Connect with us

على مسؤوليتي

رد على نعيمة بويغرومني: حقيقة معاداة تياركم لحقوق المرأة لا يخفيها غربال الإنكار

نشرت

في

نشرت السيدة نعيمة بويغرومني، العضو بحزب البيجيدي، مقالا تحت عنوان ” في مواجهة الاتهام الإيديولوجي: دفاع عقلاني عن مرجعية تصون كرامة المرأة”، بموقع الحزب يوم 2 غشت 2025، ردا على مقالتي المعنونة بـ “يوم ناهضت نساء البيجيدي حقوق المرأة”. وبغض النظر عن النعوت القدحية التي نعتت بها السيدة نعيمة مقالتي، سأناقشها فيما زعمت أنه تأييد من تيارها لحقوق النساء وخدمة “مجانية” للائي يعانين من الفقر والتهميش، وأنها وأعضاء وعضوات هيئاتها “نعيش مع النساء في هوامش المغرب العميق، حيث لا تصل الكاميرات ولا تُشبع شعارات «حقوق المرأة» الاستعراضية جائعةً في دوارٍ ناءٍ”.

*أجي يامّي نوريك دار خوالي.
زعمت السيدة بويغرومني أن مقالي “أقرب ما يكون إلى صرخة أيديولوجية خاوية، تفتقر للحجة وتفيض بالتحامل الأعمى”، في محاولة بئيسة منها للمداراة عن مواقف حزبها وحركتها المناهضة لحقوق النساء، رغم ما صدر عن هيئتيها وقطاعاتهما النسائية الموازية من بيانات ومواقف رافضة لتعديل مدونة الأسرة أو تغييرها. وهنا أدعوها للعودة إلى المذكرات التي قدمتها هيئاتها إلى اللجنتين الملكيتين لتعديل المدونة ولتأتينا بالمواقف “المشرّفة” لها ونوعية المطالب التي تضمنتها دفاعا عن حقوق المرأة ودحضا “لشعرات «حقوق المرأة» الاستعراضية التي لا تشبع”. وإن لم تفعلي سأتولى المهمة للكشف عن زيف شعارات هيئاتك ومطالبها ومواقفها المخجلة والمعادية للحقوق الأساسية للمرأة مثلما فعلت من قبل في كتبي: “مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية بين التشريع المساند والتشنيع المعاند”، “دفاعا عن المساواة في الإرث وإلغاء التعصيب وإثبات النسب”، “مسار حزب العدالة والتنمية: من المعارضة إلى رئاسة الحكومة (تصادم القيم والمصالح)”.

وهي أعمال أدعوك للاطلاع عليها علّك تدركين مدى إلمامي بتفاصيل إيديولوجية هيئاتك ومشروعها السياسي والاجتماعي وخلفيات مناهضتها لحقوق النساء والأطفال. فمقالي، سيدتي، مؤسَّس ومدعوم بالأدلة والمعطيات المستقاة من مذكرات ومنشورات هيئاتكم، وليست “صرخة أيديولوجية خاوية”. وبالدارجة المغربية أقول لك “جيتي حتى لبلاد فليو وبغيتي تعطسي”.

*حزب يستثمر في الفقر وقهر النساء.
تزعم السيدة بويغرومني “يبقى خطابنا متجذرًا في واقع الناس لا محلّقًا في أوهام الأبراج الأيديولوجية؛ وأن تظلّ مبادؤنا مرتبطةً بما يُغيّر حياة النساء نحو الأفضل”. تعالي سيدتي أوضح لك مغالطاتك والأوهام التي تعتقدين وتروجين. هل نسيت تصريح/تأكيد الوزيرة بسيمة الحقاوي بأن “من يملك 20 درهما لا يُعدّ فقيرا”؟ أهذا هو “المبدأ” الذي “يُغيّر حياة النساء نحو الأفضل”؟ دعيني أذكّرك بسلسلة القرارات الجائرة التي اتخذها حزبك في شخص رئيس الحكومة حينها، بنكيران، ضد أبناء وبنات المغرب، والتي بالمناسبة، ساهمت بشكل مباشر في القضاء على الطبقة الوسطى وتوسيع دائرة الفقر، والتي من نتائجها عزوف كبير عن الزواج وتراجع نسبة الولادات بسبب كلفة المعيشة والتمدرس والتطبيب خصوصا بعد أن طالب رئيس الحكومة حينها، بنكيران، بأن على الدولة أن ترفع يدها على الصحة والتعليم. وسار على نهجه الوزير الحسن الداودي، لما قال، تحت قبة البرلمان: “لي بغا يقري ولادو يدير يدو في جيبو”؛ من تلك القرارات: تحرير أسعار المحروقات الذي انعكس على أسعار المواد الغذائية، الرفع من نسبة الضرائب على كل المواد، تجميد الترقيات والزيادات في الأجور، التوظيف بالتعاقد بمبلغ زهيد (5 آلاف درهم في قطاع التعليم لا تكفي لفتح بيت وتكوين أسرة)، تمديد سن التقاعد مما ترتب عنه حرمان عشرات الآلاف من فرص الشغل. فهل يمكن في مثل هذه الظروف المادية والاجتماعية أن يقبل الشباب على الزواج وعلى الإنجاب؟ .

إن تجربة البيجيدي على رأس الحكومة، كانت وبالا على الموظفين والأجراء وعموم الأسر بسبب اتساع دائرة الفقر وارتفاع الأسعار. ففي استطلاع للرأي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2018 ، يظهر أن “الأسر المغربية تعاني، خلال الأعوام الماضية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يدفع العديد منها نحو الاقتراض بدلاً من الادخار”. كما كشفت معطيات أخرى لمندوبية التخطيط، خلال الفصل الرابع من سنة 2019، بأن معدل الأسر التي صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا السابقة، بلغ 43%، وأن 82,3% من الأسر صرحت بعدم قدرتها على الادخار مقابل 17,7% فقط، فيما لجأت 32.6% من الأسر المغربية إلى الاستدانة لتغطية نفقاتها.

