* مراد بورجى
الحملات الانتخابية السابقة لأوانها، التي استبدّت مبكرا بقادة الأحزاب السياسية منذ سنة 2025، حين شرعوا في تقديم أنفسهم كوجوه “موعودة” لقيادة ما سُمي بـ”حكومة المونديال”، تحولت اليوم، مع الإعلان الرسمي عن موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إلى ما يشبه “جذبة سياسية” جماعية، حتى بدا وكأن جزءا من المشهد الحزبي المغربي دخل حالة استنفار غير مسبوقة.
فبمجرد تأكيد وزير الداخلية “المكلف” أن انتخابات مجلس النواب ستُجرى يوم 23 شتنبر 2026، انطلقت داخل بعض الأحزاب موجة متسارعة من التصريحات والتحركات، توحي بأن السباق الحقيقي، لدى هؤلاء، لم يعد يتعلق بالبرامج أو بتأهيل العمل الحزبي، بقدر ما يكشف عن لهفة مكشوفة حول من سيصل أولا إلى كرسي رئاسة الحكومة!!.
المثير للانتباه أن هذه الحركية السياسية، التي انطلقت داخل بعض الأحزاب، تعبر عن تجاهل صريح للأوامر الملكية، إذ بدل أن تنطلق النقاشات حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، وحول تقييم سياسات الحكومة الحالية وكذا التجارب الحكومية السابقة، وحول إعادة بناء الثقة بين الأحزاب والمجتمع، وحول استعادة المصداقية للعمل السياسي النبيل…، عوض كل ذلك، بدا أن الانشغال القوي، الذي هيمن على عدد من القيادات الحزبية، كان انشغالا آخر تماما، إذ فضلت القفز مباشرة إلى المرحلة الأخيرة من اللعبة السياسية، أي من سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة بعد شطب اسم أخنوش من لائحة المتسابقين؟!!.
هذه اللهطة السياسية المبكرة تكشف في العمق خللا بنيويا في جزء من الثقافة الحزبية، حيث تحولت الانتخابات في وعي بعض القيادات من محطة ديمقراطية لتجديد النخب والبرامج إلى مجرد معركة مواقع تدور حول السلطة قبل أن تدور حول السياسة. والنتيجة أن النقاش السياسي انحرف تدريجيا عن جوهره الحقيقي، ومعه انحرف تنافس الأحزاب على تقديم تصورات جديدة لمستقبل البلاد، إلى منافسة شرسة على المواقع أولاً وأخيراً، في مشهد يعمق أكثر فأكثر الهوة بين المجتمع والعمل الحزبي: نفس الأسماء، نفس القيادات التي تدور في المواقع نفسها منذ سنوات طويلة، ونفس الذهنية التي لا ترى في العمل السياسي سوى آلية لتدوير النخب بدل تجديدها!!!.
هذه الانحرافات وهذا الاستهتار بالشعب، سيضع هذه الأحزاب، وبالخصوص رؤساءَها وقادتها، وجها لوجه ليس فقط أمام الملك محمد السادس، بل وأيضا أمام ولي عهده الأمير مولاي الحسن، وهذا محكّ دقيق يعرّي مسؤوليتهم على الفساد الانتخابي المتفشّي، بوسائل عدّة لعل أبرزها أداة “التزكيات”، التي تعتبر أخطر عملية في النظام الانتخابي المغربي، وطالما حذّر منها الجالس على العرش، في أكثر من خطاب، وحمّل مسؤوليتها إلى الأحزاب، إلى درجة أنه استقصد تكليف وزير الداخلية بإبلاغ تحذيراته إلى الهيئات السياسية في الاجتماع، الذي عقده معها يوم السبت 2 غشت 2025، بعدما “سحب” الملك الثقة من رئيس الحكومة ومن معه ووضعها في وزير السيادة.
رسائل التحذير الملكي كانت بليغة وقوية، إذ أن هذه الأحزاب، التي لم تنجح، طوال سنوات، في بناء نخب جديدة ومؤهلة، ولم تطور أدواتها الفكرية والتنظيمية لتجديد نفسها، تحولت، مع مرور الوقت، إلى ما يشبه ظاهرة “الزعامات الأبدية”، أو ما أسميتُهم بـ”المستخلدين”… فهناك “شخصيات” بعينها ظلت لعقود تحتل المواقع نفسها، تعود في كل استحقاق انتخابي بالخطاب نفسه والوعود نفسها والوجوه نفسها، حتى أن هذه القيادات، مع مرور السنوات، أصبحت ترى في الحزب مجرد إطار شخصي لإعادة إنتاج الموقع والنفوذ له ولزبنائه في التنظيم.
وفي خضم هذا المشهد السياسي العام، باختلالاته الحزبية السياسية والتنظيمية، كان طبيعي أن يعود اسم المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة ليتردد في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة مع تزايد الأحاديث غير الرسمية عن احتمال عودته إلى الواجهة السياسية، عبر طرح اسمه في سياق النقاشات المرتبطة برئاسة الحكومة المقبلة.
ولتدقيق هذا الموضوع، أعتقد أنه لابدّ من العودة لقراءة البلاغ الملكي، الصادر بتاريخ 13 شتنبر 2016، والذي ردّ فيه الملك شخصيا على تصريحات نبيل بنعبد الله الأمين العام “الدائم” لحزب التقدم والاشتراكية، ، حينما كان مازال يعتقد أن فؤاد عالي الهمة ما زالت له علاقة بحزب البام، إذ شدّد البلاغ، الذي أصدره القصر، وقتها، على أن فؤاد عالي الهمة هو “مستشار لجلالة الملك حاليا، ولم تعد تربطه أي علاقة بالعمل الحزبي”، لافتا إلى أن “مستشاري صاحب الجلالة لا يتصرفون إلا في إطار مهامهم، وبتعليمات سامية محددة وصريحة من جلالة الملك”.
