على مسؤوليتي
الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل
نشرت
منذ 10 ساعاتفي
بواسطة
مصطفى المنوزي
لم يعد القمع في صوره المعاصرة يقتصر على المنع المباشر أو الاعتقال أو الحل الإداري الصريح. لقد أصبح أكثر نعومة، أكثر مرونة، وأشد تأثيرًا. لم يعد يشتغل بالهراوة، بل بالنص. ولم يعد يُمارَس فقط عبر القرار الأمني، بل عبر الهندسة التشريعية ذاتها. هنا تحديدًا يمكن الحديث عن “الترهيب التشريعي” بوصفه أحد تمظهرات ما يمكن تسميته بالقمع السائل.
الترهيب التشريعي لا يعني بالضرورة إصدار قوانين قمعية صريحة، بل يتعلق بطريقة صياغة النصوص وتوسيع مجال تأويلها، أو تضخيم العقوبات فيها، أو الإبقاء على عبارات فضفاضة تسمح بمرونة انتقائية في التطبيق. إنه لا يستهدف الإدانة القضائية بقدر ما يستهدف إنتاج أثر نفسي سابق على الفعل: الخوف، التردد، الرقابة الذاتية. وبذلك يتحول القانون من أداة تنظيم وضبط عادل للعلاقات إلى أداة ردع احتمالي.
في القمع الصلب، يكون الفعل واضحًا: منع، اعتقال، مصادرة. أما في القمع السائل، فإن الفاعل لا يشعر بأنه قُمِع، بل بأنه يختار التراجع. لا يُمنع الصحافي من الكتابة، لكنه يخفف لغته. لا تُحل الجمعية، لكنها تعيد ترتيب أولوياتها. لا يُتابع المحامي في كل مرة، لكنه يحسب كلفة التأويل الممكن لكل دفوعه. هنا يتحقق الأثر الأعمق: تطبيع الخوف داخل المجال العمومي دون إعلان حالة استثنائية.
الخطورة البنيوية للترهيب التشريعي تكمن في أنه يشتغل داخل دولة القانون لا خارجها. فهو لا يهدم الشرعية، بل يعيد توجيهها. النص يبقى قائمًا، المؤسسات تشتغل، المساطر تحترم شكليًا؛ لكن وظيفة القانون تتحول تدريجيًا من حماية الحقوق إلى إدارة المخاطر السياسية والاجتماعية. يصبح الأمن سابقًا على الحرية، ويغدو الاحتياط سابقًا على الضمان.
في السياق المغربي، حيث تتقاطع رهانات الاستقرار مع مطالب توسيع الحقوق والحريات، يطرح الترهيب التشريعي سؤالًا جوهريًا: هل نحن بصدد تطوير تشريع يؤطر المجال العمومي أم بصدد إعادة هندسته على نحو استباقي-زجري؟ عندما تتسع دائرة التجريم بصيغ عامة، أو يُترك هامش واسع للتأويل الإداري، فإننا لا نكون أمام مجرد خيار تقني في الصياغة، بل أمام تصور ضمني لدور الدولة في إدارة المجتمع.
من منظور التفكير النقدي التوقعي، لا يكفي تقييم النصوص بناءً على نواياها المعلنة، بل ينبغي مساءلة آثارها المحتملة على المدى المتوسط والبعيد. ما الذي يحدث عندما يتحول اللايقين القانوني إلى قاعدة؟ ما الذي يقع حين تصبح الحدود غير واضحة بين النقد المشروع والمسّ بالنظام العام؟ إن أخطر ما يمكن أن ينتجه الترهيب التشريعي ليس المحاكمات، بل الرقابة الذاتية الجماعية التي تُفرغ المجال العمومي من حيويته.
القانون في جوهره أداة لتحرير المعنى لا لخنقه، ولتنظيم الاختلاف لا لإخماده. وإذا كانت الدولة الحديثة مطالبة بحماية الأمن، فإن هذا الأمن نفسه يفقد مشروعيته حين يُبنى على تضييق أفق الحرية. الأمن الحق هو الذي يعزز الثقة، لا الذي يوسع دائرة الشك. والشرعية المتجددة هي التي تُنتج مواطنين فاعلين، لا فاعلين حذرين باستمرار.