بسبب سياسة التفقير التي انتهجها البيجيدي على رأس الحكومة، صارت حصة المواطن المغربي من الناتج الداخلي تعد ضعيفة للغاية، بحيث لا تتجاوز 4550 دولار في السنة، فيما يصل المعدل العالمي إلى أزيد من 9540 دولار ، فضلا عن كون نسبة السكان الذين يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق بالمغرب قد انتقلت من 6،6 بالمائة إلى 11،7 بالمائة داخل المناطق القروية، و عدد الأسر المعوزة قد انتقل بدوره من 56،8 بالمائة إلى 60،5 بالمائة، و المعدل الإجمالي للفقر على المستوى الوطني قد انتقل هو الآخر من 13،6 بالمائة إلى 22،1 بالمائة (تقرير”الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان” 2019). وهذا ما أكده نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال خلال الندوة الصحفية ليوم 15 غشت 2021، حيث ذكر أن مليون فقير انضاف إلى الطبقة الفقيرة بعدما كانوا يصنفون ضمن الطبقة الوسطى.

أرأيت سيدتي نتيجة سياسة حزبكم وآثارها الوخيمة على الشعب المغربي؛ لكن للأسف ينكرها الحزب كما تنكرينها أنت بما تزعمينه من منجزات وهمية ومن أنكن تعشن “مع النساء في هوامش المغرب العميق”.

وأنت، سيدتي، تزعمين أن في صفوف هيئاتكم “أستاذات يُكوّن شابات في التنمية والتطوع، وحقوقيات يُرافقن ملفات النساء في المحاكم دون بهرجة إعلامية”، يكون واجبا علي أن أذكّرك بموقف الوزيرة حينها، بسيمة الحقاوي ووزير العدل مصطفى الرميد، من جريمة اغتصاب ثم انتحار الضحية/ الطفلة المرحومة أمينة الفيلالي ذات 16 سنة في مارس 2012. ألم يعتبرا ما حدث بالقانوني وأن الجاني “فض بكارة الضحية برضاها وبالتالي تسقط المتابعة القضائية عليه ويحِلّ له الزواج”؟ أهكذا تكون المرافقة والمرافعة أمام المحاكم؟ بالله عليك ماذا فعلت هيئاتكم إزاء جرائم الاغتصاب والقتل التي ذهبت ضحيتها كثير من النساء؟ ألم تراوغ وتتلكأ بسيمة الحقاوي حين اشتدت مطالب الجمعيات النسائية والحقوقية بضرورية تعديل القانون الجنائي لتشديد عقوبة الاغتصاب؟ .

أما بخصوص ولاية الآباء على الأبناء عند الطلاق والتي تصر هيئاتكم على الإبقاء عليها لأن، كما جاء في مقالتك “الأصل بقاء الولاية للأب، مع سلطة القاضي في إسنادها للأم متى اقتضت مصلحة الطفل ذلك”؛ بالله عليك ما مصدر هذا “الأصل”؟ ألا يتعارض مع القرآن الكريم الذي جعل الولاية بكل أصنافها ومراتبها من مسؤولية الذكور والإناث على حد سواء في قوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)؟ كيف جعل الله ولاية المرأة على الذكور وعلى المجتمع، في الأمور العامة، أمرا شرعيا، بينما هيئاتكم ترفضها وتجعل “الأصل فيها للذكور/الآباء”؟ كيف تزعمين أن هيئاتكم “تعيش مع النساء” بينما في المحاكم كما الواقع مئات الحالات التي تعاني فيها النساء من ظلم الأولياء/الآباء الذين تخلوا عن أبنائهم وتسببوا لهم في عراقيل إدارية حالت دون تحقيق “المصلحة الفضلى” لهم؟ ألم تسمعي صرخات الممثلة جميلة الهوني في ردهات المحكمة من المشاكل التي عانت هي وابنها بين الإدارات التربوية بسبب شطط “ولاية الأب”؟ وكيف لك أن تسمعي صرخاتها وتشعرين بمعاناتها وأنت متشبعة بإيديولوجية تعتبر المرأة “عورة” “وقاصر” “وناقصة عقل”؟ ألم تقرئي بيانات الجمعيات النسائية المتضامنة مع الممثلة الهوني؟ ألم تطلعي على مذكرات تلك الجمعيات المقدمة للجنة الملكية لتعديل مدونة الأسرة، والمطالبة بإسناد الولاية القانونية على الأبناء للأم الحاضنة؟

إن الولاية على الأبناء كما تطرحينها أنت وهيئاتكم لا تتعارض مع القرآن فقط، بل مع الدستور كذلك الذي يساوي مساواة تامة وكاملة بين المواطنين ذكورا وإناثا في منطوق وروح الفصل 19 الذي تفسره هيئاتكم على هواها بما ينسجم مع إيديولوجيتها المحتقرة للنساء. دعيني هنا أذكّرك بما تضمنته مذكرتا هيئاتكما (الحزب والحركة) إلى اللجنة الملكية الاستشارية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية في موضوع الولاية في الزواج. ألم تطالب المذكرتان بحذف ولاية الثيّب على نفسها التي أقرتها تلك المدونة وتعميم ولاية الذكر على الأنثى في الزواج على جميع الحالات؟ تذكّري أيضا بيان حركة التوحيد والإصلاح بتوقيع رئيسها حينئذ أحمد الريسوني، في فاتح يناير 2000، في موضوع الإصرار على فرض الولي وفتواه بأن المرأة لا تحسن التصرف.

أما ما يتعلق بتزويج الطفلات والذي هو شرعنة واضحة ومفضوحة “للبيدوفيليا”، فإن ما ورد في مقالتك، في النقطة “الخامسة” ليس ردا مستندا إلى حجج وأدلة بقدر ما هو مجرد “هراء”، وأقدمه للقراء بنصه كالتالي: “خامسًا، ولعلّ أخطر ما جاء في المقال تلك التهمة الرخيصة بأن الحزب “يشرعن البيدوفيليا”! هذا تجنٍّ فجّ بلا سند ولا نص ولا واقعية، لا يُثبت سوى إفلاس الحجة عند كاتبه، ويُسقط عن مقاله آخر ذرة مصداقية”. ليس لديك، سيدتي، ما تفندين به “شرعنة البيدوفيليا” عند هيئتيكم المتشبثتين بالإبقاء على تزويج الطفلات ضدا على الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب وأقر الدستور سموها على التشريعات الوطنية. فكيف تستسيغين سيدتي، أن طفلة لم يكتمل نموها الجسدي والعقلي تصير ربة بيت وتتحمل مخاطر الحمل والولاية ومسؤولية التربية والرعاية التي هي أحوج إليهما؟ .

