيار: 3 % خلال سنوات 2012 و2014 و2018 حسب أرقام البنك الدولي، 1.06 % سنة 2016.
الديون الخارجية. يقول المثل الشعبي “الشبكة تضحك على الغربال”. وهذا ينطبق على البيجيدي الذي انتقد الحكومة وحذرها من “مغبة استنزاف المالية العمومية واللجوء المفرط إلى الاستدانة”. وقد تناسى الحزب كيف أغرق البلاد بالديون الخارجية في مدة زمنية قصيرة، دون أن ينعكس ذلك إيجابيا على القدرة الشرائية للمواطنين. علما أن البيجيدي ألغى صندوق المقاصة وحرر أسعار المحروقات. ورغم ذلك ارتفعت الديون الخارجية للمغرب من 22.04 مليار دولار نهاية 2011 إلى 32.08 مليار دولار سنة 2016، أي في عهد حكومة بنكيران (2012 بلغت 25.22 مليار دولار، 28.8 مليار دولار في 2013، لترتفع إلى 30.72 مليار دولار سنة 2014). أما حكومة سعد الدين العثماني فقد أنهت ولايتها بوصول الدين الخارجي سنة 2021 إلى 65.373 مليار دولار. لم يستحضر البيان تحذير المندوبية السامية للتخطيط، بعد أن وصل إجمالي ديون المغرب العمومية نحو 81.6 في المائة من الناتج الإجمالي عام 2017.
التطبيع والوحدة الترابية. “يأكلون الغلة ويسبون الملة”.
لم يكن منتظرا من البيجيدي أن يغير موقفه من التطبيع واستئناف المغرب للعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ولا كان منتظرا منه أن يجعل الوحدة الترابية قضيته الأولى، كما هي عند جميع المغاربة باستثناء لخوانجية وذيولهم المتياسرة؛ إلا أن تثمينه للنجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية وتوالي الاعتراف بمغربية الصحراء من دول وازنة لها عضوية دائمة بمجلس الأمن، ليس إلا نفاقا وتنكّرا للدعم الأمريكي والإسرائيلي للمغرب ولقضيته الوطنية الأولى، التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الحل النهائي: “ننوه ونثمن ما شهدته هذه القضية الوطنية من تطورات دالة تحت قيادة جلالة الملك وذلك على طريق الحسم النهائي لهذا الملف في إطار المسار الوحيد المعتمد داخل الأمم المتحدة والمتمثلة في المواقف الإيجابية لعدد من الدول الأساسية كإسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وقبلهم الولايات المتحدة الأمريكية”. لهذا، وبكل خسة وصفاقة، دعا البيان إلى “إغلاق مكتب الاتصال الصهيوني كما حصل في نهاية سنة 2000 عندما تم الاعتداء على المسجد الأقصى، وحل ما يسمى زورا لجنة “الصداقة” البرلمانية مع الكيان الصهيوني الغاصب، وإلغاء كل الاتفاقيات مع العدو الصهيوني وإنهاء كل شكل من أشكال التعامل معه”.
بهذه الدعوة الخسيسة يثبت البيجيدي أن قضية الوحدة الترابية لا تعنيه قدر ما تعنيه قضية غزة التي يتاجر بها لأهداف لا علاقة لها بغزة ولا بفلسطين. فالحزب الذي تحمّس أمينه العام للجهاد في أفغانستان دون فلسطين لا تهمه إطلاقا غزة ولا تازة. لهذا وجب تذكير أصحاب البيان الذين هم مجرد محررين لما يمليه عليهم بنكيران، بأن هذا الأخير ساند سعد الدين العثماني بعد التوقيع على “التطبيع” وانتصر له بمبرر أنه “لا يمكن خذلان الدولة في قضية حرجة”، وأن “المغرب يعرف ما يفعل وجلالة الملك يعرف مصلحة البلاد”.