إن إدراج مفهوم الترهيب التشريعي ضمن مشروع التفكير النقدي التوقعي وتحليل السرديات الأمنية يتيح إعادة طرح سؤال مركزي: كيف نميز بين التشريع الوقائي المشروع وبين التشريع الردعي المؤسس على منطق إدارة الخوف؟ وكيف نضمن أن يظل القانون فضاءً للضبط العادل لا وسيلة لإعادة تشكيل المجال العمومي وفق هواجس أمنية متغيرة؟.
المعركة اليوم ليست بين دولة قوية ومجتمع ضعيف، بل بين تصورين لدولة القانون: دولة تؤمن بأن الاستقرار نتاج الثقة، ودولة ترى فيه نتيجة الضبط المسبق. وبين التصورين يتحدد مستقبل المجال العمومي، وتُرسم حدود الحرية، ويتقرر ما إذا كان القانون سيبقى حصنًا للحقوق أم يتحول، بصمت، إلى أداة من أدوات القمع السائل.فكيف ننتقل من المظلومية إلى الحوكمة؟ ليست القضية في تعداد المتضررين من اللايقين التشريعي، ولا في تأسيس هوية جماعية على قاعدة الشعور بالاستهداف، بل في تحويل الإحساس المتفرق بالتردد والخوف إلى وعي نقدي منظم يسائل القاعدة لا القائمين عليها. المطلوب ليس خطابًا يستدر التعاطف، بل أفقًا يعزز الثقة عبر المطالبة بدقة الصياغة، وتناسب التجريم، وقابلية التنبؤ بالأثر القانوني. حين ينتقل النقاش من منطق الشكوى إلى منطق الحوكمة، يصبح إصلاح التشريع شأنًا عموميًا تشاركيًا لا معركة بين سلطة وضحايا. تلك هي الخطوة الضرورية في زمن اللايقين: أن نعيد هندسة الوعي المدني بحيث يتحول الخوف المقنن إلى معرفة منظمة، والمعرفة إلى اقتراح إصلاحي مفتوح على المستقبل.
* مصطفى المنوزي
على مسؤوليتي
سعيد الكحل: وفاء مبدئي للمغرب بالتزاماته تجاه الفلسطينيين
نشرت
منذ 15 ساعةفي
فبراير 24, 2026بواسطة
سعيد لكحل
يجسد انضمام المغرب إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، وانخراطه في تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها تحت رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفاء جلالة الملك بمسؤولياته كرئيس لجنة القدس تجاه الشعب الفلسطيني، وكذا الالتزام التاريخي الذي شدد عليه جلالته في الرسالة التي وجهها إلى التجريدة المغربية التي كانت متوجهة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى (2013) كالتالي: “إن مبادرتنا اليوم التي تعزز رصيد بلدنا الكبير والغني في عمليات حفظ السلام على الصعيد العالمي، لتستمد جذورها من تقاليدنا الاسلامية والحضارية الراسخة ومن انتمائنا الإفريقي المتجذر وكذا من التزام جلالتنا التاريخي بوجوب التعاون الدولي المتعدد الاطراف من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وصيانة الوحدة الترابية والوطنية للشعوب”.
إن التجربة الغنية التي راكمها المغرب بمشاركاته المتعدد في جهود إحلال السلام بكثير من الدول مثل الكونغو، الصومال، والبوسنة والهرسك والكوسوفو، والكوت ديفوار، تؤهله ليضطلع بالمهمات التي أسندت إليه أو اختار تنفيذها ضمن إطار الأمم المتحدة. من هنا جاءت تلبية المغرب للدعوة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعضوية في مجلس السلام، وكذا سرعة المبادرة التي أعلنها على لسان السيد ناصر بوريطة والمهام التي تكلف بإنجازها لفائدة الفلسطينيين، وعلى رأسها: المشاركة في إدارة قطاع غزة، بناء مستشفى ميداني لتقديم الخدمات الصحية للغزيين، تكوين وتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية من أجل حفظ الأمن وتثبيت شرعية المؤسسات الفلسطينية.
