لم يعد المشهد الحزبي الحاكم في المغرب يُدار بمنطق السياسة كما يفترض في الأنظمة الدستورية، بل صار يُسيَّر بمنطق التدبير الضيق للمصالح، وتقاسم النفوذ، وتأمين الاستمرارية، ولو على حساب المعنى والوظيفة والشرعية.
نحن اليوم أمام أغلبية حكومية لا تجمعها رؤية وطنية ولا مشروعًا مجتمعيًا، بقدر ما يجمعها توافق نفعي هدفه التحكم في القرار العمومي، وتحويل الحكومة إلى فضاء لتدبير الامتياز لا لمساءلة السلطة أو خدمة الصالح العام.
الأحزاب التي تتصدر الحكم لم تعد أحزابًا بالمعنى السياسي للكلمة، بل تحوّلت إلى أدوات انتخابية موسمية، أو واجهات تنظيمية لدوائر نفوذ اقتصادية ومالية. اختفى النقاش العمومي الحقيقي، وغابت الجرأة في اتخاذ القرار، وحلّ محلّهما خطاب تقني بارد يختزل السياسة في أرقام ومؤشرات، بينما تتآكل الثقة، ويتوسع الإحباط، ويشعر المواطن أن صوته لم يعد يُحدث فرقًا.
غير أن الأخطر من ضعف الأداء هو ما يمكن تسميته، دون تلطيف لغوي، بمنطق “التفريقش”: تقاسم خيرات البلاد بين مكونات التحالف الحاكم، بشكل منظم ومقنّع. جماعات ترابية، مجالس أقاليم، جهات، مؤسسات عمومية، مجالس إدارية، وبرلمان بغرفتيه، كلها صارت موضوع قسمة “عادلة” بين الشركاء، لا على أساس الكفاءة أو المصلحة العامة، بل بمنطق الولاء الحزبي والموقع داخل التحالف. هكذا تحولت الحكومة إلى خريطة نفوذ، وتحولت المؤسسات إلى حصص، وتحول التعيين والتدبير إلى مكافآت سياسية.
في هذا السياق، لم يعد “الدعم” أداة لتقليص الفوارق أو إنقاذ الفئات الهشة، بل غطاءً لتوزيع المال العام تحت مسميات تقنية، استفادت منه شبكات قريبة من مراكز القرار، بل وحتى من الصفوف الأولى للحكومة. نشأت طبقة جديدة تعيش على هذا التفريقش، تقتات من الريع المقنن، وتستثمر في القرب السياسي بدل الاستثمار في الإنتاج أو الابتكار. والنتيجة: اقتصاد مشلول بالمصالح، وسياسة مشلولة بالخوف من فتح الملفات.
تتمدد المصادر في ترتيب رواية دقيقة لما جرى داخل التحالف المتغوّل الذي رُعي بالمال… ثم بالمال… ثم بالمال، في غياب أي شرعية سياسية حقيقية. لم تكن هناك شرعية مشروع ولا برنامج، بل شرعية واحدة: شرعية المال وصناديق الاقتراع التي استُعملت مطية، عبر فقراء هذا البلد، وأيتامه، وأراملِه، وكل الفئات الهشة التي جرى استدعاؤها انتخابيًا ثم نسيانها حكوميًا.
الروايات المتقاطعة تتحدث اليوم عن تسارع في سقوط التحالف الحاكم، رغم محاولاته اليائسة لإظهار التماسك والقوة. فمن الجولات المتزامنة عبر مختلف جهات المغرب، تحت مسمى “مسيرة الإنجازات”، إلى زيارات المدن والأقاليم والبوادي، كان الهدف واحدًا: تثبيت مقولة “التحالف الذي لا يُقهر”، وتغذية وهم السيطرة على المشهد.
لكن ما يُقال في العلن يختلف عمّا يُتداول في السر. حديث عن ضمانات غير معلنة بأن الحكومات القادمة لن تحيد عن التحالف الثلاثي نفسه، سواء بنفس رئيس الحكومة أو بتغيير في الرأس فقط، وفق ما تفرضه الظروف. بما يعني أن التحالف المصالحي بات أكثر ثقة في التحكم في القرار الحكومي، وأقل اكتراثًا بالمؤسسات التي رسمها الدستور، حيث صار التشريع يُدار بشريعة الأغلبية العددية لا بروح القانون.
هذا المنطق لم يستفز فقط الفاعلين السياسيين، بل استفز المجتمع برمته: من لقمة العيش إلى الحرية والكرامة. ومع ذلك، تقول المؤشرات والتسريبات إن التحالف انفرط عقده فعليًا، وإن الأسابيع القادمة قد تشهد حكومة مغايرة شكلًا ومضمونًا، في أفق مرحلة سياسية جديدة ستعصف بالأوهام، وتضع حدًا لإعادة تدوير الخيبة.
لا داعي للاستعجال.
فأبواق أخنوش وتحالفه الحكومي تقف اليوم عاجزة عن ابتلاع هذا السقوط، المرتبط في جوهره بقليل من التفريقش وكثير من أخطر أشكال القمع: التضليل. ستضيق حسابات الصغار، وسيجفّ مداد الخديعة والغدر الذي وُجّه، ببرودة دم، رأسًا إلى الشعب المغربي.
لم تجد الأبواق ما تبرّر به سقوط “الزعيم الثلاثي” المخلوع بين عشية وضحاها، فاختارت الهروب إلى الأمام، وتسويق خروج مرتبك بمنطق المنتصر في معركة لم تقع أصلًا. وللأيتام السياسيين الذين صُنِعوا في كنف هذا التحالف، نعزّيكم… ونعزّي أنفسنا فيكم. لا شماتة في السقوط، لكن لا قداسة لوهم بُني على استغلال الفقراء واحتقار ذكاء المغاربة.
والحقيقة الباقية، التي لا تُضلَّل ولا تُشترى، هي أن الزمن دوّار.
ومن ظنّ أن المال يحميه من المحاسبة، نسي أن الشعوب قد تصبر طويلًا… لكنها لا تنسى.