2/1- قصة إبعاد ممنهج لأخنوش ومن على شاكلته
* مراد بورجى
من يتابع سيل التقارير الإخبارية والتحليلات السياسية، التي رافقت إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، سيلاحظ مفارقة لافتة: الجميع يقرأ القرار، لكن من زاوية واحدة تقريبا، وكأن المشهد السياسي المغربي يُختزل فجأة في الحسابات الحزبية، أو في مزاج رجل واحد قرر الانسحاب في “التوقيت المناسب” أو “التوقيت غير المناسب”، والحال أن القرار لا يمكن فصله عن تحوّل أعمق يمس بنية الفعل السياسي نفسه، وعن بروز فاعل دستوري جديد بدأ يفرض حضوره بهدوء، لكن بفعالية متصاعدة: ولي العهد الأمير مولاي الحسن. فبينما انشغلت التحليلات بتفكيك الحسابات الحزبية، أو تقدير الكلفة الانتخابية لأخنوش، بقي هناك سؤال مؤجلا أو حتى مغيبا قصداً وهو: من يضبط إيقاع المرحلة السياسية المقبلة؟.
ليس من قبيل المصادفة، في هذا السياق، أن يتزامن بلاغ الطبيب الشخصي للملك محمد السادس حول وضعه الصحي، وما شدّد عليه من ضرورة علاج ملائم و”فترة راحة وظيفية” (السبت 10 يناير)، مع إعلان أخنوش، في اليوم الموالي (الأحد 11 يناير)، عدم ترشحه لقيادة الحزب. فالتأكيد الرسمي على أن الملك يعيش فترة نقاهة لا يحمل فقط بُعداً صحيا مطمئناً، بل ينطوي أيضا على دلالة سياسية دقيقة: الدولة مستمرة، والمؤسسات تشتغل، وولي العهد يضطلع، عمليا، بأدوار متقدمة في تتبع الشأن العام، سواء في حضور الملك أو في غيابه المؤقت.
وعلى هذا الأساس، يصبح من المشروع طرح فرضية أن قرار ابتعاد أخنوش عن واجهة المرحلة المقبلة قد لا تتحمل مختلف القراءات المطروحة على الساحة، وأن قرار “الإبعاد” وليس “الابتعاد” هو جزء من إعادة ضبط أوسع لقواعد اللعبة السياسية، في لحظة بات فيها استعمال المال في السياسة، وتغوّل الأحزاب، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى أدوات للهيمنة والريع، عناصر تهديد مباشر للثقة العامة وللتوازنات الكبرى ولمختلف التحضيرات الجارية لبناء دولة الغد، دولة ولي العهد، الدولة الاجتماعية.
واللافت أن ولي العهد، خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد رمز دستوري للاستمرارية، كما أوضحتُ ذلك في مقالات سابقة، حيث دخل على الخط ما أسميته بـ”الفاعل الدستوري الجديد”، وهو فاعل ميداني وسياسي قام بأعمال مهمة لملء غياب الملك عن أنشطة رسمية، وتأقلم المغاربة بسرعة مع حضوره بينهم، في تدشينات ومهام دبلوماسية وأنشطة اجتماعية واقتصادية. وبدا جليا أن حضور ولي العهد يؤشر إلى أن الاستحقاقات المقبلة لن تكون مجرد إعادة إنتاج للمنطق نفسه، بل قد تحمل بصمة سياسية جديدة، “بصمة ولي العهد” ، والتي ستكون أكثر تشددا في التصدي لمظاهر الفساد الانتخابي، وأقل تساهلا مع الادعاءات الزائفة للعديد من المسؤولين، وعلى رأسهم أخنوش نفسه، بـ”القرب من القصر”!!!.
وعلى هذا الأساس، يبدو انسحاب أخنوش إشارة افتتاحية لمرحلة يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين السلطة والسياسة، وبين الدولة والأحزاب، على إيقاع جيل جديد من الفعل والانتظارات.
وإذا كان إدخال ولي العهد كفاعل سياسي مؤثر في قراءة قرار انسحاب أخنوش يفتح أفقا تحليليا جديدا، فإن الوقائع الملموسة، التي راكمتها حكومة “باطرون المحروقات”، خلال ولايتها، تجعل هذا الاحتمال أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى. فأخنوش لم يغادر المشهد وهو في ذروة توافق سياسي أو رضى اجتماعي، بل في لحظة بلغ فيها منسوب الغضب الشعبي مستويات غير مسبوقة منذ سنة 2011، كما تحول فيها “باطرون الحكومة” إلى عنوان للاحتجاج، وهدف مباشر لشعارات الشارع، خصوصا لدى فئات شبابية تنتمي إلى جيل Z، الذي ينتمي إليه ولي العهد، والذي لم يعد يقبل بمنطق “الانتظارية” ولا بخطاب التبرير التقني للفشل السياسي…
لقد وجد أخنوش نفسه، خلال الشهور الأخيرة، محاصرا بتراكم ملفات ثقيلة: اتهامات متجددة بتضارب المصالح، جدل لا ينتهي حول استفادة مجموعته الاقتصادية من الصفقات العمومية، ارتباك واضح في التواصل الحكومي، وتناقض صارخ بين الوعود الانتخابية والواقع الاجتماعي المتدهور. ومع كل ذلك، ظل الرجل يُدير الحكومة، وهنا الخطورة، بمنطق رجل الأعمال الذي يحسب الكلفة والربح، وليس بمنطق رجل الدولة الذي يستشعر التحولات العميقة في المجتمع، وهو ما عمّق القطيعة بين السلطة التنفيذية وشرائح واسعة من المواطنين.