لا غرو أن التزام المغرب بالدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة ووفاءه بتعهداته المالية لفائدة وكالة بيت مال المقدس، وكذا مبادراته الإنسانية الداعمة لصمود المقدسيين حفاظا على هوية المقدسات ضد سياسة التهويد، جعله يحظى باحترام الفصائل الفلسطينية وترحيبها بعضويته في مجلس السلم ومشاركته في جهود إحلال السلام وكف العدوان عن غزة والضفة. فالمغرب، وبخلاف من يصنفون أنفسهم ضمن “محور الممانعة”، يحترم القرار الفلسطيني ولا يتدخل في الشؤون الداخلية للفلسطينيين أو يتاجر بقضيتهم.
وكلما دعت الضرورة واقتضى الوضع الإنساني التدخل إلا وكان المغرب أول المبادرين (في 2012 ثم 2018 أقام مستشفى ميداني بقطاع غزة، في 2021 أعاد المغرب بناء وتجهيز مستشفى القدس التخصصي بقطاع غزة بعد أن دمره العدوان الإسرائيلي على غزة سنة 2008، بالإضافة إلى العمل الميداني الذي تضطلع به وكالة بيت مال القدس، كآلية تنفيذية وميدانية للجنة القدس في إنجاز خطط ومشاريع ملموسة، سكنية وصحية، وتعليمية واجتماعية لفائدة المقدسيين). كما ساهم المغرب في إعادة بناء كلية الملك الحسن الثاني للعلوم الزراعية والبيئية التابعة لجامعة الأزهر في غزة التي دمرها الاحتلال سنة 2009، فضلا عن بناء مطار غزة الدولي.
الأفعال أبلغ من الأقوال.
ليس غريبا على المغرب أن يسارع إلى تقديم يد العون إلى الفلسطينيين، سواء في مبادرات إنسانية، أو في إطار مجلس السلام المنبثق عن قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي رحب بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة و”تثبيت وقف إطلاق النار الدائم والشامل في قطاع غزة، وإدخال وتقديم المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإعادة إعمار القطاع”، فضلا عن “تهيئة مسار موثوق يتيح للشعب الفلسطيني تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية”. إنها أهداف واضحة من أجلها تم إنشاء المجلس، وبدافع تحقيقها انضم إليه المغرب.
إن المغرب الذي جعل من القضية الفلسطينية قضيته الوطنية الأولى توازي في قدسيتها قضية الصحراء المغربية، لا يمكنه إلا أن يكون على رأس المستجيبين لنداء أهل غزة من أجل وقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار. من هنا يؤكد المغرب أن استقرار غزة وإعادة إعمارها وعودة الحياة الطبيعة إلى سكانها، هي المدخل الأساس لإطلاق مفاوضات السلام من جديد على أساس حل الدولتين.
ولا شك أن الارتهان الفلسطيني إلى أجندات قوى إقليمية أو دولية لخدمة أهدافها، انتهى إلى ما انتهى إليه من دمار وتقتيل وإضعاف للموقف الفلسطيني مع ما ترتب عنه من تعدد الولاءات. فالمغرب يتصرف من منطلق مسؤولياته الدينية والسياسية والإنسانية والأخلاقية؛ لهذا لا ينتظر تزكية ولا ترخيصا من أي جهة كانت لكي يقوم بواجبه تجاه الشعب الفلسطيني. لهذا لن تزعجه أصوات الناعقين ولا بكائيات الفاشلين ولا نحيب سماسرة القضية الفلسطينية.
فالمغرب بدبلوماسيته الواقعية وحكمة ملكه اختار بناء تحالفات وفق ما يخدم مصالحه العليا ويضمن السلم والاستقرار في المنطقة والعالم، فيما ترك للسماسرة جوطية الشعارات الزائفة التي لا تبني الأوطان ولا تضمن الأمن والسلام. وهذا ما نوه به الجنرال “مارك ميلي”، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية السابق “لولا المغرب لرأينا أزمة الشرق الأوسط بشمال أفريقيا، المغرب دولة محورية في نشر الاستقرار بجواره وعلى الدول المحيطة به أن تعي بحجم هذا المعطى، أمريكا لا تتحالف مع الدول الاستفزازية أو التي تتسبب بزعزعة الاستقرار”.