فما الذي تغير حتى ينقلب بنكيران على نفسه إلا أن يكون نفاقا أو متاجرة بغزة. وفي الحالتين فإن مؤتمر البيجيدي يخرج عن الإجماع المغربي وعن الثوابت الوطنية، ويرفض اعتبار الصحراء المغربية هي النظارة التي يرى ويتعامل بها تطبيقا للتوجيهات الملكية، خصوصا بدعوته أحد أعداء وحدتنا الترابية ـ ولد الددوـ إلى حضور مؤتمره، ثم نعت أمينه العام لمخالفيه وحَمَلة شعار “تازة قبل غزة” بأقذع النعوت: “خونة”، “حمير”، ميكروبات”. ولكن ” كن كان الخيْر فْ مُوكَا ﯕاعْ ما يْخلّيوْها الصّيَّادة”.
قد يعجبك
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: واقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات
نشرت
منذ 30 دقيقةفي
مايو 25, 2026بواسطة
سعيد لكحل
خلال العقدين الأخيرين، غيّرت شبكات التواصل الاجتماعي طبيعة المجال العمومي بصورة جذرية. فإذا كانت وسائل الإعلام التقليدية لعقود طويلة تتحكم في إنتاج المعلومة وتحديد أولويات النقاش العام، فإن المنصات الرقمية قلبت المعادلة ومنحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على التعبير والتأثير والمشاركة في صناعة الرأي العام، بل وفي التأثير على قرارات الحكومات. وإذا كان وجود نقاش عمومي قوي حول السياسات العمومية يعد مؤشراً صحياً على حيوية المجتمع، فإن الإشكال يبدأ عندما يتجاوز النقد مساءلة أداء المؤسسات إلى التشكيك في جدواها ومصداقيتها.
*حين يصبح الفضاء الرقمي بديلاً عن المؤسسات.
يبدو جليا للعيان كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة للصراعات المنفلتة من أطرها التقليدية (أحزاب، نقابات، برلمانات..) حيث انتقل جزء من المواطنين من منطق “التأثير على المؤسسات” إلى منطق “الاستغناء عن المؤسسات”. ويتجلى هذا التغير في تحويل الفضاء الرقمي إلى مؤسسات موازية (محكمة عند النزاعات، أو برلمان عند المطالب السياسية، أو أحزاب ونقابات للترافع). إذ يكفي وسم (هاشتاغ)، أو بث مباشر، أو حملة رقمية لإصدار أحكام نهائية في قضايا معقدة. هذه الظاهرة تخلق ما يسميه بعض الباحثين “الديمقراطية الانفعالية”، حيث تصبح الشعبية الرقمية بديلاً عن الشرعية الدستورية، والتحليل الديماغوجي بديلا عن التحليل المنطقي.
هذا التحول لا يحدث بالصدفة، بل يرتبط بطبيعة البيئة الرقمية نفسها. إذ تعتمد أغلب المنصات على اقتصاد الانتباه؛ أي أن قيمة المحتوى تقاس بقدرته على جذب التفاعل. ذلك أن خوارزميات المنصات تكافئ المحتوى الذي يثير التفاعل والانفعال أكثر من المحتوى الذي يقدم الشرح والتحليل؛ وبذلك يحقق التشكيك انتشاراً أكبر من التفسير. إذ يكفي النظر إلى الطريقة التي تُناقش بها القضايا العمومية على المنصات ليدرك المرء أنه عندما يُطرح ملف اجتماعي معقد ــ مثل إصلاح التعليم أو ارتفاع الأسعار أو التشغيل ــ يبدأ النقاش عادة بمساءلة القرارات الحكومية، لكنه يتحول تدريجياً إلى أحكام عامة: “كل الأحزاب متشابهة”، “البرلمان صوري”، “المؤسسات لا تمثل الشعب”، “نتائج الانتخابات متحكم فيها”.
إن هذا المنحى الذي اتخذه النقاش في مواقع التواصل الاجتماعي يشكل تحدياً خاصاً في المغرب، لأن البناء المؤسساتي خلال العقود الأخيرة قام على توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز استقلال المؤسسات، وإقرار آليات دستورية للمراقبة والتوازن؛ بحيث أصبح المواطن أكثر حضوراً في النقاش العمومي، وارتفعت وتيرة مساءلة المسؤولين، مما نتج عنه تراجع قدرة المؤسسات على احتكار السردية الرسمية للأحداث. لكن هذه الآليات تفقد جزءاً من فعاليتها عندما يصبح الرأي العام أسير الإيقاع السريع للمنصات، فيفقد توازنه.
