Connect with us

على مسؤوليتي

من أجل ترسيخ الشرعية القانونية قبل المشروعية الأخلاقية

نشرت

في

مساهمة في النقاش المعرفي القانوني المفتوح حول تعديل مدونة الأسرة من خلال تعليق على حكم أسري إبتدائي * قضى بسماع ثبوت الزوجية إستنادا إلى قرار صادر عن محكمة النقض :

أولا موجز لوقائع وإجراءات القضية : تقدمت مدعى عليها أصليا بمقال مضاد تطلب بمقتضاه الحكم بسماع زوجيتها من المدعي أصليا وذلك كمقابل لدعواه الأصلية والتي طالب بمقتضاها الإشهاد له بتراجعه عن الإقرار ببنوة طفل بعلة أنه حرره تحت الضغط والإكراه ( أي قابل للإبطال لعيب الإكراه ) .
وقد قضت المحكمة وفق مقال المدعية فرعيا وردت المقال الأصلي وذلك باعتماد قرارين صادرين عن محكمة النقض .

ثانيا : المناقشة والتعليق :
نخصص المقالة هاته للتعليق على الشق الصادر في شأن الحكم بسماع دعوى الزوجية والحكم بثبوتها .
عقب المدعي اصليا على المقال المضاد بدفع سبق البت من طرف نفس الهيأة داخل نفس المحكمة والتي قضت بعدم قبول الدعوى لإنصرام أجل سماعها ، والذي انقضى بحلول يوم 19 /02 /2019 طبقا للمادة 16 من مدونة الأسرة .

المحكمة قضت بقبول الدعوى بعلة أنه رغم سبق رد الدعوى شكلا ؛ فإنه من حق المحكمة أن تراجع موقفها في ضوء صدور قرار لمحكمة النقض يوجز قبول دعوى سماع ثبوت الزوجية ، وهو القرار عدد الصادر بتاريخ .. في الملف رقم ..

قبل مناقشة القرار لا بأس من التأكيد على أن المحكمة لم تأخذ بالدفع بسبقية البت ولا يمكنها مراجعة الموقف بعد أن سبق وإن ردت دعوى نفس الطرف ولنفس السبب والموضوع وعلى أساس أن الأجل المسموح في نطاقه تقديم الدعوى إنصرم بقوة القانون . كما لا بمكنها تعليل هذا التراجع وتمديد الأجل ، رغم صراحة وإلزامية نص اامادة 16 من مدونة وتعليل تراجعها بعلة الإستناد إلى قرار لمحكمة النقض يمدد الأجل .

نبسط مضمون المادة 16 م أسرة ونناقش كل مقتضى على حدة وفق مايلي :
الفقرة الاولى :
” تعتبر وثيقة الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج ” .
العبارة واضحة بأن وثيقة الزواج أي عقد الزواج الموثق تعد الوسيلة ( المشرع أكد على التعريف ولم يقل وسيلة ، هذه الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج ، والمشرع أكد على التعريف ولم يقل مقبولة ، وبالتالي فمعنى الصريح أنه لا يقبل لإثبات الزواج إلا بوثيقة الزواج . وهذا هو القاعدة والأصل .

الفقرة الثانية :
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد ، في وقته ، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة .
هذه الفقرة تعتبر مقتضى يشذ عن الأصل اي تشكل إستثناء للقاعدة ، وهذا يعني أن الاصل هو وثيقة الزواج والإستثناء هو سماع دعوى الزوجية في حالة وجود أسباب قاهرة ؛ والتي توظف فيها سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة ؛ أي أن الدعوى تسبق الوسائل ، وأن الدعوى لا يمكن سماعها إلا بعد إثبات أسباب القوة القاهرة التي حالت دون توثيق عقد الزواج .

الفقرة الثالثة :
تأخذ المحكمة بعين الإعتبار ، وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية ، وما إذا رفعت في حياة الزوجين .
يبدو جليا بأن هذه الفقرة لا يمكن تفعيلها كإستثناء من القاعدة ، أي أنه لا يصل القاضي إلى هذه المرحلة إلا بعد ثبوت وجود أسباب قاهرة ، وبالتالي أنه على الطرف مدعي الزوجية أن يبين بالحجة بأن هناك أسباب قاهرة حالت دون إستطاعته توثيق عقد الزواج ( طبعا توثيق العقد يتم لدى العدلين ) .