فما أحوج الفلسطينيين إلى المبادرات التي تنهي معاناتهم وتحمي أرواحهم وترسم لهم مسار إقامة دولتهم المستقلة. إذ بعد أن فشلت هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في إيجاد حلول عملية للفلسطينيين، جاءت مبادر الرئيس ترامب بتشكيل مجلس السلام كآلية فعالة لوقف الحرب وإنهاء معاناة سكان غزة من التقتيل والدمار. ويبقى مبدأ المغرب ومثله العملي: Actions speak louder than words.
على مسؤوليتي
تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي
نشرت
منذ يوم واحدفي
فبراير 23, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
لا يكفي ضمان حرية التعبير إذا ظل المجال العمومي مفتوحًا شكليًا ومضطربًا معياريًا. فحرية التعبير، في حدّها الأدنى، تحمي المتكلم من المنع والعقاب، لكنها لا تضمن أن يتحول القول إلى قوة اقتراح أو إلى رافعة لرفع منسوب الوعي. هنا يبرز سؤال أخلاق التداول: كيف ننتقل من مجرد إتاحة الكلام إلى بناء شروط تداوله بما يحفظ المعنى ويحصّن الاختلاف من الانزلاق إلى الاتهام؟.
تتعمق الإشكالية حين تتقاطع هشاشة أخلاق التداول مع هشاشة الأمن القانوني والأمن القضائي. فحين تغيب قابلية التوقع في تطبيق النصوص، ويتسع هامش التأويل دون ضوابط تعليلية صارمة، ينتقل القلق من مستوى القانون إلى مستوى الخطاب ذاته. لا يعود الخوف من النص في ذاته، بل من احتمالات تكييفه، ومن الكيفية التي يمكن أن يُقرأ بها القول خارج سياقه. في مثل هذا المناخ، تزدهر محاكمة النوايا بوصفها آلية رمزية لضبط المجال العمومي؛ إذ يُستبدل نقاش الحجج بتفتيش المقاصد، ويُعاد توصيف المواقف عبر قوالب جاهزة تختزل التعقيد وتلغي التعدد.
محاكمة النوايا ليست مجرد انحراف أخلاقي في النقاش، بل هي مؤشر على خلل أعمق في بنية الثقة. فعندما لا يشعر الفاعل العمومي بأن معيار الحكم هو الحجة والسند القانوني الواضح، بل التأويل المحتمل والانطباع الغالب، تتولد رقابة ذاتية صامتة. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بالقمع الناعم: لا منع مباشر، ولا مصادرة صريحة، بل إفراغ تدريجي للكلمة من أثرها عبر التشويش، والتبخيس، والتكييف الملتبس. يسمح المجال بالكلام، لكنه يضيّق على المعنى.
في سياق القهر الاجتماعي السائل، حيث تتآكل المرجعيات وتختلط الحدود بين القانوني والسياسي والإعلامي، تصبح سلطة التأويل أداة مركزية في إعادة ترتيب المجال الرمزي. التأويل حق طبيعي وضرورة تواصلية، غير أنه يتحول إلى سلطة حين يدّعي احتكار المعنى ويعيد تصنيف الخطابات وفق تمثلات مسبقة. وعندما يتسرب هذا المنطق إلى دوائر التكييف القانوني أو إلى الفضاء العمومي المتاخم له، يختل التوازن بين حرية التعبير وضمانات الأمن القانوني، فيغدو المجال مفتوحًا ظاهريًا ومحفوفًا باللايقين فعليًا.
إن تعزيز الأمن القانوني لا يعني تشديد القيود، بل توضيح القواعد وضبط حدود التكييف وتعليل القرارات تعليلًا عقلانيًا شفافًا. كما أن ترسيخ الأمن القضائي لا يرتبط فقط باستقلال القضاء، بل بثقة الفاعلين في أن القضاء يحاكم الأفعال والوقائع لا النوايا المفترضة، ويحتكم إلى معايير يمكن توقعها لا إلى قراءات ظرفية. في مثل هذا الإطار وحده يمكن لأخلاق التداول أن تزدهر، لأن الاختلاف يُناقش بالحجة، والتعبير يُقيَّم بأثره، لا بقصد يُنسب إلى صاحبه.