وهنا تكمن خطورة التحديات التي تواجه الديمقراطيات الفتية، ومنها تلك المرتبطة بالشبكات الاجتماعية التي لم تعد تقتصر على نشر الأخبار الزائفة أو شن حملات التشهير، بل أصبحت تمس إحدى الركائز الأساسية لاستقرار الدولة الحديثة، أي تهدد شرعية المؤسسات وثقة المواطنين فيها. وما يزيد من خطورة المنصات الإلكترونية تجنيد ما يمسى بالذباب الإلكتروني، سواء من طرف جهات داخلية أو خارجية معادية للنظام وللدولة، للعبث بالرأي العام عبر التحكم في انفعالاته وتوجيه مواقفه (نموذج ما سمي بجيل Z، مزارع الذباب الإلكتروني التي أنشأها النظام الجزائري بهدف مهاجمة الرموز والمؤسسات وتاريخ المملكة، بالإضافة إلى محاولة خلق تفرقة داخلية والتشويش على المواقف السيادية للمغرب).
في السنوات الأخيرة، برز على المنصات الرقمية المغربية نمط متكرر من الخطاب يقوم على اختزال مؤسسات دستورية كاملة في أخطاء أو قرارات ظرفية، ثم تعميم الاتهام ليشمل المؤسسة ذاتها. فتتحول أخطاء إدارة أو مسؤول إلى دليل على فشل الدولة، أو يصبح قرار حكومي غير شعبي مبرراً للطعن في جدوى المؤسسات المنتخبة نفسها. وقد استغلت التنظيمات المعارضة للنظام المنصات الرقمية لذات الغاية حتى بات الطعن في شرعية المؤسسات الدستورية ومصداقيتها خبزها اليومي (نموذج عدلاوة ونهجاوة وعملاء الكابرات).
هذا التحول لا يقتصر على المغرب، بل أصبح موضوع نقاش عالمي. فقد أظهرت دراسات عديدة أن المنصات الرقمية، بفعل خوارزميات التفاعل، تميل إلى منح انتشار أكبر للمحتوى الصادم والغاضب والاتهامي مقارنة بالمحتوى التحليلي المتزن. في هذا السياق، يصبح الخطاب الشعبوي أكثر قدرة على الانتشار من الخطاب المؤسساتي الهادئ. فمقاطع قصيرة تتضمن اتهامات عامة أو نظريات مؤامرة قد تحقق ملايين المشاهدات خلال ساعات، بينما تحتاج البيانات الرسمية أو الشروحات القانونية إلى وقت واهتمام لا توفره بيئة الاستهلاك السريع للمعلومة. وهنا يظهر أحد أكبر التحديات أمام المؤسسات الدستورية المغربية: المنافسة غير المتكافئة بين القرار المؤسسي الذي يخضع للمساطر والقانون، وبين محتوى رقمي لحظي لا يخضع غالباً لأي معايير للتحقق.
* الشفافية في مواجهة التشكيك.
إن مواجهة الشعوبية وسوء استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في تهييج الرأي العام ضد مؤسسات الدولة تستوجب بناء مناعة مؤسساتية ورقمية عبر ضمان الشفافية وجودة التواصل وربط المسؤولية بالمحاسبة ليكون الرأي العام مطمئنا إلى احترام الدستور وحسن تطبيق القوانين. ذلك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن ينتقد المواطن مؤسسات الدولة، بل في أن يصل إلى قناعة بأن المؤسسات لم تعد ضرورية أصلاً (العزوف عن التصويت في الانتخابات هو جرس إنذار ومؤشر عن تدني مستوى الثقة). فعندما يتحول فقدان الثقة من موقف مؤقت إلى ثقافة عامة، تصبح الديمقراطية أمام اختبار أصعب من أي أزمة سياسية؛ الأمر الذي يفتح المجال للتيارات الهدامة والنزعات المغامرة للتلاعب بمصير الأوطان والشعوب (نموذج تونس، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان..).