الفقرة الأخيرة من المادة 16 :
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة إنتقالية لا تتعدى خمس سنوات ، إبتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ .
وجبت الإشارة إلى أن الفترة مددت بمقتضى القانون وصار آخر أجل لا يمكن سماع الدعوى بعده وهو 05 /02 /2019 .

إذن المشرع أجاز سماع دعوى الزوجية بصفة إستثنائية شريطة إثبات وجود اسباب القوة القاهرة وداخل أجل لا يتعدى إنصرام الفترة الإنتقالية وهي المحددة في خمس سنوات وتم تمديدها إلى 05 /02 / 2019 ، وكل دعوى لم تودع خلال هذه الفترة الإنتقالية لا تسمع ، وهذا ما انضبطت له المحكمة الإبتدائية في حكمها السابق عندما قضت بعدم قبول الدعوى لإنصرام وانقضاء الفترة الإنتقالية ؛ ويمكن ملاحظة ان المشرع أكد على سماع دعوى ثبوت الزوجية محددة بصفة إستثنائية خلال فترة إنتقالية أي مؤقتة وذلك لتمكين من فاتتهم الفرصة لتحرير وتوثيق عقد الزواج في وقته ، وعبارة في وقته المقصود أصلا قبل صدور مدونة الأسرة والتي اعتبرت وأكدت على أن عقد الزواج هو الوثيقة المقبولة لإثبات الزواج ، ورغم ذلك فأغلب الدعاوى التي قدمت تتعلق بعلاقات غير موثقة جاءت لاحقة على صدور المدونة ولاحقة بعضها على الأجل الوقت المحدد في خمس سنوات وبعد تمديده .

ويبدو أن صياغة نص المادة 16 لم تكن موفقة على مستوى تدرج المقتضيات وأهميتها ومنهجيتها ، من الشكل والأجل إلى إثبات وجود السبب القاهر اوتبرير الإستثناء ثم إنتهاءً بوسائل الإثبات فإعمال السلطة التقديرية والأخذ بعين الإعتبار بالظروف المضمنة في الفقرة الثالثة كنتيجة وآخر مطافى لإستكمال عملية سماع الزوجية .

والآن لنبسط ولنناقش محتوى القرار الذي اعتمدته المحكمة الإبتدائية اولا للتراجع عن موقفها القانوني السابق ، وثانيا لتفتح أجلا لم تنص عليه المادة 16 من مدونة الأسرة .

يلاحظ بأن الحكم الإبتدائي إستنجد بقرار فريد لمحكمة النقض بدعوى أن غرفة الأحوال الشخصية المصدرة له اعتمدت المادة 400 م أ دون أن يعلل لجوءه هذا ، والحال أن القرار تم تأويل محتواه وأبعاده وهذا ما سيتم توضحه وفق مايلي :
ذلك إن غرفة الأحوال الشخصية لدى محكمة النقض قضت فعلا في قرارها رقم 358/1 بتاريخ 21/06/2022 في الملف الشرعي عدد 372/2/1/2022 بنقض قرار إستئنافي في موضوع ثبوت الزوجية وفق التعليل التالي :
“لما قضت بعدم قبول طلب الطاعنين بعلة أن أجل سماع دعوى الزوجية يجب أن يتم قبل 5 فبراير 2019 (وهو أجل انتهاء العمل بالترخيص القانوني المؤقت بإقامة دعاوى ثبوت الزوجية الذي كانت تنص عليه المادة 16 من مدونة الأسرة)، وأن تقديمها الدعوى بتاريخ 14-08-2021 (أي خارج فترة سريان المادة 16)، والحال أن الزواج المدعى به يعود لسنة 2007، أي في الزمن الذي كانت فيه المادة 16 ماتزال سارية المفعول (انتهت في 5/2/2019)، تكون قد خرقت المادة المذكورة”.