الديمقراطية لا تُقاس فقط باتساع هامش القول، بل بمدى أمانه المعياري. وأي هشاشة في الأمن القانوني أو القضائي تفتح الباب أمام أنماط ضبط ناعمة تجعل المجال العمومي صاخبًا لكنه فقير في إنتاج الوعي. لذلك فإن الرهان ليس في الدفاع عن حرية التعبير بوصفها شعارًا، بل في تحصين شروط تداولها، وترشيد سلطة التأويل، وبناء يقين قانوني يُحرر المعنى بدل أن يعلّقه على احتمالات التأويل ومحاكمات الضمائر.
مصطفى المنوزي
على مسؤوليتي
ذ.مصطفى المنوزي يكتب عن حدود التماس بين القضاء والتشريع
نشرت
منذ 5 أيامفي
فبراير 19, 2026بواسطة
مصطفى المنوزي
* (في نقد منهجية إستشارة القضاة وترافعا لأجل تنصيب مجلس الدولة )
بصرف النظر عن القاعدة المأثورة بأنه لا يعقل أن يشرع المرء لنفسه ؛ فإنه بنفس القدر لا يمكن تصور مسافة الحياد ونحن نحدد قواعد لعبة نحن متنافسين فيها ؛ ولذلك سيظل إسهام القضاة في العملية التشريعية محلَّ سجالٍ عميق، لا لكونه يمسّ جوهر اختصاصهم القضائي فحسب، بل لأنه يتجاوز نطاق الفصل في النزاعات إلى فضاء صناعة القاعدة القانونية ذاتها. فالأمر لا يتعلق هنا بممارسة وظيفة قضائية في معناها الضيق، وإنما بالانخراط – ولو تحت مسمى الاستشارة – في تشكيل السياسة التشريعية التي ستؤطر لاحقًا عمل القضاء نفسه.
صحيح أن القاضي، بحكم تكوينه وخبرته العملية، يمتلك معرفة دقيقة باختلالات النصوص ومآلات تطبيقها، وأن تقديم الرأي الفني يمكن أن يسهم في تحسين جودة التشريع. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ المشورة، بل في طبيعة المجال الذي تُقدَّم فيه: مجال تتقاطع فيه الاعتبارات التقنية بالخيارات السياسية، وتتداخل فيه السياسة القضائية بصناعة القرار الأمني والتشريعي والسياسي. ففي هذا الحيز المركب، يصعب رسم حدود فاصلة بين “الاستشارة القانونية” بوصفها إبداءً لرأي مهني محايد، وبين المساهمة الفعلية في توجيه السياسة التشريعية وفق تمثلات مؤسسية وأخلاقيات مهنية مخصوصة.
ذلك أن القاضي لا يتحرك في فراغ معياري؛ فهو محكوم بثقافة قضائية معينة، وبتمثلات حول النظام العام، والاستقرار، والأمن القانوني، وأحيانًا الأمن بمعناه المؤسساتي الواسع. وعندما تُسقط هذه التمثلات على لحظة التشريع، فإنها قد تُنتج نصوصًا تعكس منطق الضبط أكثر مما تعكس منطق التوازن بين السلط، أو تُغَلِّب اعتبارات الفعالية الإجرائية على ضمانات الحقوق والحريات.
لذا جاز التعبير عن التحفظ ، مادام الأمر لا يتجاوز كونه احترازًا مؤسساتيًا من احتمال تراجع منسوب التجرد والحياد حين ينتقل القاضي من موقع التحكيم والرقابة إلى موقع الإسهام في صناعة القاعدة القانونية ذاتها. فالتحفّظ هنا ليس تشكيكًا في الأشخاص، بل تنبيهًا إلى هشاشة التوازن الوظيفي كلما تداخلت مواقع الصياغة والمراقبة، بما قد يمس بصورة القضاء وشرعية تدخله لاحقًا.
