يثير توالي بلاغي النيابة العامة، المؤرخين في 18 فبراير و24 مارس، سؤالًا يتجاوز واقعة بعينها، ليطال كيفية تشكّل “الحقيقة القضائية” في الفضاء العمومي. فالملاحظ أن البلاغين انتهيا إلى نفس الخلاصة—اعتبار الواقعة ناتجة عن عملية انتحار—غير أن مسار الوصول إلى هذه النتيجة، كما تعكسه لغة البلاغين وأدواتهما، يكشف عن مفارقة دالة: ثبات في النتيجة، مقابل تطور ملحوظ في وسائل الإثبات.
البلاغ الأول، من حيث بنيته، قدّم خلاصة جازمة دون أن يسندها إلى ما يكفي من المعطيات التقنية الحاسمة. وهو ما يطرح إشكالًا مزدوجًا: إشكال كفاية الأدلة زمن الإعلان، وإشكال لغة اليقين في سياق لم يكن قد استكمل بعد شروطه المعرفية. فصحيح أن البحث التمهيدي بطبيعته مسار تراكمي، ولا يُشترط فيه ما يُشترط في الأحكام النهائية من اكتمال الحجية، لكن تحويل معطيات أولية إلى خلاصات شبه نهائية يضعف منسوب الثقة، ويجعل البلاغ أقرب إلى “تقرير موقف” منه إلى “عرض وضعية قيد التحقق”.
أما البلاغ الثاني، فقد جاء مشفوعًا بمعطيات تقنية أكثر صلابة—كاميرات، وخبرات متخصصة ذات طابع وراثي—مما منحه قوة تعليلية أوضح. غير أن هذه القوة لا تُقرأ فقط بوصفها تعزيزًا للحقيقة، بل أيضًا كاشفًا ضمنيًا عن حدود البلاغ الأول. فحين تتأخر أدوات الإثبات الحاسمة إلى البلاغ الثاني، فإن ذلك يعيد طرح سؤال التوقيت: لماذا تم إعلان الخلاصة قبل استجماع شروطها المعرفية الكاملة؟.
هنا يتبدى جوهر الإشكال: ليس في تناقض بين البلاغين، بل في ترادفهما المتسارع نحو نفس النتيجة، رغم اختلاف درجات اليقين التي تأسس عليها كل منهما. هذا الترادف يُنتج ما يمكن تسميته بـ”وهم الاستمرارية”، حيث تبدو الحقيقة وكأنها ثابتة منذ البداية، بينما هي في الواقع نتاج مسار استدراكي. ومن ثم، فإن البلاغ الثاني لا يقوم فقط بوظيفة التأكيد، بل يؤدي أيضًا—بشكل غير مباشر—وظيفة التصحيح.
إن النقد الحقوقي، في هذا السياق، يجد له ما يبرره، لا من باب الطعن في النتيجة النهائية، بل من زاوية مساءلة تدبير زمن الإعلان عن الحقيقة. فالبلاغ الأول يمكن اعتباره متسرعًا تواصليًا وضعيف التسبيب، لأنه لم يحترم المسافة الضرورية بين الفرضية واليقين. أما البلاغ الثاني، فرغم قوته الإثباتية، فإنه يكشف عن خلل في حوكمة التواصل، حيث جاء ليملأ فراغًا كان من الأجدر تأجيل ملئه إلى حين توفر معطياته.
ومع ذلك، تظل كل “الحقائق” المعلنة في مثل هذه البلاغات ذات طبيعة نسبية ومؤقتة، لأنها تصدر في سياق البحث ولا ترقى إلى مرتبة الحقيقة القضائية المكتملة. فهذه الأخيرة لا تتكرس إلا من خلال حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، حيث تتقاطع ضمانات المحاكمة العادلة مع صرامة الإثبات وحجية التعليل. ومن ثم، فإن ما تقدمه النيابة العامة يظل، مهما بلغت قوته، مجرد بناء أولي للحقيقة، قابل للمراجعة والتفنيد داخل المسار القضائي.
بهذا المعنى، فإن ترادف البلاغين لا ينبغي أن يُفهم كحسم نهائي، بل كمرحلة ضمن سيرورة أطول، رهينة بالنَّفَس القانوني، وبإرادة حماية الحق العام، وبمتطلبات المصلحة القانونية العمومية. وهي عناصر لا تُقاس بسرعة الإعلان، بل بمدى احترامها لشروط التريث، والتجرد، وربط الخلاصة بدرجة اليقين التي تبررها.
في هذا الأفق، يصبح الرهان الحقيقي هو الانتقال من مجرد إنتاج بلاغات تُطمئن الرأي العام، إلى بناء تواصل قضائي مؤطر بمنطق الحذر المنهجي، حيث لا تُعلن الحقيقة إلا بقدر ما تتيحه الأدلة، ولا يُستعجل اليقين قبل أوانه. فبين تسرّع الإعلان واستدراك الإثبات، تتحدد اليوم ملامح معركة أعمق: معركة الثقة في العدالة، باعتبارها ليس فقط جهازًا للفصل، بل أيضًا منتجًا للسرديات، وحارسةً لميزان الحقيقة بين النسبي والنهائي.
* مصطفى المنوزي