ويبدو جليا أن التعليل تعلق بنقطة خرق المادة 16 من المدونة لأن الزوجية المراد إثباتها تعود لزمن لا زالت فيه المادة 16 مدونة الأسرة سارية المفعول أي سنة 2007 ، وبالتالي فنطاق تطبيق المادة 16 الزمني لا زال ساريا . وهنا إنتهى التعليل الذي بموجبه تم نقض القرار الإستئنافي .

أما الحيثية المضافة والتي جاءت في نفس القرار فهي علة زائدة ؛ ذلك أن غرفة الأحوال الشخصية أضافت لاحقا في نفس القرار :
“وأنه حتى على فرض انتهاء الفترة الانتقالية، ودونما وجود نص يحدد تاريخ سماع دعوى الزوجية، فإنه يُرْجَع حينئذ للنظر فيها، طبقاً للمادة 400 من مدونة الأسرة، إلى المذهب المالكي والاجتهاد القضائي الذي يراعَى فيه تحقيق العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف”.

من هنا يتضح بأنه في التعليل الأول حسم الأمر بإقرار غرفة الأحوال الشخصية بأن واقعة الزوجية تمت داخل الأجل ؛ ثم جاء في العلة المضافة الزائدة ؛ لأن القرار الإستئنافي نقض دون حاجة إليه ، جاء فيها بأنه ” على فرض إنتهاء الفترة الإنتقالية ” ثم تلته جملة اعتراضية ” ودونما وجود نص يحدد تاريخ سماع دعوى الزوجية ” أي في حالة عدم وجود نص قانوني يحدد الأجل ، يرجع حينئذ ( أي حينما لا يوجد نص ) للنظر في ثبوت الزوجية إلى المذهب المالكي والإجتهاد القضائي .

إن الحكم الإبتدائي وإن إستدل بالقرار نفسه ؛ فإنه فيما يخص نازلتنا الحال فإدعاء واقعتي العلاقة بين الطرفين وتقديم دعوى ثبوت الزوجية جاءا معا في تاريخ لاحق على تاريخ توقف فيه سريان المادة 16 ، وبالتالي فالشق الأساسي من التعليل لا ينطبق لعدم تماثل النازلتين . في حين يظل الأخذ بالعلة الزائدة مشروطا بإنعدام وجود النص والحال أن المادة 16 من مدونة الأسرة حسمت نقطة الأجل . فبغض النظر عن كون الحكم الإبتدائي لم يراع نسبية القرار لأن النازلة تتعلق بإرادة الزوجين معا وتعد النيابة العامة خصمهما ، وفي هذا يكفي توارد وتوافق إرادتهما ؛ والحال أنه في نازلتنا الأمر مختلف تماما حيث المدعية فرعيا تطلب سماع الزوجية في مواجهة العارض مع تسجيل إعتراض المتدخلة في الدعوى أي الزوجة الشرعية للعارض ؛ بصرف النظر عن ذلك ؛ فإن المحكمة الإبتدائية لم تعلل لجوءها إلى استعمال المادة 400 م أسرة ، في ظل وجود المادة 16 م أ ، كما لم توضح أي فقه تبنت من بين مذاهب الفقه المالكي وهو متعدد ومختلف الإتجاهات .

لذلك وجب التساؤل حول مدى وجود فراغ قانوني من عدم وجود نص قانوني يؤطر القضية ويلزم القضاء الإستنجاد بالمادة 400 من مدونة الأسرة ؟ .