و هنا يكفي القيام بقراءة افتحاصية للنصوص الصادرة في بعض المحطات المفصلية ليتبيّن أن “البصمة” ليست محايدة كما يُفترض، بل مؤطرة بتمثلات وأفكار مسبقة تتصل بوظيفة الضبط وبفهم معيّن لأولويات الدولة. ولا يُقرأ هذا المعطى بوصفه انحرافًا شخصيًا، بل باعتباره نتيجة طبيعية لانخراط فاعل مؤسساتي في لحظة صناعة القاعدة القانونية، وهو محكوم بمرجعيته المهنية وبأفقه المؤسسي.
غير أن الإشكال يطرح حين تتحول هذه المرجعية – بحكم وزنها الرمزي ومكانتها الدستورية – إلى مرجعية شبه حصرية في توجيه السياسة التشريعية.
من هنا يتغذى الجدل: هل نحن أمام مساهمة تقنية لتحسين النصوص، أم أمام انتقال ناعم للقاضي من موقع تطبيق القانون إلى موقع التأثير في صياغته؟ وهل يظل القاضي، في هذه الحالة، بمنأى عن أي التباس قد يمسّ صورة حياده حين يُعرض عليه النص ذاته للفصل في دستوريته أو في مشروعية تطبيقه؟.
إن السؤال في جوهره لا يتعلق بتخوين النوايا، بل بضبط الحدود الفاصلة بين السلط، وبحماية الرأسمال الرمزي للقضاء من أي تداخل قد يضعف استقلاله الموضوعي. وكلما اتسعت منطقة التماس بين الوظيفة القضائية والوظيفة التشريعية، ازدادت الحاجة إلى إعادة هندسة وظيفة الاستشارة القانونية داخل الدولة الدستورية.
السياق لا يبرر رفع السقف إلى منطق المخاصمة، بل يقتضي التعبير عن تحفّظ منهجي هادئ تجاه إشراك القضاة في العملية التشريعية. فالإشكال ليس في مكانة القضاء ولا في كفاءة رجاله ونسائه، بل في طبيعة الدور داخل هندسة الفصل بين السلط.
تمكين القضاة من المساهمة المباشرة في المخطط التشريعي الحكومي قد يخلّ بالتوازن الوظيفي، ويعرّض استقلالهم ذاته لشبهة التداخل بين من يصوغ القاعدة ومن يراقب مشروعيتها. لذلك فإن التحفّظ هنا هو دفاع عن صفاء الوظيفة القضائية وصون لدمقرطة القرار، لا تجريح في المؤسسة ولا مخاصمة لها.
في هذا السياق، يبرز التفكير في تنصيب مجلس للدولة كخيار مؤسسي جدير بالنقاش العمومي. فمجلس الدولة، في التجارب المقارنة، يضطلع بوظيفة استشارية أصيلة إلى جانب اختصاصه القضائي الإداري، ويُعد المستشار القانوني للدولة ومؤسساتها في مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية. وبمقتضى تأطير دستوري واضح، يقدم رأيًا معللًا يشكل مادة خام تقنية ومنهجية تغترف منها عناصر الاستشارة، ويعتمدها المشرع – ضمن سلطته التقديرية – في سن التشريع.
إن إسناد وظيفة الاستشارة التشريعية إلى مؤسسة قائمة بذاتها، محددة الاختصاص، من شأنه أن يحقق جملة من المكاسب:
تحصين استقلال القضاء العادي والدستوري من أي التباس ناتج عن مشاركته في صياغة نصوص سيُطلب منه لاحقًا تطبيقها أو مراقبة دستوريتها؛
تجويد العملية التشريعية عبر رأي مؤسسي مُعلل ومنشور، يرسخ الشفافية ويعزز جودة التشريع؛
وترشيد العلاقة بين السياسة القضائية والسياسة التشريعية، عبر نقل الاستشارة إلى فضاء مؤسسي مهيكل بدل بقائها في منطقة رمادية تتداخل فيها الأدوار.
بهذا المعنى، لا يكون مجلس الدولة منافسًا للسلطة التشريعية ولا وصيًا عليها، بل فاعلًا استشاريًا يوفر أرضية تقنية مؤطرة، تُمكِّن البرلمان والحكومة من سن تشريع أكثر اتساقًا وانسجامًا مع المنظومة القانونية، دون المساس بمبدأ فصل السلط.