من هنا يمكن القول بأن مواقع التواصل الاجتماعي ليست خطراً في حد ذاتها؛ فهي أداة منحت المجتمع المغربي فضاءات واسعة للتعبير والمشاركة وكشفت اختلالات لم تكن تجد طريقها إلى النقاش العمومي. لكن عندما تتحول سرعة المنصة إلى معيار للحقيقة، وعندما يصبح عدد المتابعين بديلاً عن الشرعية الدستورية، يصبح الخطر قائماً. لذا، كلما كانت المؤسسات أكثر شفافية وكفاءة وقرباً من المواطنين إلا وتقلصت مساحة الخطابات التي تبني قوتها على التشكيك.
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز
نشرت
منذ أسبوع واحدفي
مايو 18, 2026بواسطة
سعيد لكحل
إن غلاء الأضاحي واللحوم في الأسواق، رغم أموال الدعم العمومي التي رُصدت لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة، يوحي وكأن تلك القطعان تمر عبر مضيق هرمز الخاضع للحصار العسكري.
الأمر الذي يدعو للتساؤل حول مصير مليارات الدراهم التي خصصتها الدولة للحد من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فما يلمسه المغاربة داخل الأسواق مختلف تماما؛ إذ واصلت أسعار اللحوم والأضاحي الارتفاع في ظل مواصلة الدعم والاستيراد، بينما تزداد معاناة الأسر المتوسطة والفقيرة مع تكاليف المعيشة.
هذا التناقض أعاد بقوة النقاش حول طبيعة الفساد في المغرب، ليس فقط باعتباره رشوة أو اختلاسا مباشرا للمال العام، بل أيضا باعتباره منظومة اقتصادية تسمح بتحويل الدعم العمومي إلى أرباح خاصة، دون أثر واضح على معيشة المواطنين.
مليارات الدراهم ولهيب الأسعار.
منذ سنة 2022، وجد المغرب نفسه أمام وضع اقتصادي صعب بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة عالميا نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد، ثم الحرب الأمريكية الإيرانية. وأمام هذا الوضع، لجأت الحكومة إلى دعم استيراد المواشي واللحوم الحمراء عبر إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات مالية لفائدة المستوردين والمهنيين بهدف ضمان وفرة العرض وتخفيف الضغط على الأسعار، خصوصا مع اقتراب عيد الأضحى. إلا أن المواطن لم يشعر بأي انخفاض ملموس في الأسعار. فقد تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم الحمراء في معظم المدن 120 درهما ليلامس 150 درهما؛ بينما وصلت أثمنة الأكباش إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل اقتناء الأضحية عبئا ثقيلا على آلاف الأسر الفقيرة والمتوسطة. علما أن المغرب هو المستورد الثاني من البرازيل بعد تركيا، بحيث استورد بين يناير – أبريل 2025 ما قيمته 51.27 مليون دولار أمريكي؛ وبين يناير – أبريل 2026: 97.48 مليون دولار أمريكي، أي +90.1%. كما احتل المغرب الرتبة الأولى كوجهة رئيسية لصادرات الأغنام الحية الإسبانية خلال سنة 2024، بنسبة بلغت 51% من إجمالي الصادرات، لترتفع النسبة في شهر يناير 2025 إلى70%. وأظهرت معطيات هيئة الإحصاء الأوروبية Eurostat ارتفاعا لافتا في واردات المغرب من لحوم الأغنام والماعز القادمة من الاتحاد الأوروبي، إذ انتقلت من 396.768 كلغ سنة 2023 إلى 938.634 كلغ سنة 2024، أي بزيادة قدرها 137% . ورغم ذلك ظلت الأسعار مرتفعة.
واقع الغلاء هذا لم يجد له المواطنون تفسيرا منطقيا، بل دفعهم إلى التساؤل: إذا كانت الدولة تتحمل كلفة الدعم وتمنح امتيازات ضريبية للمستوردين، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذه الإجراءات؟ وهل تحولت سياسة الدعم إلى آلية جديدة لتغذية الريع والمضاربة بدل حماية المستهلك؟.
أسئلة أجاب عنها وزير التجهيز والماء، نزار بركة، حين كشف عن استفادة 18 شخصاً من أكثر من 13 مليار درهم المخصصة لدعم استيراد المواشي من 2022 إلى حدود 2024. وهذا رقم رسمي أكدته وزارة الاقتصاد والمالية أمام البرلمان على هامش مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025. ويستفاد من هذه المعطيات أن المستورد استفاد من الدعم الحكومي لاستيراد الأغنام (بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم بمناسبة عيد الأضحى) كما استفاد من الإعفاء من دفع رسوم استيراد الأغنام والأبقار ومن الضريبة على القيمة المضافة دون أن يتراجع سعر أضاحي العيد وسعر اللحوم الحمراء.