مضطرون والحالة هاته للتفصيل في نقطة اللجوء إلى الفقه المالكي ، لأن السؤال يظل عالقا حول الرأي الفقهي المناسب ، خاصة وأن الحمل والولادة لم يقعا إلا بعد أكثر من سنة من إدعاء الزوجية بطقوس الخطبة على علتها . لأن الآراء في المذهب المالكي قد تكون مختلفة، ويمكن لقاض أن يعمل برأي محدد، وقاض آخر يعمل في حدود المذهب برأي مخالف لرأي المذهب الأول، وهذا من شأنه خلق تنازع فقهي ومعرفي ، مما قد يسبب في حصول انفلات أو محاولة انفلات بعض السادة القضاة من نصوص المدونة، للارتماء في أحضان المذهب المالكي في بعض النوازل التي عرضت على المحاكم . فعلى سبيل المثال صعوبة تطبيق قاعدة ” لا نسب مع حد “، وهي حالة تنطبق على نازلتنا ! وقد صدر عن محكمة النقض ( قرار محكمة النقض عدد 275/ 1 الصادر بتاريخ 29 /09 /2020 . في الملف الشرعي رقم 36 / 2 /1 / 2018 والذي جاء فيه :
“” بناء على الفصل 32 من الدستور الذي ينص على أن ” الأسرة القائمة على الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع ” ، وبما أن المادة 148 من مدونة الأسرة تنص على أنه لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية ؛ فإن المطالبة بالحكم بثبوت الأبوة البيولوجية غير الشرعية للبنت مع المطلوب في النقض مع إنقطاع النسب بينهما لا موجب يبرر الحكم لا شرعا ولا قانونا . والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما عللت ما جرى عليه منطوق قرارها بأنه ثبت لها أن العلاقة التي كانت تجمع كرفي النزاع هي علاقة فساد ؛ وأن إبن الزنا لا يلحق بالفاعل ولو ثبت بيولوجيا أنه تخلق من نطفته لأن هذه الأخيرة لا يترتب عنها أثر يذكر ؛ وأن البنت تعتبر أجنبية عن المطلوب في النقض ولا تستحق أي تعويض ؛ لأنها ناتجة عن فعل غير مشروع كانت امها طرفا فيه . وأن المحكمة لما طبقت القواعد القانونية وقواعد الفقه المعمول به ، وهي بمثابة قانون يقرر بأن ولد الزنا يلحق بالمرأة لانفصاله عنها بالولادة ، بغض النظر عن سبب الحمل هل هو وطء بعقد شرعي أو شبهة او زنا ويكون منقطع النسب من جهة الأب ولا يلحق به بنوة ولا نسبا . وعللت قرارها تعليلا سليما ولم تخرق المحتج به . ”

لقد.بسطنا هذا القرار للتأكيد على االجوء إلى تطبيق المادة 400 من مدونة الأسرة قد لا يفي دائما بالمطلوب ؛ فالشرعية القانونية أقوى حجة على مشروعية التطبيق والإجتهاد ، في ظل توفر إرادة لبناء ومأسسة دولة القانون الضامنة للحقوق ، حيث يرجح الحق في الأمن القانوني على مطلب الأمن القضائي ، والذي لا يعني ، بالنسبة لحكمة المشرع الدستوري ، سوى أن الأجل ، بصفة إنتقالية وإستثنائية ؛ فتح لسماع دعوى الزوجية كفرصة لشرعنة الزوجية التي حالت أسباب قاهرة دون توثيقها ، وبذلك في ظلال نذرة عدد القرارات الصادرة بقبول دعوى الزوجية غير المتواترة ، ولا يمكن أن تشكل إجتهادا ؛ في ظل ورش الإصلاح المفتوح حول مدونة الأسرة وفق تحفظ صريح للمَلك بصفته أميرا المؤمنين ومحتكر الشرعية الدينية والذي يؤكد مرارا لا يمكن تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما حلل الله ، وبالمقابل يعتبر أن التحديث والإنفتاح ضروريين لنكريس دولة القانون واامؤسسات ، رغم أن العبارة / الشعار يستعملهما بعض المتشددين بإنتقائية وحسب الأهواء ، كلما تعلق الأمر بتزويج القاصرات والإذن بالتعدد ، متجاهلين أن الفقه المالكي متعدد وشديد الإختلاف ، وهذا ينعكس على التعدد الجاري فيما بين القضاة ، ناهيك عن ضرورة إستحضار الفرق الجوهري بين العمل القضائي والإجتهاد القضائي وبين آثارهما ، مما يتطلب ضرورة صدور قرار عن الغرف مجتمعة ، وإلى ذلك الحين لا يعقل الأخذ بل الخضوع لقرار فريد أسيء تأويله وصارت تتبناه بعض المحاكم الإبتدائية دون تمحيص بإستحضار النسبية والخصوصية، فقد ذاع صيت القرار لمجرد أنه ورد ضمن تقرير / كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى خلال افتتاح السنة القضائية في يناير 2023 ، وفي نظري المتواضع أن هناك توجيه لفتح المجال والأجل لآخر مرة قبل حذف مقتضى ثبوت الزوجية من نص المادة 16 م أ بثغة نهائية لقطع الطريق على كل تعسف في إستعمال هذا الحق، ولأن المناسبة شرط فإن الحكم موضوع نازلتنا رد الدفع المتعلق بكون دعوى سماع الزوجية ، والتي قدمت بعد صدور حكم بعدم قبول دعوى الإذن بالتعدد ، بكون الزواج سابق على التعدد وبالتالي لاتنطبق شروط مسطرة التعدد ، رغم أن العكس هو الحاصل، و في هذا الصدد صدر القرار عدد 128 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009 في الملف عدد 558 / 2/ 2008 والذي انبنى على خلفية عدم جواز استعمال دعوى الزوجية لتجاوز مسطرة التعدد فقد جاء فيه:

المحكمة لما قضت بثبوت الزوجية بناء على شهادة المستمع اليه دون بيان السبب القاهرة الذي حال دون توثيق العقد في إبانه ، ودون ان تتحقق من تطبيق النصوص القانونية المنظمة للتعدد في مدونة الأسرة ، قد خرقت مقتضيات القانون . وبذلك فإن التعليل بأن مسطرة التعدد غير مطلوبة بعد ثبوت الزوجية ، تعليل ناقص عن درجة الإعتبار لأن الزوجية لا تثبت إلا بعد صدور حكم يقضي بها ، بدليل أن المحكمة بصدد النظر في توفر شروط الزوجية ، وإلا فحكمها سابق لأوانه باعتباره منح صفة الزوجة لطالبة ثبوت الزوجية . وهو حكم مسبق شرعن لعلاقة ( ما ؟ ) قبل التثبت من شروط قبول سماعها ، لم تكلف المحكمة نفسها، قبل الحكم به ، عناء البحث والتحري عن الأسباب المنصوص عليها في الفقرتين 2 و 3 من المادة 16 . وبذلك يتضح بأن الحكم الإبتدائي موضوع النازلة ، مدد الأجل والحال انه ممنوع حتى في التعاقد المدني ، وبالأحرى بالنسبة للقانون ، وذلك في المبدأ الدستوري المقر بفصل السلطات ، وبالتالي لا يمكن التشريع محل السلطة التشريعية أو المالك دستوريا للمبادرة التشريعية ، أي لا يمكن قانونا منح أو تمديد فترة خارجة عن الأجل المحدد بمقتضى نص قانوني ؛ وبالتالي فحتى المادة 400 م الأسرة تم خرقها فهي تنص صراحة على ضرورة الرجوع إلى اجتهادات المذهب المالكي في حالة عدم وجود نص قانوني يؤطر قضية ما، والذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف .

لكن إن هذا النص إشترط ” حالة عدم وجود نص قانوني يؤطر القضية ” ، فأليست المادة 16 مدونة الأسرة هي النص المؤطر للقضية ؟ ، فهي التي اعتبرت أن عقد الزواج هو الوثيقة المقبولة ويمكن قبول سماع دعوى الزوجية في حالة ثبوت سبب قاهر حال دون توثيق الزواج ( بواسطة شاهدين عدلين ) وداخل أجل محدد قانون انقضى بحلول يوم خامس فبراير 2019 ، ولم يتم تمديده قط منذئذ . ثم إنه و في إطار توازي الشكليات والوسائل لا يمكن إلغاء أو نسخ نص قانوني إلا بنص قانوني ؛ وليس بمجرد قرار قضائي فريد ، هو نفسه لم يعلل الأساس الذي اعتمده لصرف النظر عن نص قانوني لا زال قائم الذات ودائم الأثر القانوني ! ناهيك عن كون الفصل 128 ق ل ع والذي جاء فيه بالحرف :
“” لا يسوغ للقاضي أن يمنح أجلا أو ان ينظر إلى ميسرة ما لم يمنح هذا الحق بمقتضى الإتفاق او القانون .