إن النقاش إذن ينبغي أن يرتقي من سؤال جواز المشورة إلى سؤال تنظيمها: كيف نؤطر وظيفة الاستشارة القانونية بما يحفظ حياد القضاء، ويجود التشريع، ويمنع إعادة إنتاج تمثلات أحادية داخل النص القانوني؟ هنا تحديدًا يتقاطع سؤال الاستقلال مع سؤال الحكامة، ويتحول التفكير في مجلس الدولة من مطلب تقني إلى خيار استراتيجي في بناء توازن مؤسساتي أكثر وضوحًا ونضجًا داخل الدولة الدستورية.
ومن جهة ثانية ، وبالموازاة فإن هذه اللحظة ” الديموقراطية ” تستحق إثارة مفارقة بيداغوجية لا من باب الطعن في النوايا، بل من زاوية مساءلة اتساق الخطاب ؛ فبعض الشخصيات السياسية تعلن مبادرة وساطة في ملف التشريع المنظم لمهنة المحاماة، مقدِّمة نفسها كجسر بين الحكومة وهيئات الدفاع، ومؤطرة تدخلها باعتباره مساهمة في التهدئة وضبط النقاش التشريعي. وهي مبادرة يمكن التنويه بها من حيث المبدأ إذا احترمت شروط الحياد ووضوح الموقع ؛ غير أن المفارقة تظهر حين يقترن هذا الدور بخطابٍ موازٍ يُصرّ على نفي أي دور للقضاة الملحقين بوزارة العدل في صناعة النص، وكأن التشريع يولد فجأة داخل البرلمان أو يُختزل في لحظة التصويت.
صحيح أن الاختصاص الدستوري بالتشريع محدد وواضح، لكن النصوص لا تُصاغ في فراغ. فهي تمر عبر مسارات إعداد وصياغة واستشارة، تتداخل فيها الخبرة التقنية والرؤية السياسية داخل الجهاز التنفيذي.
والملحقون القضائيون، بحكم موقعهم، يساهمون موضوعيًا في هذه المرحلة التحضيرية، سواء عبر الصياغة أو التأطير المفاهيمي. وهنا تتجلى المفارقة:
كيف نعترف بتعقيد صناعة التشريع حين نؤدي دور الوسيط، ثم نبسّطها إلى حد الإنكار حين يتعلق الأمر بتحديد مواقع التأثير؟.
الإشكال ليس قانونيًا بقدر ما هو بيداغوجي ومنهجي. فالاتساق في الخطاب شرط للشرعية، والوضوح في تحديد الأدوار شرط للثقة. أما إنكار التأثير الواقعي بدعوى حماية مبدأ فصل السلط، فقد يحول الوساطة نفسها إلى سردية سياسية بدل أن تكون أداةً لضبط التوازن بين استقلال المحاماة، وحياد القضاء، ومسؤولية الحكومة في اقتراح التشريع.
* مصطفى المنوزي
قرارات صارمة تعصف بطاقم تحكيم مواجهة الرجاء وطنجة
نشرة إنذارية: رياح قوية مع عاصفة رملية من الخميس إلى الجمعة
“قروض فرصة ” العدّ التنازلي ينتهي في 28 فبراير لتأجيل السداد
تراجع مبيعات التبغ… هل تتأثر خزينة الدولة؟
البيضاء ..توقيف ثلاثيني خرب سيارات وأحدث فوضى بسيدي مومن
Afriquia توسع نفوذها في قطاع المحروقات بمستودع جهوي جديد بفاس
الترهيب التشريعي: حين يتحول القانون إلى أداة للقمع السائل
أولمبيك آسفي يختار شكري الخطوي خلفا لزكرياء عبوب
إحالة أشرف حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغتصاب
رومان سايس: اليوم أ غلق أجمل فصل في حياتي كلاعب كرة قدم
سعيد الكحل: وفاء مبدئي للمغرب بالتزاماته تجاه الفلسطينيين
بسبب إضراب العدول لا عقود زواج في المغرب لمدة أسبوع
جدل واسع يلاحق الجزء الثالث من “بنات لالة منانة”
بوليفيا تعلق اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة
توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء
قائد “أسود الأطلس” يودّع القميص الوطني برسالة مؤثرة
واشنطن تقود جولة مفاوضات حاسمة بشأن الصحراء المغربية في مدريد
دورية قضائية تُلزم بتحرير الأحكام قبل النطق بها
المنتخب الوطني النسوي يدخل تجمعا إعداديا
تأجيل محاكمة زينب خروبي الناشطة ضمن “جيل زد” إلى غاية 9 مارس
مشروع أرضية سياسية-حقوقية حول مسار إصلاح التشريع المنظم لمهنة المحاماة
ابتداءً من هذا الأحد.. الساعة ستتغير رسمياً في المغرب