وحين تصبح الحكومة مصدر توتر دائم، وحين تتحول الأغلبية إلى آلة صمّاء تبرر أكثر مما تُقنع، يصبح “الانسحاب المنظم” أو “الإبعاد السياسي” لحظة ملحة لمن يراقب ويدبر المشهد من زاوية أشمل ويحرص على ألا تنزلق السياسة إلى منطق الاحتقان المفتوح، حيث قد يتحول الغضب إلى أزمة ثقة أعمق قد تتعقد وتتعسر على الاحتواء والامتصاص.
على هذا الأساس، فإن قرار عزيز أخنوش بعدم الترشح مجددا لمواصلة رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال مؤتمره الاستثنائي المرتقب تنظيمه على عجل يوم 7 فبراير 2026، هو أبعد من مجرد قرار تنظيمي اعتيادي، أو خطوة شخصية نابعة من “حكمة سياسية” أو “رغبة في التجديد”، كما يحاول بعض “المتعاطفين” تسويقه. قرار أخنوش هو، في العمق، أول اعتراف صريح، رغم كونه جاء متأخرا ومرتبكا، بفشل نموذج كامل من الحكم قُدِّم للمغاربة سنة 2021 باعتباره الخلاص: نموذج “رجل الأعمال الناجح”، و”الباطرون” الذي سيدير الحكومة كما تُدار الشركات، بالأرقام لا بالسياسة، وبالتسيير لا بالصراع الاجتماعي، تحت مسمى حكومة الكفاءات.
ثلاث سنوات كانت كافية ليتحول هذا النموذج “الوعد” إلى “وعيد” بجحيم أرضي كانت الفئات الشعبية، كما هي العادة، هي من يؤدي ثمن نيرانه وأزماته: تضخم غير مسبوق، تآكل القدرة الشرائية، ارتباك اجتماعي، وغياب أي أثر سياسي حقيقي لما سُمّي زورا “الدولة الاجتماعية”. باطرون المحروقات حول الحكومة إلى ما يشبه شركة تابعة، وضع على رأس مديرياتها أطرا من مستخدمي شركاته المتعددة، فكان بذلك أبعد ما يكون عن الوعي بجدلية الحكم والحكامة في تدبير الشأن العام من زاوية فعل سياسي مركب، يقوم على التوازن والإنصات والقدرة على امتصاص الغضب، وليس على منطق مجلس الإدارة.
قراءة انسحاب أخنوش من رئاسة الحزب تتأطر في هذا السياق العام، الذي لا صلة له بمن رأى في القرار “خطوة تنظيمية شجاعة” تعيد الاعتبار للقانون التنظيمي للحزب، الانسحاب هو محاولة لتخفيف الضغط عن واجهة استُهلكت بالكامل وهي الحزب. فحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لم يكن يوما حزبا بالمعنى السياسي للكلمة، بل أداة انتخابية-تدبيرية، أدّى وظيفته ثم بدأ يفقدها. وحين تفقد الأداة نجاعتها، لا يجري إعادة ترميمها أخلاقيا، وإنما يجري البحث عن بديل أقل كلفة، أخذا بالاعتبار أن النظام لا يعاقب الولاء، وإنما يعاقب العجز. وعزيز أخنوش يوجد اليوم محل إدانة سياسيا ليس لأنه خرج عن الخط، بل لأنه أضحى عاجزا عن حماية هذا الخط من التآكل الاجتماعي والرمزي.
