على مسؤوليتي

النضال في زمن اللايقين: متى تكون التضحية بناءً ومتى تكون استنزافاً؟

نشرت

في

(من وحي ذكرى ثالث مارس 1973 البطولية بلا مجد لشهدائها)

ليست المشكلة في استعداد المناضلين الأوفياء والشرفاء لدفع الثمن، فالتاريخ يعلمنا أن القضايا المصيرية لا يحملها البخلاء ولا يحسمها المترددون. كثيرون مستعدون لتحمل الكلفة، مادياً ومعنوياً، بل يرون في ذلك شرطاً للوفاء لفكرة أو لقيمة أو لذاكرة جماعية. لكن الفرق الجوهري يكمن بين من يدفع الثمن بوعي استراتيجي، ومن يُستدرج إلى أداء كلفة غير مستحقة. فالحكمة السياسية ليست في حجم التضحية، بل في تقدير جدواها؛ إذ قد يتحول الغبن إلى أكبر فخ يسقط فيه المغامرون حين يخلطون بين الشجاعة والاندفاع، وبين الجرأة وسوء التقدير.

جيلٌ ورث ديوناً تاريخية ثقيلة، ومشروعاً متهالكاً، وذاكرة ضحايا بحجم الوطن، لا يملك ترف الرومانسية النضالية. لقد تسلمنا إرثاً مثقلاً بالانتظارات المؤجلة، وبوعود لم تكتمل، وبمصالحات لم تُستثمر بما يكفي لبناء ضمانات مؤسساتية ضد التكرار. وفي المقابل، وجدنا نظاماً أقسم أن يتكيف بدل أن يتحول؛ يراكم آليات التكيّف الذكي مع الضغوط، ويفتح نوافذ موسمية للانفراج، لكنه يحافظ على جوهره الصلب، مستنداً إلى هيبة مؤجَّلة تستمد جزءاً كبيراً من قوتها من الهيمنة الرمزية ومن إدارة مناخ اللايقين.

في مثل هذا السياق، تصبح المجازفة غير المحسوبة خدمة مجانية لمنطق إعادة إنتاج التوازنات القديمة. فكل طاقة احتجاجية لا تجد أفقاً تنظيمياً ومعرفياً، قد تُستهلك في معارك جانبية أو تُستدرج إلى استقطاب يُعيد توزيع الأدوار دون أن يمس البنية. لذلك فإن التحدي ليس في مضاعفة حجم التضحية، بل في إعادة تعريف معنى الفعل نفسه: كيف ننتقل من ردّ الفعل إلى الفعل المؤسس؟ كيف نحول كلفة الذاكرة إلى رأسمال أخلاقي مؤطر بقواعد الحكامة، لا إلى وقود لانفجارات عاطفية قصيرة النفس؟.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه جيل مثقل بالإحباط هو أن يعتقد أن استحقاقه التاريخي يبرر أي مواجهة وأي ثمن. فالإحساس بالغبن، مهما كان مشروعاً، لا يعفي من واجب الحساب. بل إن الغبن حين يُستثمر بلا رؤية، قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج نفس الشروط التي أنتجته. هنا تبرز الحاجة إلى عقلنة النضال: إلى تمييز بين الكلفة الضرورية والكلفة الزائدة، بين المعركة الرمزية التي تعيد الاعتبار، والمعركة التي تمنح الخصم فرصة لترتيب أوراقه.

إن الانفتاح الموسمي، مهما بدا محدوداً أو انتقائياً، يكشف أن المجال ليس مغلقاً بالكامل، لكنه أيضاً ليس مفتوحاً على تحول بنيوي تلقائي. وبين الانغلاق التام والتحول الشامل، تتشكل منطقة رمادية يتطلب التعامل معها قدراً عالياً من التفكير النقدي التوقعي: استباق التحولات بدل الانجرار إليها، وصناعة البدائل بدل الاكتفاء بفضح الأعطاب، وبناء تحالفات على أساس برامج لا على أساس مشاعر مشتركة فقط.

جيل الديون التاريخية مدعو إلى تحرير نفسه من وهم البطولة الفردية ومن فخ الاستنزاف المتكرر. ليس المطلوب أن نتراجع عن الاستعداد لدفع الثمن، بل أن نُحسن اختيار لحظته ومقداره وأدواته. فالعدالة لا تُختزل في التضحية، بل في قدرتها على إعادة هندسة قواعد اللعبة. والتحول الحقيقي لا يتحقق بكسر الموج، بل بإعادة توجيه التيار.

إن البطولة ليست في حجم التضحية، بل في اختيار المعارك بحكمة. التمييز بين الكلفة الضرورية والمهدورة يحمي من فخ الغبن، ويحوّل الاستعداد للتضحية إلى فعل مؤسس يعيد تشكيل قواعد اللعبة ويمنح الأمل في تحول حقيقي.

* مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version