احتضن المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026 لقاء احتفائيا بكتاب «صوت باطني» للمبدعة لبابة لعلج، بتنظيم من رابطة كاتبات المغرب. غير ان هذا اللقاء لم يكن مجرد مناسبة لتوقيع كتاب جديد، بل تحول الى لحظة تأمل في معنى الكتابة ذاتها، حين تصبح اللغة مرآة للروح، وحين يتحول الشعر الى محاولة للقبض على ذلك الصوت الخفي الذي يقيم في اعماق الانسان ويقوده وسط عتمة الوجود.
لقد اجتمع شعراء ونقاد وفنانون ومفكرون، لكن ما جمعهم لم يكن الاحتفاء باسم ابداعي فقط، بل الرغبة في الاقتراب من تجربة تتجاوز الحدود التقليدية بين الشعر والرسم، بين الكلمة والصورة، بين الحلم والحقيقة. فـ«صوت باطني» لا يقدم نفسه باعتباره ديوانا شعريا فحسب، بل بوصفه فضاء تتجاور داخله القصيدة مع اللوحة، ويصبح فيه اللون امتدادا للعبارة، كما تغدو العبارة نفسها شكلا من اشكال الرسم الداخلي للروح.
منذ العنوان، تضعنا لبابة لعلج امام مفارقة دقيقة؛ فالصوت عادة فعل حضور وانكشاف، غير ان اقترانه بالباطن يحوله الى همس خفي لا يسمع الا بالبصيرة. وهكذا يصبح الصوت الداخلي نوعا من المعرفة الوجودية، لان الانسان لا يكتشف حقيقته الا حين ينصت الى صمته الخاص. ومن هنا يبدو الكتاب اشبه برحلة داخل متاهات النفس، حيث تتجاور الذاكرة مع الحلم، والجرح مع الرغبة في الخلاص.
في قراءته لهذا العمل، يتوقف الكاتب الفرنسي جان-باتيست بالديني عند هذا التوتر بين الظاهر والخفي، معتبرا ان نصوص لبابة لعلج تجعل من الفكر حوارا داخليا دائما بين الذات وظلالها. فالكتابة هنا ليست بناء لغويا باردا، بل تجربة انسانية تحاول من خلالها الذات ان ترمم ما تكسره الحياة في اعماقها. ومن خلال شخصية «هدى»، تتجسد هذه الرحلة بوصفها سعيا نحو التوازن، ومحاولة للعودة الى الداخل من اجل مقاومة صخب العالم الخارجي.
اما الشاعر والكاتب منير سرحاني فيرى ان قوة هذا العمل تكمن في العلاقة العميقة بين الشعر والتشكيل، حيث لا تصبح اللوحة مجرد مرافقة للنص، بل جزءا من بنيته الجمالية والفكرية. فالالوان لا تشرح الكلمات، بل تمنحها افقا اخر للمعنى، وتجعل القصائد تبدو وكأنها مرسومة بقدر ما هي مكتوبة. ولهذا تتحول النصوص الى فضاء مشبع بالقلق الوجودي، حيث تتكرر مفردات الصمت والظل والنور والغياب، وكأن الشاعرة تعيد تشكيل العالم من داخل هشاشته.
ومن جهته، يقرأ الشاعر والناقد إبراهيم الكراوي هذا العمل باعتباره كتابة تتجاوز حدود الشعر نحو افق فلسفي اوسع. فالصوت عند لبابة لعلج ليس مجرد اثر لغوي، بل رمز للهوية وهي تبحث عن ذاتها داخل عالم متشظ ومضطرب. ولذلك تتحول الكتابة الى فعل وجودي، والقصيدة الى محاولة لمقاومة الابتذال والعدم عبر البحث عن جوهر الاشياء.
اما الكاتب والاعلامي إدريس علوش فيعتبر ان نصوص «صوت باطني» تقيم على تخوم الجرح والمعنى، حيث تصبح اللغة طاقة رمزية تستدعي الخيال والاستعارة والانفعال. فالاسئلة هنا اهم من الاجوبة، لان الانسان لا يعيش باليقين بقدر ما يعيش بالسعي الدائم نحو اكتشاف المعنى.
وتتعمق قيمة هذا المشروع الابداعي مع الترجمة العربية التي انجزها الناقد الفني عبد الله شيخ، والتي حافظت على الحس الشعري والفلسفي للنصوص، ومنحتها حضورا عربيا مشبعا بالشفافية والعمق.
وهكذا يبدو «صوت باطني» اكثر من عمل شعري او تشكيلي؛ انه محاولة للانصات الى الانسان في اكثر لحظاته هشاشة وصدقا، والى ذلك الصوت الخفي الذي يجعل من الكتابة شكلا من اشكال النجاة المؤقتة من عبث العالم وزواله.
سعيدة
نوفمبر 14, 2024 at 2:25 م
انا فنانة عندي بطاقة فنان نقابة لم تتصل بي