إن الإصرار على تزويج الطفلات، وولاية الذكور دون الإناث، ورفض اقتسام الممتلكات الزوجية، وتجريم العنف الزوجي، وأكل أموال الإناث باسم التعصيب، ورفض زواج المسلمة من الكتابي رغم مخالفته للقرآن، ومناهضة المساواة في الإرث رغم تشريعها في عدد من البلدان الإسلامية (تركيا التي تمثل النموذج للتيار الإسلاموي، السنغال)، لا يمكن تفسير هذه المواقف إلا بالمعاداة المقيتة للنساء ولحقوقهن. ولعلمك سيدتي، مهما اشتدت مناهضة تيارك فإنك التغيير آت. وكما تجاوزكم التغيير الجوهري لمدونة الأحوال الشخصية بإحداث مدونة الأسرة التي ناهضتم مشروع إصلاحها سنة 2000 بمسيرتكم المخجلة بالدار البيضاء يوم 12 مارس 2000، سيتجاوزكم تعديلها الحالي والمستقبلي، لأن التغيير قانون حتمي يسري على المجتمع والتاريخ والكون.

*صرخة الهيئات النسائية ضد حكومة البيجيدي.
زعمت السيدة بويغرومني أن حزبها “ساند إصدار قوانين مناهضة العنف ضد النساء”. في الواقع، أن البيجيدي لم يساند هذا القانون، بل انفرد بصياغته بعد أن أقصى الهيئات النسائية التي لا تساير توجهاته العدائية للمرأة. لعلم كاتبة المقال أن المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، انتقد القانون رقـم13.103 في تقريره السنوي برسم 2018، لكونه، من جهة، لا يتلاءم بشـكل تـام مـع الاتفاقيـات والمعاييـر الدوليـة المتعلقـة بمحاربـة العنـف ضـد النسـاء، المتمثلـة فـي الوقايـة والحمايـة والتكفـل والتدابيـر العقابيـة؛ ومن أخرى، أن صياغـته تمت دون إشـراك فعاليـات المجتمـع المدنـي المعنيـة بقضايـا العنـف ضد النسـاء. كما أصدرت عشرات الهيئات النسائية العديد من البيانات التي عبرت فيها عن رفضها للقانون لمّا كان مشروعا، ثم لما تمت المصادقة عليه. وهنا أذكّر السيدة بويغرومني بسلسلة الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها الهيئات النسائية والجمعيات الحقوقية أمام محاكم المدن الكبرى للمملكة للمطالبة بملاءمة التشريعات المتعلقة بمحاربة العنف ضد النساء مع دستور 2011 ومع المواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب منذ سنوات. وكانت من المطالب النسائية الملحة التي تجاهلتها الحقاوي: إيجاد قانون إطار لمحاربة العنف ضد النساء يتضمن: الحماية والوقاية وجبر الضرر وتشديد العقاب كما هو متعارف عليه دوليا وليس بعض التعديلات على بعض مقتضيات وبنود القانون الجنائي.

ولعل القراء الكرام يفهمون جيدا ما تقصدينه، سيدتي، من عبارتك “نحترم سموّ المواثيق الدولية” بدل التأكيد على الالتزام بها، إذ يوجد فرق شاسع بين الاحترام والالتزام. والمغرب، حين يصادق على المواثيق الدولية لا يعلن احترامه لها ولكن يؤكد التزامه بها. كما أن الدستور المغربي لسنة 2011، لم ينص على احترام تلك المواثيق الدولية وإنما نص على سموها على التشريعات الوطنية. أرأيت كيف تتحايلين وتيارُك على الدستور والمواثيق الدولية؟ ومن الأمثلة على هذا التحايل كذلك: عدم إخراج “هيئة المناصفة لمكافحة كل أشكال التمييز” التي نص عليها الدستور في الفصل 19 “تسعى الدولة على تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء وتحدث لهذه الغاية هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز” وكذا الفصل 164.

وأنت سيدتي، تفاخرين بأنك ـ ونساء البيجيدي ــ “نعيش مع النساء في هوامش المغرب العميق، حيث لا تصل الكاميرات ولا تُشبع شعارات «حقوق المرأة» الاستعراضية جائعةً في دوارٍ ناءٍ”، ألم يبلغ إلى علمك عشرات القوافل الطبية والإنسانية التي تنظمها سنويا الهيئات النسائية المستقلة التي ليست لها دوافع إيديولوجية ولا أطماع مادية ولا طموحات انتخابية؟ ألم تسألي حقاوي والموصلي عن مراكز الاستماع وإيواء النساء ضحايا العنف التي تشرف عليها هيئات نسائية تؤطرها عضوات مناضلات لا أطماع سياسوية أو انتخابوية لهن بخلاف هيئاتكن؟ كان من المفروض أن تخجلي لا أن تتفاخري بالوصول إلى “النساء في هوماش المغرب العميق” وهن “جائعات في دوار ناء”، علما أن حزبك ترأس الحكومة لولايتين متتاليتين دون أن يفك العزلة عن المغرب العميق أو يوفر أسباب العيش الكريم لسكانه عموما ولنسائه على وجه الخصوص رغم أنه أغرق البلاد في المديونية بنسبة تجاوزت 90 في المائة من الناتج الداخلي الخام. فأين قولك “وأن تظلّ مبادؤنا مرتبطةً بما يُغيّر حياة النساء نحو الأفضل” من الواقع المرير الذي يعيشه 8 ملايين فقير مغربي؟

حبل الكذب قصير.