إذا كان الأجل محددا بمقتضى الإتفاق أو القانون لم يسغ للقاضي ان يمدده ما لم يسمح له القانون بذلك . “”
وعلى سبيل الإحتياط وااتحفظ فإنه وجب تأكيد مسألتين جديرتين بالإعتبار : اولا الإستنجاد بالمادة 400 من مدونة الأسرة لا يتم إلا في حالة وجود فراغ قانوني ( والحال أن النص متوفر بمقتضى المادة 16 ) وثانيا المادة 400 تنص على اعتماد الفقه المالكي ، و إن الحكم خال من أي موجب للإنتقال من المادة 16 إلى 400 في ظل غياب أي مقتضى يحيل هكذا ! لأن المادة 400 مدونة الأسرة تشترط حالة ” عدم وجود نص يعالج القضية ” والحال أن النص موجود وهو المادة 16 م أ والذي حدد أجلا ، وهنا لا يمكن للمحكمة أن تبت في نازلة خارج الأجل المحدد والذي انقضى ، والذي لا يمكن تمديده إلا بمقتضى نص قانوني يعدل ويتمم المادة 16 المشار إليها ، والتي تم القفز عليها وإحلال مقتضى قضائي محل نص قانوني وفي ذلك خرق لقاعدة “” لا إجتهاد مع وجود النص “” ، ناهيك عن كونه يمس بمبدأ فصل السلطات ، فالأحكام القضائية قد تعتبر مصدرا للتشريع في حالة تواترها ولا يعقل أن تكون مبررا ووسيلة للتشريع وصنع القانون .

وقد وجب التنويه على أن اعتماد وجود ” الحمل ” أو ” أطفال هو وسيلة فرعية لأجل ” المراعاة ” وليست وسيلة لإثبات الزوجية ، وإن الحكم الإبتدائي تماهت لديه الأمور وتداخلت ؛ أي أنها معطيات فرعية تابعة وتبعية من حيث العلاقة السببية ، و مدعمة للشروط الواردة في المادة 16 مدونة الأسرة والتي وجب توفرها ، بعد فحص الأجل ومدى توفر السبب القاهر الذي حال دون إبرام الزواج في وقته . و في جميع الحالات لا يمكن ترجيح الفرع على الأصل والإستثناء على القاعدة إلا بنص قانوني ، وفي هذا لا يكفي التذرع بالمصلحة الفضلى للأطفال وبالعمل على تحويل هذا المعطى ( النتيجة ) وهو ثمار علاقة غير شرعية ، إلى سبب موجب لسماع الزوجية ، لأن العلاقة السببية مفارقة ؛ ناهيك عن تجاهل مصالح وحقوق بنات العارض ( والمتدخلة في الدعوى نفسها الرافضة للتعدد المقنَّع ) في حالة ترتيب الآثار القانونية الحكم بثبوت الزوجية . وكنتيجة فإن قرار محكمة النقض المستدل به من قبل المحكمة والمعتمد كتعليل ، له خصوصيته ، أولا لأنه يتعلق بقضية سابقة على إنقضاء الأجل ، ناهيك عن إستحضاره للمصلحة الفضلى للطفل والذي لا ينكره والداه ( نازلة مراكش ) ، والحال أن عقد الزواج كوثيقة مقبولة قانونا لإثبات الزواج لا يمكن قبول غيرها إلا بشروط وداخل الأجل ؛ وأن عبارة ” مراعاة ” قد تستهدف ( من طرف قرار محكمة النقض المستدل به ) حماية الأطفال الناتجين عن زواج الفاتحة من ضياع حقوقهم.