كلفة الفساد.
النقاش حول الفساد والريع لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي أو النقاش السياسي الداخلي، بل تعكسه أيضا مؤشرات دولية مرتبطة بالحكامة والشفافية. فوفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لسنة 2025، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100، محتلا المرتبة 91 عالميا، وهو تصنيف يعكس استمرار التحديات المرتبطة بمحاربة الرشوة واستغلال النفوذ وضعف الشفافية.
كما تشير تقارير دولية مرتبطة بالحكامة إلى أن المغرب ما يزال يواجه تحديات في مجالات المنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة وفعالية السياسات العمومية، رغم الإصلاحات المؤسساتية التي أُطلقت خلال العقدين الأخيرين.
واقع تكشف عنه كذلك، الأرقام الرسمية وتقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ويظهر حجم النزيف الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني بسبب الفساد. إذ تقدر الكلفة السنوية للفساد بحوالي 50 مليار درهم، وهو رقم ضخم يعادل ميزانيات قطاعات اجتماعية كاملة (ميزانية وزارة الثقافة:1.42 مليار درهم، وزارة السياحة 1.76 مليار، ميزانية وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة:1.57 مليار درهم، ميزانية قطاعي الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني: 2.647 مليار درهم). بل تذهب تقديرات أخرى إلى أن الفساد يستنزف ما بين 4 و6 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، نتيجة الرشوة والتهرب الضريبي وسوء تدبير الصفقات العمومية وتضارب المصالح. هذه الخسائر لا تنعكس فقط على المالية العمومية، بل تؤثر أيضا على وتيرة النمو الاقتصادي وقدرة الدولة على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. ويرى خبراء الاقتصاد أن جزءا مهما من تعثر المشاريع العمومية وارتفاع كلفتها يعود إلى ضعف الحكامة وسوء تخصيص الموارد، حيث تتحول بعض الصفقات إلى مجال للمحاباة أو تضخيم الفواتير أو إعادة توزيع الامتيازات لفائدة شبكات المصالح. لهذا لم يعد المغاربة يطالبون فقط بالدعم، بل بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
معركة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المعركة ضد الفساد في المغرب لم تعد مجرد معركة أخلاقية أو قانونية، بل أصبحت رهانا اقتصاديا واجتماعيا واستراتيجيا. فالدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع التي تطلقها، بل أيضا بقدرتها على حماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص وترسيخ الثقة في المؤسسات.
لهذا تبدو معركة المغرب الحقيقية اليوم ليست فقط في توفير الدعم، بل في ضمان وصول أثره إلى المواطن. ذلك أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بحجم الأموال التي تُصرف فقط، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للناس. ومن دون تعزيز الشفافية ومحاربة الاحتكار وتضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيظل جزء واسع من المغاربة يشعر بأن الفساد أقوى من الإصلاح، وأن الدولة تدعم الفراقشية أكثر مما تدعم المجتمع.
من هنا فإن أخطر نتائج الفساد ليست مالية فقط، بل اجتماعية وسياسية أيضا. فحين يرى المواطن أن الدعم العمومي لا ينعكس على الأسعار، وأن بعض القطاعات تستفيد من الامتيازات دون مراقبة حقيقية، ستتراجع ثقته في المؤسسات وفي جدوى الإصلاحات الاقتصادية. كما أن الإحساس بغياب العدالة الاقتصادية سيغذي مشاعر الاحتقان واليأس، خصوصا في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة. لهذا فإن مواجهة الفساد بكل تجلياته تستوجب “تعزيز مبادئ التخليق ومحاربة الفساد، من خلال تطوير فلسفة الرقابة والمحاسبة، إعمالا للمبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة” كما جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، في دجنبر 2024.