حين يُختبر منطق الثقة: التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي كمرآتين للدولة
هل غادر زياش الوداد بسبب أزمة؟ الحقيقة الكاملة
رسميًا.. 4 دول تعلن موعد شهر رمضان 2026
حكم ليبي لمباراة نهضة بركان وريفرز يونايتد في دوري الأبطال
لجنة الأخلاقيات توقف رضوان الطنطاوي لمباراتين والرجاء يدرس الطعن
“رامز ليڤل الوحش” الإعلان عن اسم برنامج رامز جلال لرمضان 2026
الخطأ لا يُصلِح الخطأ: تفكير نقدي لمسار المبادرة التشريعية
ممثلا المغرب في اختبار مصيري للتأهل إلى ربع نهائي دوري الأبطال
حتى لا يتحول المغرب إلى موْطن للمرحّلين من أوربا
أولمبيك الدشيرة يكشف تفاصيل بيع تذاكر مواجهة الوداد
“البريد بنك” و”بريد كاش” يطلقان آلية استثنائية لدعم متضرري الفيضانات
لجنة الأخلاقيات تشدد العقوبات: توقيف سنة وغرامات تصل إلى 30 ألف درهم
رسميا.. كأس أمم أفريقيا 2027 في موعدها دون تأجيل
م. أحمد الدريدي: ايها الاتحاديون تحملوا مسؤولياتكم كمدافعين على حقوق الانسان
سيوف في الشارع.. سقوط أربعة أشخاص بعد فيديو خطير بالعيون
الدريدي م.أحمد: الصحة حقً للشعوب لا سلعةً للأرباح
عاجل .. الحكومة تعلن مناطق الفيضانات “منكوبة” وتخصص 3 ملايير درهم لدعم المتضررين
عود على بدء : التشريع التشاركي للمهنة وشرط تفعيل آلية دراسة الأثر
“رهانات الحق في الحصول على المعلومات ” موضوع ندوة بالدارالبيضاء
ندوة جواد الزيات كاملة.. تفاصيل مهمة عن مستقبل الرجاء
اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة
مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد
🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي
الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء
الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge
“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري
الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي
الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر
المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU
في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف
نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية
تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني
محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب
للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة
هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)
بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972
1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني
محمد لومة يكشف مراحل الصراع بين الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد (الجزء الأول)
الاكثر مشاهدة
-
رياضة منذ 5 أيامأولمبيك الدشيرة يكشف تفاصيل بيع تذاكر مواجهة الوداد
-
سياسة منذ 5 أيامالحكومة تتراجع عن إحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة
-
مجتمع منذ 6 أيامالقصر الكبير.. انطلاق عملية واسعة لجرد خسائر المتضررين من الفيضانات
-
اقتصاد منذ 4 أياممندوبية التخطيط: تراجع أسعار المواد الغذائية بالمغرب
-
على مسؤوليتي منذ 7 أيامالاتحاد الإشتراكي..من “الحركة التاريخية” إل منطق “الوكالة الانتخابية”
-
تكنولوجيا منذ 6 أيامالمغرب ينفق نحو 20 مليار درهم سنوياً على البحث والابتكار
-
مجتمع منذ 5 أيامرقم قياسي لمجازر البيضاء في 2025 بأزيد من 30 ألف طن من اللحوم الحمراء
-
اقتصاد منذ 4 أياملارام و FM6SS تتعاونان لتنظيم الطب الجوي في المغرب