*نموذج مسيرة أيت بوﯕماز التي فضحت شعارات البيجيدي.
كان أجدر بك سيدتي أن تستحيي من ساكنة المناطق الجبلية والنائية وأنت تمنّين، زورا وبهتانا “وساهمنا في مشاريع البنية التحتية في المناطق الجبلية والنائية لتقليص الهدر المدرسي وزواج القاصرات”، فيما مشاهد وأصوات ساكنة أيت بوﯕماز، وهي تقطع عشرات الكلومترات مشيا على الأقدام طلبا للماء والكهرباء والطريق، لا زالت تملأ مواقع التواصل الاجتماعي. دعيني أذكّرك، سيدتي، بالمعاناة الرهيبة للمواطنين التي كشف عنها زلزال الحوز بسبب انعدام “البنيات التحتية” التي زعمتِ مساهمة حزبك في إنجازها في “المناطق الجبلية والنائية”. بعد يوم واحد من نشر مقالك، أورد أحد المواقع الالكترونية الخبر التالي (رغم مرور ما يقارب خمسة عشر عامًا على انطلاق أشغال تثنية الطريق الوطنية رقم 2، الرابطة بين مدينتي تطوان وشفشاون، لا تزال هذه الطريق تعرف تعثرًا كبيرًا في الإنجاز، وسط انتقادات متزايدة من المواطنين والمهتمين بالشأن المحلي. وكان وزير التجهيز والنقل الأسبق، عبد القادر اعمارة، قد صرّح أن الأشغال ستنتهي سنة 2019، إلا أن الواقع أظهر عكس ذلك، حيث ما تزال أجزاء مهمة من المشروع غير مكتملة).

أرأيت سيدتي كم هو قصير حبل الكذب؟ بالمناسبة، أدعوك لسماع تصريح رئيس جماعة أيت بوﯕماز المنتمي لتنظيمكم، بخصوص تعامل وزراء حزبكم مع مطالب الساكنة التي كان يرفعها إليهم في موضوع الطريق والماء والكهرباء والمستوصف، علك تدركين أنك تنفخين في قِرْبَة مثقوبة، وأن معاناة الساكنة لا ترفعها عنهم شعارات حزبك ولا مزاعمك. وحتى أضعك أمام المرآة لترين حقيقة نفسك، أقدم لك المعطيات الرسمية التالية فيما يتعلق بنسبة تزويد الساكنة بالكهرباء قبل ترؤس حزبكم الحكومة وفي نهاية رئاسته لها ليتضح لك وللقراء الكرام بهتانك وزيف ادعاءاتك:

بخصوص الكهرباء: من سنة 2009 إلى 2011 بلغت نسبة الكهربة 97 %، وفي عام 2012 وصلت 98 %، وبين 2013 إلى 2015 بقيت النسبة ثابتة في 99 %. وقد تطرق تقرير لمجلس النواب حول تقييم برنامج الكهربة القروية، وانتهى إلى الخلاصة التالية (كانت التفاوتات، على صعيد الأقاليم، أكثر بروزا حيث سجلت مجموعة مؤلفة من 42 إقليما نسبة كهربة تتجاوز أو تعادل 99 % في حين سجلت مجموعة أخرى من 11 إقليما نسبة كهربة قروية دون 95 %. وتعتبر النسبة الأقل هي تلك المسجلة في إقليم خنيفرة بنسبة كهربة قروية تعادل 79.60 .%وفي الأخير حدد التفاوت النموذجي الإقليمي مقارنة بالمتوسط الوطني في 3.1 %برسم عام 2015). بل إن التقرير أشار إلى أن حوالي 19 ألفا و123 بيتا مبرمجا للربط بالطاقة الشمسية في إطار هبة من إمارة أبو ظبي لم يتم تنفيذها بعد في 983 قرية. وقد كشفت جائحة كورونا عدم قدرة فئة واسعة من تلاميذ الوسط القروي على الاستفادة من التعليم عن بعد بسبب انعدام الكهرباء أو عدم توفرهم على الحواسيب نظرا للفقر الذي تعاني منه أسرهم.

لقد ناهضت هيئاتكم، سيدتي، مطلب اقتسام الممتلكات الزوجية بعد ان اعتبره بيان رئيس حركتكم حينئذ، أحمد الريسوني، “أكل أموال الناس بالباطل”، كما ناهضتم الطلاق القضائي؛ وحين تم تشريعه كانت بعض عضواتكم أول من لجأن إليه لإنهاء العلاقة الزوجية، وكذلك الشأن بالنسبة لولاية المرأة على نفسها في الزواج الذي حرّمتموه بناء على بعض الأحاديث النبوية (لا نكاح إلا بولي) و (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات)، بينما منكن من مارسن حقهن في الولاية على أنفسهن دون ولي. فأنتم تحرّمون حينا وتحلّون أحيانا أخرى تبعا لأهوائكم ومصالحكم، بينما تصرون على تحنيط المجتمع وتنميط سلوك الأفراد. بهذه المناسبة، وبعد أن فشلتم في إجهاض كل محاولات إصلاح وتغيير مدونة الأحوال الشخصية، أدعوكم إلى الانفتاح على تجارب إسلامية رائدة في إقرار المساواة بين الجنسين وضمان حقوق النساء وكرامتهن وإلحاق الأبناء خارج مؤسسة الزواج بالآباء البيولوجيين تطبيقا للأمر الإلهي (أدعوهم لآبائهم هم أقسط عند الله)، ورفع التجريم عن الإجهاض الإرادي داخل 120 يوم من الحمل وفق ما اتفقت عليها أغلب المذاهب الفقهية (أحيلك سيدتي على كتابي: “دفاعا عن المساواة في الإرث وإلغاء التعصيب وإثبات النسب”، ففيه من الأدلة الشرعية ما يفي بالغرض ويعفيك من الجدال واللجاج).

نصيحتي لك ولكل أعضاء وعضوات هيئاتكم: وأنتم ترسلون أبناءكم للدراسة في تركيا أو تقصدونها للسياحة أو لأغراض أخرى، لا بأس أن تطلبوا الحكمة منها (والحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أحق بها)، وتستفيدوا من تشريعاتها في قانون الأسرة والقانون الجنائي لتُغنوا المجال التشريعي في المغرب، فيكون لكم فضل السياحة وفضل التشريع.

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

نشرت

في

بواسطة

ينيط الدستور المغربي بالبرلمانيين، في الباب الرابع، مهمة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية. ومن الآليات الرقابية التي يضعها الفصل 67 رهن البرلمانيين” تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”.

