إن تمرير مشروع قانون للمحاماة يُقنِّن احتكار شركاتٍ أجنبية لمهمة الدفاع عن متقاضين أجانب، تحت ذريعة واهية اسمها “تشجيع وحماية الاستثمار”، لا يمكن توصيفه إلا باعتباره اعتداءً صريحًا على السيادة القانونية للمغرب، ومسًّا خطيرًا باستقلال العدالة، وتفريطًا مرفوضًا في كرامة المهنة. فالدفاع ليس خدمة تجارية عابرة، بل وظيفة سيادية لصيقة بالنظام العام وبضمانات المحاكمة العادلة، وأي إخضاع لها لمنطق الامتياز الأجنبي يُفرغ الدولة من أحد أعمدة سيادتها الرمزية والمؤسساتية.
إن هذا التوجه لا يعكس “انفتاحًا” ولا “جاذبية استثمارية”، بل يكشف عقدة دونية تجاه الخارج تُترجم تشريعيًا في شكل تنازلات غير متكافئة، تُمنَح دون مقابل حقيقي، وعلى حساب مهنيين وطنيين راكموا تاريخًا من الدفاع عن الحقوق والحريات واستقلال القضاء. والحال أن الرأسمال الأجنبي، في ممارساته الواقعية، لا يعترف بهذه المجاملات التشريعية، ولا يبني قراراته الاستثمارية عليها، إذ يظل التحكيم الدولي هو خياره الطبيعي لحماية مصالحه، مهما بالغت الدول في تقديم التسهيلات والإعفاءات.
إن ما يجري هو مقايضة خاسرة: تفريط في السيادة مقابل وهم الاعتراف، وتنازل عن الكرامة المهنية مقابل خطاب استثماري بلا ضمانات. والتجربة اليومية تؤكد أن السخاء غير المشروط لا يولد إلا الجحود، لأن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بحسن النوايا، بل بمنطق المصالح الصلبة والندية المتكافئة.
وعليه، فإن الدفاع عن المحاماة الوطنية اليوم هو دفاع عن الدولة نفسها، عن حقها في تنظيم عدالتها، وعن مبدأ المساواة أمام القانون، وعن كرامة التشريع المغربي. فالحكمة الإنسانية الكونية واضحة ولا تقبل التأويل: لا تنازل دون مصلحة، ولا امتياز دون مقابل، ولا سيادة تُجزَّأ تحت أي ذريعة.وفي قاموسنا المتداول يوميا يكفي تذكير من يهمه الأمر بقاعدة ” لا دفع دون مصلحة “.
وهو تذكير منتج للتفكير ومفيد لدفع البعض لمراجعة موقفهم المتردد من المعارك التي يخوضها المحامون والمحاميات إنقاذا للمهنة ، وخاصة للبعض الذي يتوهم أنه في أمان من تعسف الرأسمال العالمي ، والذي لا يرحم الرأسماليات المحلية ولا رأسمالية الدولة ، ولا يعترف لها بأدوار او حقوق اللهم لعب دور الوساطة ككمبرادور ؛ بينها وبين الزبناء من كبار القوم ، في ظل عولمة متوحشة لا تعترف بالإستثناء الثقافي أو السيادي حتى !
* مصطفى المنوزي