“مقال لا علاقة له بتصريحات آل الرشيد ،
وإذا تشابهت بعض الوقائع فليس المقال تعقيبا ”
يشكل الحكم الذاتي في المغرب إطارا دستوريا وإداريا مركزيا يعكس رؤية متوازنة بين وحدة السيادة الوطنية ومرونة التدبير المحلي. فهو يهدف إلى تمكين الجهات من ممارسة صلاحيات واسعة، ضمن حدود القانون، بما يسمح بتكييف السياسات العمومية مع خصوصيات الواقع الجهوي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي.
تستند فعالية الحكم الذاتي إلى مبدأ التفريع، الذي يقتضي نقل المسؤوليات واتخاذ القرارات إلى أدنى مستوى قادر على إنجازها بفعالية، بما يضمن تجاوبا أسرع وأكثر قربا من المواطن، ويجنب المركزية المفرطة التي غالبا ما تعرقل الابتكار والتنمية المحلية. بهذا المعنى، يصبح التفريع أداة دستورية لتفكيك إدارة الدولة إلى مستويات متعددة، لكل منها صلاحيات واضحة ومسؤوليته الخاصة، مع الحفاظ على وحدة السيادة والانسجام بين السياسات الوطنية والمحلية.
ويتكامل مع التفريع مبدأ التدبير الحر، الذي يمنح الهيئات المحلية قدرة تنظيمية ومالية مستقلة لإدارة شؤونها. هذا التدبير الحر لا يعني انفصال الجهات عن الدولة، بل يعزز قدرتها على ابتكار حلول محلية، وتطوير برامج تنموية تتلاءم مع طبيعة كل جهة، مع مراعاة الأطر القانونية الوطنية. فهو يسمح بمرونة في اتخاذ القرارات، وتحفيز المبادرات المحلية، وضمان مشاركة أوسع للمواطنين في صياغة السياسات العمومية.
من خلال الجمع بين هذين المبدأين، يشكل الحكم الذاتي أداة استراتيجية لتفعيل التنمية المحلية، وتعزيز المساءلة، ودعم ثقافة المشاركة. كما يتيح مواجهة التحديات المحلية بآليات قادرة على الاستجابة لخصوصيات كل جهة، من حيث الموارد والاحتياجات والسياق الاجتماعي والثقافي. في الوقت نفسه، يحافظ على وحدة الدولة المغربية وسلطتها السيادية، إذ تبقى القرارات الكبرى ضمن الإطار الوطني، مع منح الجهات مجالا أوسع للابتكار والتجريب على المستوى المحلي.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الحكم الذاتي في المغرب ليس مجرد آلية إدارية، بل هو نموذج متكامل للمسؤولية المشتركة، يوازن بين مركزية الدولة ومرونة الجهات، بين التفريع الذي يحدد الحدود القانونية للصلاحيات، والتدبير الحر الذي يتيح الفعل المحلي الفعال. إنه أفق متجدد لإعادة تأهيل العلاقة بين المواطن والسلطة، ولتعزيز الشفافية والمساءلة، ولخلق بيئة محفزة للتنمية المستدامة والمشاركة الديمقراطية على مستوى الجهة.