وكان من المفروض أن يسارع أعضاء البرلمان بغرفتيه، مباشرة بعد عطلة عيد الأضحى، إلى الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية والأخلاقية، بسبب الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي رغم الدعم العمومي (28 مليار درهم) التي خصصتها الحكومة لاستيراد الأغنام والأبقار واللحوم الحمراء بهدف الحفاظ على التوازنات السوقية والحد من ارتفاع الأسعار. فالمآسي التي فجرتها الأسعار الملتهبة وكابدتها شرائح واسعة من المجتمع المغربي المنتمية، خصوصا، إلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، كان أحرى بالفرق والمجموعات النيابية أن تتحرك وفق ما يخوله لها الدستور. لكن، للأسف، آثر البرلمانيون التقاعس عن الاضطلاع بمهامهم الرقابية والتمثيلية؛ مما يمكن اعتباره خيانة للأمانة التي أناطهم بها الناخبون وعموم الشعب المغربي. ومن شأن هذا الموقف المتخاذل للبرلمانيين أن يعطي صورة سلبية للمؤسسة التشريعية ويخلق انطباعا لدى الشعب المغربي بكون ممثليه يوفرون حماية للشناقة وناهبي المال العام.

من الخيمة خرج مايل.

إن إخلال البرلمانيين بمسؤوليتهم السياسية والدستورية والأخلاقية هو ليس فقط تعطيل لآلية دستورية وُجدت أصلا لضمان الشفافية والمحاسبة، وإنما هو رسالة واضحة للدولة مفادها أن إستراتيجية محاربة الفساد والريع والرشوة لن تحقق أهدافها؛ ومن ثم تشجيع ناهبي المال والفاسدين والشناقة، باختلاف مجالات أنشطتهم ومستوياتها، على التمادي في جرائمهم في حق الوطن والشعب وطمأنتهم ألا خوف من الرقابة والمحاسبة. وهذا ليس غريبا على البرلمانيين، فقد ظلوا يتعاملون مع معظم التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات بكل إهمال واستخفاف بدل مناقشتها بما تفرضه عليهم مسؤولياتهم الدستورية والسياسية، وعلى رأسها إحالتها على العدالة.

وسبق للسيد إدريس جطو، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للحسابات، أن انتقد البرلمانيين لكونهم لا يولون الأهمية المطلوبة للتقارير التي ينجزها المجلس، بل تركوها “تمر مرور الكرام في اللجن البرلمانية”. ومعلوم أن لجان التقصي لا تصدر أحكاماً مسبقة، ولا تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات بعينها، بل تقتصر مهامها على جمع المعطيات وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن رفض تفعيل هذه الآلية الرقابية لا يُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات خطيرة تتعلق بتعطيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ذاته الذي ينص عليه الفصل الأول من الدستور، والذي لا يقتصر على الوزراء أو المسؤولين الإداريين، بل يشكل قاعدة ناظمة للحياة العامة برمتها. فكل من يتولى تدبير المال العام أو الاستفادة من السياسات العمومية يجب أن يكون خاضعاً للرقابة والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعطيل للآليات الدستورية المخصصة للرقابة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى احترام روح الدستور ومقتضياته.

فالديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات الدورية، وإنما أيضاً على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات المنتخبة تعمل لخدمتهم وتدافع عن حقوقهم. وعندما يشعر المواطن بأن آليات الرقابة يتم تعطيلها أو إفراغها من مضمونها، فإن ذلك يضعف الثقة في العمل البرلماني ويعزز الشعور بأن مراكز القرار الحقيقية توجد خارج المؤسسات الرسمية.

من هنا وجب التأكيد على أن ضمان الشفافية ليست مطلباً معارضاً للدولة أو مهددا لكيانها، بل هو شرط من شروط تقوية الدولة نفسها. ذلك أن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك القدرة على مراقبة ذاتها والكشف عن الاختلالات التي تحول دون معالجة مكامن الفساد والريع والاحتكار. أما التردد في فتح ملفات تهم المال العام، فإنه يشجع على الإفلات من المحاسبة والعقاب. فإما أن تنتصر ثقافة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر ثقافة الحماية السياسية للمستفيدين من الامتيازات والريع. وبين الخيارين تتحدد صورة المؤسسة البرلمانية في نظر المواطنين: هل هي فضاء للدفاع عن المصلحة العامة أم أنها تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى خط دفاع أول عن الشناقة والمضاربين؟ لهذا فإن دور البرلمان لا ينحصر فقط، في مناقشة القوانين والمصادقة عليها، بل أساس في قدرته على مساءلة الحكومة ومراقبتها عندما يتعلق الأمر بالمال العام.

وكلما مارس البرلمان هذه الوظيفة الرقابية بكفاءة واستقلالية، إلا وتتعزز شرعيته ومعها ثقة المواطنين في المؤسسات. أما عندما يتخلى عن هذا الدور، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى البرلمان نفسه وجدوى الانتخابات؛ الأمر الذي يجعل المواطن العادي يجد صعوبة في فهم كيف يمكن لنواب انتخبوا باسم الدفاع عن مصالحه أن يتخلوا عنه في قضية تمس بشكل مباشر معيشته اليومية. فكل ما ينتظره الرأي العام الوطني من البرلمانيين هو البحث عن أسباب الاختلالات لتقويمها مع الكشف عن الكيفية التي تصرف بها الأموال العمومية ضمانا للشفافية.

غير أن مسؤولية الرقابة لا تقع على البرلمان وحده. فالمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بمراقبة المالية العمومية، مطالب بتتبع كيفية صرف الأموال العمومية ومدى احترام مبادئ الحكامة والنجاعة والشفافية. فالدستور والقوانين التنظيمية للمجلس يمنحان صلاحيات واسعة للمجلس لتدقيق الحسابات وتقييم البرامج العمومية ورصد الاختلالات التي قد تعتري تدبير المال العام.

لهذا فإن أي سياسة عمومية تستند إلى دعم مالي ضخم يفترض أن تخضع لتقييم دقيق لقياس مدى تحقيقها للأهداف المعلنة. فالأمر لا يتعلق فقط بسلامة المساطر القانونية أو المحاسبية، وإنما أيضاً بمدى نجاعة الإنفاق العمومي في تحقيق الأهداف التي رُصد لها. وإذا كانت الدولة قد رصدت موارد مالية استثنائية لدعم استيراد اللحوم والأغنام، بينما ظلت الأسعار مرتفعة واستمر المواطن في تحمل أعباء الغلاء، فإن تقييم فعالية هذا الإنفاق يصبح ضرورة مؤسساتية ودستورية. ففي العديد من التجارب المقارنة، تعتبر القطاعات المرتبطة بالدعم العمومي من أكثر المجالات عرضة لمخاطر الريع والاحتكار واستغلال النفوذ. لذلك فإن تعزيز الشفافية في هذا النوع من العمليات لا يمثل مجرد مطلب سياسي أو إعلامي، بل يشكل قاعدة دستورية ملزمة لجميع المؤسسات؛ ومن ثم فإن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتقاسمها الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة وسائر مؤسسات الرقابة والحكامة، والإخلال بها هو إخلال بالدستور.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

نشرت

في

يمكن النظر إلى جزء مهم من أزمة اليسار المغربي المعاصر باعتبارها نتاجًا لتقاطع مسارين متلازمين: عقدة المجال المحفوظ من جهة، والانتقالات المعاقة بين السردية الأمنية والسرديات التاريخية والدينية من جهة أخرى. فالمسألة لا تتعلق فقط بتراجع تنظيمي أو انتخابي، بل بأزمة أعمق تخص الموقع الذي يحتله اليسار داخل هندسة السلطة وإنتاج المعنى في المجتمع.