ولهذا لا يمكن قراءة هذا الانسحاب “الإبعاد” من زاوية الترتيبات الداخلية، في ما أعتقد على الأقل، لا يمكن تجاهل ما جرى خارج أسوار المؤسسات. فقرار أخنوش لم يولد في فراغ، بل جاء في سياق اجتماعي وسياسي مشحون، تَقدّم فيه جيل جديد إلى واجهة الاحتجاج، خارج الأطر التقليدية، وبلغة أكثر مباشرة وجرأة. جيل Z، الذي طالَب صراحة برحيل أخنوش، لم يفعل ذلك من باب المناكفة السياسية، بل باعتباره تعبيرا عن قطيعة كاملة مع نموذج حكم لم يعد يراه الشعب ممثلا لمصالحه ولا حتى واعيا بحجم أزمته، خصوصا أن الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة بدأت منذ الشهر الأول لتولي أخنوش رئاستها، ثم توالت قراراتها وسياساتها اللاشعبية، ومعها تفاقمت وتضاعفت الاحتجاجات الشعبية، التي باتت ترفع شعار “أخنوش ارحل”…
والملاحظ، هنا، وكما أوضحت ذلك في مقالات سابقة، أن احتجاجات جيل Z، التي هزّت المغرب، خلال شهر ونصف منذ شهر شتنبر الماضي، لم تُطالب بتعديل أو تحسين أو “إصلاح من الداخل”، بل رفعت شعار “الرحيل والمحاسبة”، لأن أخنوش، بالنسبة لهذا الجيل وحتى بالنسبة للاحتجاجات الشعبية، انتقل من موقع الفاعل السياسي إلى موقع الرمز، الذي يجسد كل الاختلالات: الغلاء، ضعف الحماية الاجتماعية، هشاشة الأفق، واحتقار الذكاء الجماعي عبر خطاب انتخابي احتيالي جديد: “مسار الإنجازات” المستفز…
إلى جانب هذا الغضب الاجتماعي، عاد ملف تضارب المصالح ليُطارد رئيس الحكومة بقوة، وهذه مسألة أخلاقية تمس جوهر الشرعية. فحين يتحول رئيس الحكومة، في نظر الرأي العام، إلى طرف يُشتبه في استفادته المباشرة أو غير المباشرة من قرارات ومقدرات الدولة، فإن أي خطاب عن “الكفاءة” أو “النجاعة” يتداعى إلى السقوط، إلى درجة أن المغاربة لم يعودوا يرون في أخنوش مجرد رئيس حزب أو حكومة، وإنما ينظرون إليه كبؤرة لتركّز الغضب الاجتماعي، وكرمز لزواج المال بالسلطة في أكثر أشكاله فجاجة. وهذا ما يفسر لماذا لم يعد الدفاع عن أخنوش سياسيا ممكنا، حتى من داخل حزبه، فالكلفة لم تعد انتخابية فقط، إذ أصبحت تمس صورة الدولة نفسها في علاقتها بجيل شاب يشعر بأنه مُستبعد من القرار ومُطالَب فقط بتحمل الفاتورة…
غير أن اختزال قرار انسحاب أخنوش في ضغط الشارع وحده، أو في حسابات رجل أعمال حريص على رأسماله الرمزي، يبقى، في اعتقادي، قراءة مبتورة. فالسياسة في المغرب لا تُدار فقط من الأسفل إلى الأعلى، بل تُحسم في لحظة معينة عندما تختلّ التوازنات العليا، ويصبح الاستمرار مكلفا على الصعيد المؤسساتي، وهذا ما يفسر لماذا جاء قرار أخنوش مفاجئا، ولماذا أُعلن خارج قنوات الحزب الطبيعية، وبطريقة صدمت حتى أقرب المقربين إليه…
المفاجأة لم تكن في مضمون القرار، وهو شيء غير مفاجئ وسبق لي أن تنبأت به في عدة مقالات، المفاجأة كانت في توقيت القرار. فقبل ساعات فقط من الإعلان، كان أخنوش يترأس المجلس الوطني لحزبه، ويتحدث بلغة المنتصر، ويُسوّق لاستمرارية سياسية وانتخابية، بل ولم يُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى نية الانسحاب. هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بالتحول النفسي المفاجئ، ولا بـ”قناعة أخلاقية” طارئة، بل بتغيّر في ميزان التقدير في مستوى أعلى من الحزب والحكومة معا.
حين تتقاطع ثلاثة عناصر، احتقان اجتماعي تقوده فئة شابة خارج السيطرة التقليدية، وانفجار ملف تضارب المصالح بما يحمله من إحراج للدولة، وعجز حكومي واضح عن امتصاص الغضب أو إنتاج أفق، آنذاك يأتي تدخل الدولة من منطق حماية الاستقرار، لا من منطق حماية الأشخاص… فالدولة، في مثل هذه الحالات، لا تُسقط رؤوسا فجأة، ولا تتركها تستنزف الشرعية إلى النهاية، إنها تُعيد ترتيب المشهد بأقل كلفة، ولذلك جاء قرار الانسحاب مفاجئا، ليس لأن أخنوش لم يُحضِّر له، بل لأنه لم يكن يملك ترف إعلانه تدريجيا. الإعلان المتأخر والمركّز والمباشر، هو علامة على أن القرار نضج خارج الحسابات الحزبية الضيقة، وأن هامش المناورة كان أضيق مما يُراد إظهاره. ولذلك، كان طبيعيا أن القرار لم يُطرح داخل المجلس الوطني للحزب، ولم يُناقش تنظيميا، بل أُبلغ به الحزب كأمر واقع، وقد يتفاجأ الحزب أكثر حينما “يُزاح” أخنوش من على رأس الحكومة، التي نجح من يهمهم الأمر في توريطه فيها مع الشعب في انتظار استرجاع المال “السائب”..