على مسؤوليتي
كيف يمكن إنتاج التحول الممكن داخل نظام يفضل التكيف على التحول؟
نشرت
منذ أسبوع واحدفي
مايو 18, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
في ظل نظام ملكي وراثي يصعب داخله الحديث عن استكمال حلقات الانتقال الديمقراطي وفق النموذج الكلاسيكي، وفي سياق يتسم بهشاشة المشهد الحزبي التقدمي أمام تضخم الاصطفاف المحافظ والأصولي، لم يعد السؤال السياسي المركزي هو: كيف ننجز تغييرًا جذريًا؟.
بل أصبح: كيف يمكن إنتاج تحول تراكمي وممكن داخل بنية سياسية لا تسمح أصلًا بحسم ديمقراطي كامل، لكنها في الآن نفسه لم تعد قادرة على الاكتفاء بمنطق الضبط التقليدي؟.
لقد دخلت الدولة، منذ سنوات، في طور جديد يقوم على إدارة التوازنات أكثر من إنتاج التحولات. فهي تفكر بجدية في ضمان استمراريتها، وتدرك أن منطق الاستقرار أصبح جزءًا من شرعيتها السياسية والرمزية، غير أن توجسها من مطلب التحديث لا يقل حدة عن فوبيا الدمقرطة نفسها.
فالإشكال لم يعد فقط الخوف من انتقال ديمقراطي قد يعيد توزيع السلطة، بل أيضًا من تحديث قد يعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، ويوسع المجال العمومي، ويحرر الفاعلين من البنيات الرمزية التي تضمن استمرار التوازن التقليدي.
ولهذا تبدو الدولة أكثر ميلًا إلى “التكيف” بدل “التحول”.
أي تحديث أدوات التدبير والضبط، وامتصاص التوترات، وإعادة ترتيب التوازنات، دون السماح بتحول عميق في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فهي تقبل بالإصلاح حين يكون تقنيًا ووظيفيًا، لكنها تتحفظ تجاه كل إصلاح قد يفضي إلى إعادة تعريف الشرعية أو توسيع استقلالية الفاعلين والمؤسسات.
غير أن هذا الاختيار، رغم ما يمنحه من قدرة على الاستمرارية المرحلية، يظل محدود الأفق على المدى البعيد. لأن التكيف المستمر دون تحول منتج للشرعية قد ينجح في تأجيل الأزمة، لكنه لا يضمن تجاوزها. فالدول لا تستمر فقط بقدرتها على التحكم، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج معنى سياسي جديد يمنح المواطنين شعورًا بأن الاستمرارية نفسها تحمل أفقًا جماعيًا قابلًا للتصديق.
ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: إذا كان النظام سيفكر مستقبلًا في سلاسة الانتقال السياسي،فبأي شرعية إضافية سيفعل ذلك؟ هل بشرعية الإنجاز التقني؟ أم بشرعية الاستقرار؟ أم بشرعية أمنية تقوم على استثمار الخوف من الفوضى؟ أم بشرعية تعاقد سياسي وأخلاقي جديد يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟.
ذلك أن شرعية التاريخ، مهما بلغت قوتها الرمزية، لا تكفي وحدها لضمان المستقبل، كما أن شرعية التدبير، رغم ضرورتها، تظل قاصرة إذا لم تُستكمل بشرعية المشاركة والمعنى والإنصاف.