لقد نشأ اليسار المغربي، تاريخيًا، على قاعدة توسيع مجال المشاركة السياسية وربط الشرعية بالمحاسبة والتمثيل الديمقراطي. غير أنه اصطدم، منذ وقت مبكر، بحقيقة أن مجالات استراتيجية عديدة ظلت مرتبطة بالمؤسسة الملكية باعتبارها الضامن الأعلى لاستمرارية الدولة ووحدتها. وهكذا تبلورت لدى قطاعات واسعة من اليسار ما يمكن تسميته بـعقدة المجال المحفوظ؛ أي الشعور بأن المشاركة السياسية تظل منقوصة ما دامت القرارات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية والتوجهات الاستراتيجية الكبرى لا تخضع بنفس الدرجة لمنطق التنافس الحزبي والتداول السياسي.

غير أن هذه العقدة لم تُنتج دائمًا تفكيرًا مؤسساتيًا جديدًا حول سبل الجمع بين مقتضيات الدولة الاستراتيجية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية، بل دفعت أحيانًا نحو الاحتماء بسرديات بديلة أو موازية. وهنا وجد اليسار نفسه عالقًا بين ثلاث سرديات كبرى مهيمنة على المجال العمومي.

فمن جهة أولى، ظل جزء منه أسير السردية التاريخية المستمدة من ذاكرة المقاومة والحركة الوطنية والنضال الديمقراطي. وقد وفرت هذه الذاكرة شرعية رمزية مهمة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى رأسمال رمزي يُستدعى أكثر مما يُجدد، وإلى مرجعية تبريرية تعوض إنتاج رؤية مستقبلية قادرة على فهم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة. فأصبح الماضي، بدل أن يكون موردًا للنقد والتجديد، يتحول أحيانًا إلى ملاذ تعويضي عن صعوبة التأثير في الحاضر.

ومن جهة ثانية، وجد اليسار نفسه في مواجهة السردية الدينية التي استطاعت احتلال مساحات واسعة من المجال العمومي، مستفيدة من قدرتها على مخاطبة أسئلة الهوية والانتماء والمعنى. وفي الوقت الذي نجحت فيه هذه السردية في بناء جسور مع قطاعات اجتماعية واسعة، ظل اليسار يتأرجح بين المواجهة الإيديولوجية المباشرة وبين التكيف البراغماتي، دون أن ينجح في بناء سردية مدنية قادرة على المنافسة الرمزية والثقافية.

أما من جهة ثالثة، فقد تعزز حضور السردية الأمنية بوصفها إطارًا مهيمنًا لإدارة المخاطر والتحولات، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية والأزمات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية. ومع أن الأمن يمثل حاجة جماعية لا غنى عنها، فإن تحوله إلى مرجعية تفسيرية شاملة أعاد ترتيب الأولويات السياسية لصالح الاستقرار والتحصين، وأضعف نسبيًا مركزية النقاش حول العدالة الاجتماعية والحريات والإصلاح السياسي. وفي هذا السياق، وجد جزء من اليسار نفسه بين خيارين صعبين: إما التكيف مع منطق الأولوية الأمنية، أو البحث عن تحالفات ظرفية مع قوى تستثمر السردية الدينية أو سرديات الضحية والهوية.

لكن المعضلة الحقيقية لم تكن في وجود هذه السرديات بحد ذاتها، بل في عجز اليسار عن إنتاج سردية انتقالية جديدة تتجاوز ثنائية الاحتجاج والتكيف، وتعيد طرح سؤال المشاركة السياسية خارج منطق الصراع الرمزي حول الشرعيات التاريخية أو الهوياتية. فبدل تطوير تصور متكامل حول كيفية إشراك المجتمع ومؤسساته التمثيلية في صناعة القرار الأمني والقرار المالي والقرار السيادي الخارجي ضمن إطار يحفظ استمرارية الدولة وفعاليتها، ظل النقاش محصورًا في التوتر بين مطلب التوسيع الديمقراطي وواقع التمركز الاستراتيجي للقرار.

لذلك فإن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالمطالبة بالمشاركة في المجالات السيادية، بل ببلورة نموذج جديد للحكامة السياسية يوفق بين الدولة الاستراتيجية والدولة الديمقراطية، وبين مقتضيات الأمن وضرورات الحرية، وبين وحدة القرار وحق المجتمع في المراقبة والمساءلة. فالسؤال لم يعد: من يحتكر القرار؟ بقدر ما أصبح: كيف يمكن جعل القرار السيادي أكثر انفتاحًا على النقاش العمومي والخبرة المجتمعية والرقابة المؤسساتية دون المساس بفعاليته واستمراريته؟.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن تجاوز هذه الانتقالات المعاقة يقتضي الانتقال من التنافس على احتكار الذاكرة أو الهوية أو الأمن إلى حوكمة السرديات نفسها، أي إخضاع مختلف الروايات المؤسسة للمجال العمومي للمساءلة النقدية، ومنع تحولها إلى يقينيات مغلقة أو مقدسات سياسية. فالتحدي الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس استعادة أمجاد الماضي، ولا مجرد منازعة خصومه التقليديين، بل المساهمة في بناء أفق مدني جديد يجعل من الوطن فضاءً مشتركًا للحرية والعدالة والأمن الإنساني، ويؤسس لمشاركة مسؤولة في صناعة القرار، بدل البقاء أسيرًا لتوتر مزمن بين المجال المحفوظ والسرديات المتنازعة.

