لم يكن خبر رحيل الإعلامي والفنان السينمائي علي حسن حدثًا عاديا وعابرًا ببلادنا، بل كان ارتجاجًا في الذاكرة المغربية. لقد رحل الرجل الهادئ، الرزين، والذي سيظل اسمه معلّقًا في ردهات التلفزة الوطنية، بمثل ما سيظل صدى صوته يذكّرنا بأن الإعلام حين يكون صادقًا يصبح حياةً أخرى، وأن السينما حين تُقدَّم بمحبة تصبح نافذة مفتوحة على معنى التذوق والجمال.
التحق علي حسن بالإذاعة والتلفزة المغربية، في ستينيات القرن الماضي، في مرحلة كان الإعلام فيها مشروعا تأسيسيًا، أكثر منه مهنة بالمعنى التقني، فجاء حضوره انعكاسًا لتلك الروح الطلائعية التي ميّزت الرعيل الأول من الإعلاميين المغاربة.
لقد اختار فقيد التلفزيون المغربي أن يحمل على عاتقه مهمة التثقيف السينمائي، بما هي مهمة لم تكن سهلة في زمنٍ لم يعرف فيه المغاربة سوى قاعات سينمائية محدودة، وكان وصول الأفلام العالمية الهادفة إليها أمرًا عسيرًا. هنا برز صوت علي حسن عبر برنامج “سينما الخميس”، ليحوّل الموعد الأسبوعي إلى مهرجان فرجة منزلي.
ليس من المبالغة القول إن “سينما الخميس” قد شكّل حدثًا اجتماعيا وثقافيًا بامتياز. فقد كان هذا البرنامج أشبه بجسر ربط المغرب بالفن السابع، حيث كان علي حسن يقف بدفء صوته ورصانة حضوره، ليقدّم الأفلام، بدءًا من كلاسيكيات السينما الأوروبية والعربية وصولاً إلى الإنتاجات السينمائية المغربية، شارحا سياقها الفني والاجتماعي، ومعرفا الجمهور على المخرجين والنجوم والاتجاهات السينمائية.
كان صوته يأتينا هادئًا، محايدًا في الظاهر، عميق الإيحاء، فنجده يقدّم المعلومة باقتصاد لغوي أنيق، ويمهّد للعرض بعبارات قليلة لكنها مشحونة بالدلالات والمعاني. وهكذا تحوّل في وجدان المغاربة إلى أكثر من إعلامي؛ إذ صار رمزًا لبداية الحلم، ومفتاحًا لعالمٍ يفتح أبوابه مساء كل خميس.
يروي كثيرون من جيل السبعينيات والثمانينيات، وأنا واحد منهم، أن شغفنا بالسينما قد بدأ مع صوت علي حسن، وأن اهتمامنا بالفن السابع ارتبط بمقدماته التي كانت أشبه بدروس قصيرة في التذوق الفني، تلك التي جعلت من السينما لغة مشتركة بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأجيال المتعاقبة.
لم يكن الرجل مجرد مقدم بالفرنسية لنشرات الأخبار بالإذاعة والتلفزة ومقدما للأفلام بالعربية، بل كان مرجعًا ثقافيًا، حيث إن صوته قد ترك من الأثر ما لا يمكن محوه من الذاكرة الإعلامية والفنية الوطنية. لقد جسّد علي حسن المعنى النبيل للإعلام، حين يتحوّل إلى خدمة عمومية وإلى جسر بين الثقافة والجمهور، ولم يتوقف حضوره المضيء عند هذا الحد، بل عرف كذلك بحضوره كممثل سينمائي في أفلام سينمائية طويلة وقصيرة، فضلا عن حضوره كمعلق على وثائقيات ومشاركته في دبلجة أفلام سينمائية، وغيرها من أشكال الحضور الإعلامي والفني.
هكذا، خلف لنا الفقيد إرثًا ثقافيًا، يمتد لأكثر من خمسين عامًا، هو القادم إلى السينما في عمر ثماني سنوات، فغاص في أعماق الافتتان بالسينما وحب الجمهور لها، فنسج إثر ذلك ذاكرة جماعية عبر “سينما الخميس” و”نادي السينما” و”Entr’Acte”، وشارك في مهرجانات وطنية ودولية، مساهماً في تعزيز حضور السينما المغربية وصورتها على مستوى العالم، وجعل التلفزة منصة للتبادل الثقافي والفني.
برحيل علي حسن لا نفقد شخصًا فحسب، بل نطوي صفحة من تاريخ الإعلام المغربي، ذلك التاريخ الذي كانت فيه للتلفزة هيبة خاصة، وكان فيه البرنامج موعدًا يُنتظر، والصوت علامةً على صدق المرحلة، ولحسن الحظ أن صوته لم يدركه هذا الزمن الذي تعددت فيه الشاشات وتشظّت فيه الأصوات.
برحيل علي حسن، يودّع المغرب أحد رموز إعلامه الثقافي والفني، ويطوي صفحة من تاريخ التلفزيون حين كان الصوت دليلًا على المصداقية والبرنامج حدثًا منتظرًا. غير أن أثره سيبقى حاضرًا في وجدان الأجيال، تمامًا كما ستظل السينما مدينة له بجميل التأسيس والتنوير.