على مسؤوليتي

في الحاجة إلى ترشيد الخطاب المؤسستي لمقاومة الإنهيار القيمي

نشرت

في

على فرض صحة قفشات السيد الوزير المكلف بقطاع العدل، حول انهيار المحاماة ؛ فإن الجرأة الحقيقية تقتضي منه أن يقدّم الأسباب العميقة والموضوعية لما يجري، لا أن يكتفي بتشخيص مبتور أو انتقائي.

فالمحاماة جزء لا يتجزأ من المجتمع ومن منظومة العدالة، وليست جزيرة معزولة أو فضاءً منزّهًا بالمطلق عمّا تعرفه دواليب الدولة من مظاهر الفساد والرخاوة والترهل. إننا أمام انهيار هيكلي عام يهدد القيم والثوابت، ويستدعي تشخيصًا موضوعيًا يُمكّن من تشطير المسؤوليات دون مواربة ؛ أمام تلكؤ الحكومة في تفعيل أقوى توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة والتي أقرها عاهل البلاد والتزم بها وأمر بتفعيلها ودسترتها ، خاصة توصية ضمانات عدم تكرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وعلى رأسها إقرار الحكامة والأمن القضائي وسن استراتيجية الحد من الإفلات من العقاب ؛ ليطرح السؤال كم توصية ساهمت وزارة العدل في تفعيلها والعمل على طرحها في جدول الأعمال الوطني ، ولنتساءل عن المجهود الذي بذل لكي تتم شرعنة عدم الإفلات من العقاب ، وهنا علينا التصدي لكل المبادرات التشريعة السلبية في هذا الإتجاه .

من هنا فإن مقاومة انهيار القيم تعني الوعي بخطورة تآكل المعايير الأخلاقية والحقوقية، والعمل على حمايتها عبر النقد المسؤول، والتربية، والممارسة اليومية ؛ وهي سلوك مدني ( مؤطر بالقانون كأسمى تعبير عن الأمة ) يسعى إلى صون الكرامة الإنسانية، وترسيخ العدالة، ومواجهة التطبيع مع الفساد والعنف واللامعنى.؛ كما تعني تحويل القيم من شعارات مجردة إلى التزام فعلي في السياسات والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

وإذا كانت المسؤوليات متعددة، فإن أفدحها هي المسؤولية العمومية، وأقبحها المسؤولية السياسية والحزبية، لما لها من أثر مباشر في إنتاج الأعطاب وإعادة إنتاجها. أما المحاماة، فستظل قلعة من قلاع الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات، وركنًا أساسًا في بناء دولة القانون والمؤسسات، لا عبئًا عليها ولا شماعة لتعليق الإخفاقات.

لقد جرّب السيد وزير العدل مختلف القنوات، سواء كمعارض او كموال ، وكان الأجدر به أن يتناغم مع الحقيقة الوطنية، وأن ينخرط بصدق في معركة مقاومة الانهيار وردّ الاعتبار للكرامة، بدل توسيع هوة القطيعة وتعميق منسوب الاحتقان ؛ فقد تختلف مقارباتنا، وقد تتعدد زوايا النظر، لكن ليس كل حق حقيقة مطلقة، إذ تظل الحقيقة نسبيّة ومركّبة، وهو ما يجعل التعسف في استعمال الحق — فضلاً عن السلطة والقانون — أمرًا مرفوضًا أخلاقيًا ودستوريًا.

إن ما نحتاجه اليوم، في مواجهة قفشات الداخل ومتلازمات الخارج، ليس مجرد ردود فعل ظرفية أو طاقات تقنية معزولة، بل منظومة متكاملة من الطاقات التحويلية: فكرية وأخلاقية ومؤسساتية ومجتمعية. نحتاج إلى وعي نقدي توقعي يحرر النقاش العمومي من التبسيط والاختزال، ويعيد الاعتبار للعقلانية والإنصاف في التشخيص والمعالجة، ويضع السياسات العمومية أمام مسؤولياتها التاريخية. كما نحتاج إلى طاقات أخلاقية تعيد بناء الثقة وترمم الضمير الجمعي، وتحصّن المجتمع من التطبيع مع الرداءة والفساد والعنف الرمزي.

ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون طاقات سياسية ومؤسساتية جديدة، قادرة على تجاوز منطق الغنيمة إلى منطق الخدمة العمومية، ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة المساءلة، ومن تدبير الأزمات إلى استباقها. كما أن المجتمع، بإعلامه وجامعته ونخبه المدنية، مدعو إلى استعادة دوره النقدي والتنويري، لا كفاعل هامشي، بل كشريك كامل في إنتاج المعنى وحماية القيم.

إن المعركة اليوم ليست تقنية ولا قطاعية، بل هي معركة على المعنى، والسردية، والضمير الجماعي.

معركة لاستعادة الكرامة، وترسيخ العدالة، وصيانة دولة القانون من منطق التآكل البطيء. ففي عالم مضطرب، لا يمكن مواجهة ضغوط الخارج دون ترميم الداخل، ولا تحصين الدولة دون تحصين المجتمع، ولا بناء المستقبل دون نقد شجاع للحاضر. ذلك هو أفق الإصلاح الحقيقي، وذلك هو الرهان الوطني الأسمى.

* مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version