° مصطفى المنوزي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

نشرت

في

إن الحق في الحزن والحق في الحداد ، والحق في العفو والحق في القلق الفكري وفي الغضب السلمي ، جراء الوضع الإنساني والمأساوي الذي تعاني منه الأسر المكلومة ، حقوق مضمونة ومشروعة ، ولا يحق لأي كان ان يصادرها وأن يقمع المشاعر المرتبطة بها ، فهي جزء من مقومات الصمود ومقاومة انهيار الكرامة وهذا من باب تحصيل الحاصل والحقوق المكتسبة .

ولأن الخطأ هنا لا يصلحه الخطأ هناك أو هنالك ؛ فإنه وجب الحذر من مغبة تضخم خطاب التوتير والمشاحنات غير المجدية وغير المنتجة لغايات توسيع دائرة الضوء ، على علتها ، فالنتائج غير مضمونة لهشاشة المقدمات ، ولذلك فإن المعارك التي تُفرض ( بالإستفزاز العمدي ) خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي لا تكتفي باستنزاف الجهود والطاقات، بل تدفع المجتمع إلى الانخراط في اصطفافات متسرعة قبل أن تتضح طبيعة النزاع وحدوده وأهدافه الحقيقية. ومع ضياع البوصلة، تتراجع قدرة الفاعلين على بناء تحالفات عقلانية، وتنشأ بدل ذلك مواجهات رمزية وأخلاقية بين مؤيدين لهذا الطرف أو مناصرين لذاك، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى استقطابات هوياتية تغذيها الانفعالات أكثر مما يوجهها التفكير في المصلحة العامة والمآلات البعيدة.

وفي خضم هذه الحروب الصغيرة، التي قد تتحول مع الزمن إلى أشكال من الحرب الأهلية الرمزية، يبرز خطر آخر لا يقل أهمية، وهو ميل بعض الأطراف إلى تنصيب نفسها مدافعًا عن قضايا أو ضحايا مفترضين دون سند قانوني أو تفويض صريح، وكأن مجرد الشعور بالغضب أو الاستياء يمنح صاحبه صفة التقاضي أو سلطة الإدانة. والحال أن الخطأ لا يُصلحه الخطأ، وأن الانزلاق إلى منطق المحاكمات الموازية لا يختلف كثيرًا، في جوهره، عن السلوك الذي يدعي مقاومته.

لذلك فإن المتضرر، إن وجد ضررًا حقيقيًا، يظل صاحب الصفة والمصلحة في اللجوء إلى القانون، بينما تبقى النيابة العامة والمؤسسات القضائية المختصة هي المؤهلة لحماية النظام العام والحقوق والحريات وفقًا لمبدأ الشرعية وقرينة البراءة. أما تحويل الخلافات الفكرية أو الثقافية أو السياسية إلى معارك تعبئة جماعية تُدار بمنطق الوصاية الأخلاقية أو الحسبة الحديثة، فإنه لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف مناعة المجتمع الديمقراطية ، وهي في عمقها غالبا ما تكون ذريعة لتبييض خطايا الماضي بدل مساءلة أسبابها .

ومن هنا تبرز أهمية التفكير النقدي التوقعي؛ إذ لا يكفي أن نتساءل مع من نقف، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما طبيعة المعركة التي يُراد لنا خوضها؟ ومن المستفيد من توسيع نطاقها؟ وهل يتعلق الأمر بدفاع مشروع عن حق أو حرية، أم بإعادة إنتاج صراع رمزي يستهلك المجتمع ويبعده عن أولوياته الحقيقية؟.

فليس كل استفزاز يستوجب التعبئة، وليس كل خطأ يبرر إعلان حرب أخلاقية أو هوياتية. ذلك أن مواجهة سلوك نشاز بسلوك شاذ عن مقتضيات القانون والعقلانية لا تنتج عدالة ولا تحمي حرية، بل تساهم في تعميم منطق الاستثناء وتحويل الخلافات العادية إلى معارك وجودية مفتوحة. وعندما يحدث ذلك، يجد المجتمع نفسه على متن سفينة لا يعرف ركابها وجهتها، تبحر في بحر من السرديات المتنازعة، حيث لا نصر مضمونًا ولا كلفة محدودة، بينما يكون الخاسر الأكبر هو المجال المشترك الذي يفترض أن يجمع الجميع: الوطن، والقانون، والمصلحة العامة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عبادة المشاعر أو تحويلها إلى مصدر وحيد للحقيقة والشرعية، بل في احترامها والإنصات إليها دون الخضوع لابتزازها أو توظيفها في تأجيج الاستقطاب. فالمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، تستحق الاعتبار لأنها تعبر عن آلام وتجارب ومخاوف حقيقية، لكنها لا يمكن أن تحل محل القانون، ولا أن تعوض المؤسسات، ولا أن تصبح أساسًا لإصدار الأحكام أو تحديد المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة الجماعية لا يتحقق بتوسيع دائرة الخصومات الرمزية أو بإحياء منطق الثأر الأخلاقي، وإنما بتفعيل الإصلاحات الكفيلة بمنع تكرار المآسي والانتهاكات. فالمطلوب ليس استدعاء الماضي بوصفه ساحة معركة دائمة، بل استحضاره باعتباره مصدرًا للدروس والعبر.

ولذلك تظل التوصيات المرتبطة بضمانات عدم التكرار ذات أولوية استراتيجية، وفي مقدمتها ضمانات عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ الحكامة الأمنية، وتعزيز الأمن القضائي، وتدعيم استقلال المؤسسات وقدرتها على حماية الحقوق والحريات. فهذه الآليات هي التي تمنح الذاكرة معناها المدني، وتحولها من عبء على المستقبل إلى رصيد أخلاقي وسياسي في خدمة دولة القانون.