لكن المعضلة العميقة تكمن في أن أي انتقال سلس يقتضي بالضرورة كلفة سياسية وحقوقية معينة؛ لأن الانتقال الحقيقي لا يتم فقط عبر إعادة ترتيب النخب، بل عبر إعادة توزيع الاعتراف، وتوسيع المجال العمومي، وبناء ضمانات جديدة للحرية والمساءلة والثقة. وهنا تحديدًا تبرز أهمية الانتقال من مطلب “التغيير الشامل” إلى بلورة “استراتيجية الاعتراف المنتج للإنصاف” لأن الرهان اليوم لم يعد فقط هو الوصول إلى السلطة أو استكمال النموذج الكلاسيكي للانتقال الديمقراطي، وإنما إعادة بناء شروط الفعل الإصلاحي الممكن داخل واقع مركب، حيث تراجعت الطموحات الجذرية، وخفتت الحركة المطلبية، وتقلص حضور اليسار إلى حدود تمثيل ذاته وبعض امتداداته المحدودة داخل أقلية حداثية متناثرة ؛ وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف مدخلًا لإعادة تشكيل المجال العمومي، لا مجرد تعويض رمزي عن الديمقراطية المؤجلة. فالاعتراف بالذاكرة، وبالضحايا، وبالهوامش، وبالحق في الاختلاف، وبالكفاءات المستقلة، وبالحساسيات الحداثية، وبالحق في النقد والمساءلة؛ أي تحويل الاعتراف إلى أداة لإعادة توزيع الشرعية داخل المجتمع، وإنتاج شروط إنصاف تدريجي يوسع إمكانات التحول الهادئ. ولأن النموذج الحزبي الكلاسيكي يعيش حالة إنهاك واضحة، فإن الفعل التحولي لم يعد ممكنًا فقط عبر التنظيمات الإيديولوجية المغلقة، بل عبر بناء “كتلة تاريخية مرنة” تضم الحقوقيين، والمثقفين، والفاعلين المدنيين، والنخب المهنية، والطاقات الشبابية، حول قضايا ملموسة تتعلق بالحريات، والتعليم، والعدالة، والذاكرة، والحكامة، والكرامة الاجتماعية. كما أن التفكير النقدي التوقعي يفرض تجاوز ثنائية المواجهة الشاملة أو الاندماج الكامل داخل النسق، نحو ما يمكن تسميته بـ”التفاوضية المنتجة”، أي الاشتغال داخل تناقضات الدولة نفسها، واستثمار الهوامش المتاحة لتوسيع إمكانات الفعل العمومي تدريجيًا، دون السقوط في المغامرة القصووية المكلفة أو في التكيف السلبي المستسلم .
غير أن أخطر ما قد تواجهه الدولة والمجتمع معًا ليس مطلب الدمقرطة في حد ذاته، بل احتمال الوصول إلى وضعية “اللاتحول المزمن”، حيث تتحول المؤسسات إلى آليات لتأجيل الأسئلة بدل الإجابة عنها، وإدارة التوازنات بدل إنتاج أفق سياسي جديد، فيتراجع المعنى الجماعي لصالح التدبير التقني، ويحل الخوف من المجهول محل الثقة في المستقبل. ومن هنا تكتسب فكرة “عدم التكرار” معنى أوسع وأعمق. فلم يعد المقصود فقط منع عودة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل أيضًا منع تكرار الانغلاق السياسي، وتهميش النخب النقدية، وإفراغ المؤسسات من مضمونها التمثيلي، وتحويل الوطنية إلى مجرد ولاء صامت، أو اختزال السيادة في تعطيل النقاش العمومي ؛ فالمعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط معركة الوصول إلى السلطة، بل معركة الحفاظ على إمكانية المستقبل نفسها؛ أي مقاومة الانهيار القيمي للمجال العمومي، ومنع تحوّل المجتمع إلى فضاء بلا أفق إصلاحي، حيث تستمر الدولة في التكيف دون تحول، وتستمر النخب في استهلاك الزمن دون إنتاج بدائل .
لهذا، ربما أصبح من الضروري الانتقال من مجرد التفكير في العدالة الانتقالية إلى أفق أوسع يمكن تسميته: “العدالة الانتقالية التوقعية”، أي عدالة لا تكتفي بتدبير جراح الماضي، بل تعمل أيضًا على منع انسداد المستقبل،عبر توسيع دوائر الاعتراف، وإعادة بناء الثقة، وصياغة شرعية متجددة تجعل الاستمرارية نفسها قابلة للتطور، لا مجرد آلية لتأجيل التحول.