والظاهر، هنا، أن بلاغ القصر لم يكن مجرد توضيح بروتوكولي لعلاقة شخص بمؤسسة، إنه، في العمق،ترسيم صارم لحدود الأدوار داخل الدولة، وفصل واضح بين من يشتغل بمنطق المؤسسات، ومن يشتغل بمنطق السباقات الحزبية، وهو خلط يكشف في حد ذاته أزمة فهم أعمق لطبيعة المرحلة السياسية، مرحلة الإعداد للمرور السلس للحكم.
والحال أن المستشار الملكي، بحسب الأدوار داخل الدولة وما تتطلبه مهام القصر، لديه انشغالات أكبر من سباق الأحزاب أو صراع المناصب. فدور رجالات الدولة (الديوان الملكي) يركز على ما هو أبقى وأكبر وأعمق: العمل على تحصين الاستحقاقات المقبلة وضمان شروط تنافس سياسي سليم، وهذا ما ظهر جليا في عدد من التحولات النوعية في الحياة السياسية، من قبيل المراجعة النوعية والحازمة للقوانين الانتخابية لضمان نزاهة الاستحقاقات، وفي تعزيز وتفعيل مؤسسات الحكامة، من خلال فتح ملفات الفساد السياسي داخل الأحزاب وفي المؤسسات ومختلف الجماعات، حيث جرى جرّ عشرات المنتخبين إلى المحاكم، التي أدانت بعضهم بالسجن وتواصل محاكمة آخرين، فيما تباشر وزارة الداخلية سياسة العزل “الممنهج”.
دور رجالات الدولة لا يقتصر على ما سبق، فهو يتجلى أيضا في جملة من الإجراءات والتدابير القانونية والسياسية والأخلاقية الرامية إلى وضع حد لاستدامة الوجوه الحزبية “المستخلدة”، التي هيمنت طويلا على تنظيماتها وسخرتها لخدمة مصالحها ومواقعها. وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من المؤشرات، من بينها التعديل الحكومي الأخير، أو ما اسميته من قبل بـ”حكومة موروكومول”، وتوسيع دائرة ما يُعرف بـ”الفراقشية” من أضاحي العيد إلى مجالات أخرى كالأدوية وغيرها، بما يعكس أن هذه الاختلالات لم تكن سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. أما ما تحت السطح، فهو أعمق بكثير، ويتعلق بشبكات مصالح ترسخت داخل بعض البنيات الحزبية، وبدأت تصطدم مباشرة بمنطق الدولة والشعب.
وفي هذا السياق، تأتي العديد من القرارات حاملة معها رسائل سياسية واضحة، من قبيل “إبعاد” عزيز أخنوش عن رئاسة الأحرار، مع ترقب “إبعادات” أخرى شبيهة، إن لم تبادر بإبعاد نفسها بنفسها، مع إخضاع وجوه قيادية أخرى تعمل من الخلف للمبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي التي ما فتئت تُقدّم منطق الأفراد على منطق الدولة، ومنطق المحاصصة أو توزيع الغنائم على حساب الإصلاح..وهو ما قد يفضي إلى سقوط رؤوس أخرى حان وقت مساءلتها.
إن الإصرار على إعادة إنتاج نفس الوجوه، ونفس أساليب العمل السياسي التي استهلكها الزمن، قد أدت إلى تعميق الفجوة بين الأحزاب والدولة، ولعل هذا ما يفسر أن وزارة الداخلية، بخلفيتها السيادية، أضحت اليوم تتصدر المشهد السياسي، حيث لا يقتصر دور الدولة على مجرد تنظيم الانتخابات الدورية، وإنما يتجلى أيضا في ضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وخاصة ممن حوّلوا مناصبهم إلى فرص للإثراء اللامشروع وللإضرار بالمال العام، إما عبر النهب أو التبذير وسوء التسيير، حتى أن وزير الداخلية السيادي، عبد الوافي لفتيت، خرج من قلب البرلمان يتوعد المفسدين، ويؤكد عدم التسامح مع أي تجاوزات في حق الجماعات الترابية أو المال العام، مع تحذير صريح أن كل من استولى على درهم أو متر أرض خارج القانون سيكون مطالبا بالحساب، كاملا غير منقوص…بشعاره الجديد: “لي فرط يكرط”.
هذه المؤشرات، وغيرها مما سنعود إليه في مقالات قادمة، لا أعتقد أنها تعكس فقط حملة ظرفية ضد الفساد، إنها تقدم لنا ملامح أولية على مرحلة سياسية جديدة قيد التشكّل، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والحياة الحزبية على أسس أكثر صرامة ووضوحا. مرحلة يجري فيها التنزيل المنتظم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية، كما أكد ذلك الملك محمد السادس، بغرض وضع حد لوهم الحصانة السياسية، أو الترويج لأكذوبة “الفوق بْغاني” الذي غذّى لسنوات، بل ولعقود، سلوك بعض الوجوه “المستخلدة”…مرحلة فرز حقيقي: إما الانخراط في منطق دولة القانون، أو السقوط تحت طائلة المحاسبة.. بلا استثناء، وبلا عودة أو تدوير للوجوه المكرورة حتى لا يتمكن هؤلاء من “التسلل” لمرحلة حكم مولاي الحسن!!!.