أما الانشغال بمعارك جانبية تُفرض خارج جدول أعمال الزمن الاجتماعي، أو الانزلاق إلى محاكمات متبادلة تُدار بمنطق الانفعال والاصطفاف، فلن يؤدي إلا إلى استنزاف الطاقات وتعطيل النقاش العمومي حول القضايا الأكثر إلحاحًا. ذلك أن المجتمعات لا تتقدم بإدارة الأحقاد، بل بإدارة الاختلافات؛ ولا تبني مستقبلها بعبادة المشاعر، بل باحترامها في إطار مشروع جماعي قوامه العدالة والحرية والمسؤولية، ومحصن بضمانات مؤسساتية تمنع تكرار الماضي وتؤسس لمواطنة آمنة وواعية. فلكل واحد منا خياراته ومقارباته ، ولنحترم المشاعر والسياقات والقدرات ، فالصراع السياسي والإجتماعي مشروع ولكن العنف ولو كان لفظيا يفسد للود قضية ، وهنا يتماهى مطلب جبر الأضرار مع مطلب جبر الخواطر ، وتنتعش نزعة الإستقطاب بدل قيمة الإكتساب .

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
واجهة منذ 8 دقائق

بعد 17 سنة من الجمود..انتخاب مكتب جديد لفرع النقابة الوطنية للصحافة بالبيضاء

رياضة منذ ساعة واحدة

مونديال 2026: توقيت مباراة المغرب ضد البرازيل وقنوات البث

دولي منذ ساعتين

ترامب يقول إنه سيتم توقيع الاتفاق مع إيران الأحد وفتح مضيق هرمز

دولي منذ 3 ساعات

إيران تستبعد توقيع تفاهم مع الولايات المتحدة في غضون 24 ساعة

واجهة منذ 4 ساعات

افتتاح أول خط جوي مباشر بين مونتريال وأكادير

رياضة منذ 5 ساعات

«أسود التيرانغا» بلا أنصار.. أمام فرنسا في كأس العالم

دولي منذ 6 ساعات

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار لعشرين بلدة

اقتصاد منذ 7 ساعات

قصة أكبر حقل غاز في المغرب.. من الاكتشاف إلى الانسحاب والتأخير

رياضة منذ 8 ساعات

هذا ما قاله وهبي قبل مواجهة البرازيل اليوم السبت

منوعات منذ 9 ساعات

كارلو أنشيلوتي يتوقع مواجهة صعبة للغاية أمام منتخب مغربي “قوي جدا”

رياضة منذ 10 ساعات

مونديال 2026.. “أسود الأطلس” بمعنويات عالية عشية مواجهة منتخب البرازيل

رياضة منذ 11 ساعة

أمريكا تقسو على باراغواي برباعية في انطلاقة مشوارها بكأس العالم

رياضة منذ 12 ساعة

التونسي نصر الدين النابي مدربا جديدا للرجاء البيضاوي

واجهة منذ 13 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم السبت

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: استمرار غياب نيمار عن تدريبات البرازيل

رياضة منذ يوم واحد

الفتح الرياضي يتعادل مع المغرب الفاسي (1-1)

رياضة منذ يوم واحد

عراقجي: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران “أقرب من أي وقت مضى”

رياضة منذ يوم واحد

مونديال 2026: رفض تأشيرتي رئيس الاتحاد الفلسطيني لأمريكا وكندا

تكنولوجيا منذ يوم واحد

عودة خدمات “فيسبوك” و “أنستغرام” تدريجيا بعد انقطاع أثر على آلاف المستخدمين

واجهة منذ يوم واحد

إمبراير البرازيلية تعرض على المغرب طائرة KC-390 ومركز قيادة متطور

سياسة منذ يومين

فوزي لقجع يقبل الترشح بألوان حزب “الأصالة و المعاصرة”

واجهة منذ أسبوعين

وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر 104 أعوام

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

الوطنية بين أفق الوطن ووثنيات الدولة والمجتمع في ظل أمننة عابرة للسرديات

واجهة منذ أسبوعين

الدار البيضاء تحتضن اجتماعاً سرياً للقوى النووية الخمس الكبرى

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

سعيد الكحل: كيف تجنب المغرب مصير دول قادتها الشعبوية إلى حافة الإفلاس؟

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

اليسار المغربي بين عقدة المجال المحفوظ وانتقالات السرديات المعاقة

سياسة منذ يومين

مراكش: اجتماع رؤساء وكالات مكافحة الإرهاب..قراءة نقدية من منظور حقوق الإنسان وحقوق الضحايا

واجهة منذ 6 أيام

عبد اللطيف اللعبي يرقد بالمستشفى بفرنسا بعد تعرضه لكسر

رياضة منذ 5 أيام

البطولة الوطنية.. المغرب الفاسي يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة الـ23

منوعات منذ أسبوع واحد

اختيار التشكيلي عبد الإله الشاهدي للمشاركة في فعاليات معرض Red Dot Miami

اقتصاد منذ أسبوع واحد

رسميًا 5 يونيو من كل سنة “يوم للمغرب” بمدينة ألكسندرية الأمريكية

رياضة منذ أسبوع واحد

تشكيلة المنتخب الوطني النسوي أمام البنين

منوعات منذ أسبوع واحد

الفنانة أسماء لمنور تطرح جديدها الغنائي.. إيلا كنتي حبيبي

منوعات منذ أسبوعين

“100 عام من مارلين”: هوليوود تحتفل بولادة مونرو

رياضة منذ أسبوع واحد

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته بالولايات المتحدة الأمريكية

منوعات منذ أسبوع واحد

انطلاق امتحانات البكالوريا وسط إجراءات تنظيمية مشددة

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

سعيد الكحل: حتى لا يتحول ممثلو الأمة إلى درع يحمي الشنّاقة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

احترام المشاعر لا عبادتها.. من الحسبة إلى دولة القانون

اقتصاد منذ أسبوعين

20 مليون أورو.. تفاصيل مشروع صيني جديد في التكنولوجيا الطبية بطنجة

سياسة منذ يومين

المغرب والبرتغال يوقعان اتفاق الاعتراف المتبادل برخص السياقة

رياضة منذ شهرين

البيضاء تحتضن “لمة ودادية” في أجواء “عائلية”

واجهة منذ 3 أشهر

إحداث خلية أزمة وتخصيص أرقام هاتفية رهن إشارة الجالية المغربية المتواجدة بالخليج

منوعات منذ 4 أشهر

“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء

الجديد TV منذ 4 أشهر

ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء

واجهة منذ 5 أشهر

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ 6 أشهر

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 7 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 8 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 10 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 12 شهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ سنة واحدة

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ سنة واحدة

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ سنة واحدة

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ سنة واحدة

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ سنة واحدة

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ سنة واحدة

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ سنة واحدة

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ سنة واحدة

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الاكثر مشاهدة

This will close in 20 seconds