* مصطفى المنوزي
سعيد الكحل: واقع التواصل الاجتماعي من المساءلة إلى التشكيك في المؤسسات
ياسين بونو يدخل إلى رأسمال مجموعة ATA Value Capital المالكة لـ Little Mamma
ترامب يطالب السعودية وقطر بالتطبيع مع إسرائيل
كأس العالم 2026: هيمنة لاعبي برشلونة على قائمة المنتخب الإسباني
بادو الزاكي ضمن قائمة المرشحين الخمسة لقيادة المنتخب الوطني المالي
الاتفاق بين واشنطن وطهران يدخل مرحلة الصياغة النهائية
عيد الأضحى .. الجمعة 29 ماي، يوم عطلة استثنائية في البنوك
مراكش: هيكلة الفرع الجهوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية
آمنة بوعياش: “مبادرة الترافع الجماعي تطمح لإعمال حقوق الإنسان في العصر الرقمي”
ترامب: لا اتفاق مع إيران إلا إذا كان “عظيما ومجديا”
وهبي يعقد ندوة صحفية غدا الثلاثاء للكشف عن اللائحة النهائية للمنتخب المغربي
المنتخب الوطني يواصل استعداداته للمونديال
قائد الجيش الباكستاني في بكين برفقة رئيس الوزراء شهباز شريف
سفيان الكرواني يحلم بالمشاركة في مونديال 2026
توقعات أحوال الطقس لليوم الاثنين
أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة..المنتخب المغربي يواجه نظيره السنغالي
دوري أبطال إفريقيا: صنداونز يحرز اللقب
نهضة بركان يتغلب على نهضة الزمامرة 1-0
الرجاء الرياضي يفوز على أولمبيك الدشيرة 1-0
أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة .. المنتخب المغربي يتأهل إلى دور النصف
سعيد الكحل: ذكرى تفجيرات 16 ماي.. كيف رسّخ المغرب نموذجه في مكافحة الإرهاب
من الحلول إلى الإحلال: كيف تحوّلت الانتخابات إلى سوسيولوجيا تفاوضية في الأنظمة المتكيّفة؟
حالة التنافي وحدود الاستقلال داخل الدولة المعرفية والمهنية
مجلس إدارة OFPPT يصادق على برنامج العمل لسنة 2026
المنتخب المغربي يدخل كأس العالم بالذكاء الاصطناعي
الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب تستحضر الذكرى 23 لاعتداءات 16 ماي
السجن 5 سنوات للفنان سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب
التسيير الارتجالي يعرقل حاضر و مستقبل رياضة الكرة الحديدية
هذا موعد توقيع اتفاق مشروع خط أنابيب الغاز بين المغرب و نيجيريا
التفاوضية المنتجة للتوافق السيادي والتوازن المؤسستي
نقابة مهنيي الفنون الدرامية تحذر وزارة الثقافة
حقوقيون بأمريكا الشمالية يتضامنون مع النهج الديموقراطي
قصة الشاب المغربي الذي نصب نفسه ملكا في سويسرا
انتخاب مهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد العام لمقاولات المغرب
سعيد الكحل: الخرفان لا تمر عبر مضيق هرمز
اعتقال ثلاثة متطوعين مغاربة ضمن “أسطول الصمود العالمي”
واردات المغرب من الألواح الشمسية تتلقى دعمًا بعقد مع جينكو سولار
واردات المغرب من الغاز في 4 أشهر تنخفض 23%
التشكيلي عبد الإله الشاهدي ضيف برنامج “رؤى فنون تشكيلية”
المداخيل الجمركية تتجاوز 33,8 مليار درهم عند متم أبريل
البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”
إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
الاكثر مشاهدة
-
رياضة منذ 4 أيامالتسيير الارتجالي يعرقل حاضر و مستقبل رياضة الكرة الحديدية
-
مجتمع منذ 4 أيامالقضاء يدين مبديع بـ 13 سنة سجنا نافذا
-
واجهة منذ 5 أيامالنقابة الوطنية للصحافة المغربية تدق ناقوس الخطر بشأن أوضاع القطاع وحرية التعبير
-
منوعات منذ 4 أيامفاس.. ارتفاع حصيلة ضحايا انهيار بناية جنان الجرندي إلى 14 قتيلا
-
مجتمع منذ يومينرسمياً.. وزارة التعليم تمدد عطلة عيد الأضحى لتشمل السبت المقبل
-
دولي منذ 5 أيامبن غفير ينشر مقطع فيديو يظهر نشطاء في “أسطول الصمود” محتجزين مقيدين وراكعين
-
سياسة منذ 6 أياماللوائح الانتخابية.. تقديم طلبات التسجيل الجديدة من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026
-
سياسة منذ 5 أياماتفاق بين فرنسا والمغرب لتعزيز مكافحة “تمويل الإرهاب”