لكن تنبغي الإشارة إلى أن مقتضيات المدونة تسمح بإثبات نسبهم في هذه الحالة بسهولة اعتمادا على الإقرار بالنسب، وكذا اعتمادا على شبهة الخطوبة. وهو إطار منظم بإستقلال عن دعوى ثبوت الزوجية ؛ وبالتالي لا يعقل الخلط تعسفيا بين الوسائل وبين الظروف المتعين مراعاتها وفق للسلطة التقديرية للقضاء ، والتي لا يمكن أن تتعارض مع حرفية نص المادة 16 ؛ هذه. المادة 16 من مدونة الأسرة التي تم التحايل عليها بتجاهل وجودها وإلزاميتها ، وذلك من شأنه أن يجعل من أي تأويل خارجها تعسفا بل خرقا للقانون وشذوذا عن تواتر العمل القضائي . ذلك أن المسلم به أنه متى كانت عبارة النص القانوني واضحة لا لبس فيها ولا غموض فإنها تعد تعبيرا صادقا عن إرادة المشرع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيا كان الباعث على ذلك، وهو ما يعبر عنه علم أصول الفقه بأنه لا اجتهاد مع صراحة النص وضدا على روحه ، فالأصل في النصوص التشريعية هو ألا تحمل على غير مقاصدها وألا تفسر عباراتها بما يخرجها عن معناها، أو بما يؤول إلى الالتواء بها عن سياقها، كما أنه من المستقر عليه كذلك أن المادة 16 من مدونة الأسرة لا يجوز التوسع في تفسيرها أكثر مما تحتمل فهي تشترط أجلا لا يمكن تمديده بأي وسيلة أو علة أو ذريعة إلا بمقتضى قانوني وليس بقرار محكمة النقض الذي يحتاج إلى قرارات عديدة متواترة ؛ تسند نشازه وعدم إرتكازه على أساس قانوني يرخص له سماع الزوجية خارج الأجل المحدد.

لربما وجب تقدير ” وجود موقف إنساني بخلفية سياسية ” دفع مروجي وموظِفي قرار محكمة النقض إلى مراعاة المصلحة الفضلى للأطفال الناتجين عن زواج الفاتحة من ضياع حقوقهم ، لكن تنبغي الإشارة إلى أن مقتضيات المدونة تسمح بإثبات نسبهم في هذه الحالة بسهولة اعتمادا على الإقرار بالنسب، وكذا اعتمادا على شبهة الخطوبة وبالتالي لم يكن من الداعي استعمال المادة 16 من مدونة الأسرة بل يمكن مباشرة ضمان هذه الحماية والمصلحة الفضلى خارج دعوى ثبوت الزوجية والتي لها شروطها الصريحة ، وبنفس القدر يؤاخذ على نفس المحكمة إستنجادها بالمادة 400 في دعاوى ثبوت الزوجية ؛ باللجوء إلى الفقه المالكي ، لكن ؛ ويا المفارقة ، لا تعتمد مقتضياتها فيما يخص مسطرة التطليق للشقاق بالوكالة ، وهو إجراء فيه مساس بحق الدفاع ومشوب بشبهة إنكار العدالة .

والموضوع عودة وبقايا !
* مصطفى المنوزي
محام بهيأة الدارالبيضاء
رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي .

* ملحوظة :
تعمدنا عدم الإشارة إلى مراجع الملف حفظا لكل الحقوق .

إعلان
انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

نشرت

في

لا نسأل الناس إن كانوا يظلمون، بل نسألهم عن إحساسهم حين يُظلَمون، وعن الأثر العميق لذلك في سلوكهم وتمثلاتهم واختياراتهم. لأن الظلم لا يختبر فقط أخلاق من يمارسه، بل يختبر، في العمق، قدرة المجتمع على حماية أفراده من التحول إلى نقيض ذواتهم. ومن هنا، لا تعود العدالة مجرد آلية قانونية لإنصاف المتضررين، بل تصبح شرطًا إنسانيًا لبقاء التوازن الأخلاقي داخل المجتمع.

فالعدالة لا تحمي الحقوق فقط، بل تحمي الإنسان من الانكسار الداخلي، ومن الانزلاق نحو منطق الانتقام، ومن التحول من ضحية إلى مشروع ظالم مؤجل. لهذا نطمح جميعًا إلى العدالة والإنصاف: ليس فقط لاسترجاع الحقوق، بل لصيانة إنسانيتنا المشتركة، وحماية المجتمع من دوامة القهر المتبادل.
في هذا السياق، يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح:
هل القضاء في خدمة المواطن، أم أن العدالة تصنع المواطن؟.

قد يبدو السؤال فلسفيًا، لكنه في جوهره سياسي ومجتمعي واستراتيجي، لأنه يحدد تصورنا لوظيفة العدالة داخل الدولة الحديثة. ففي النموذج السائد، يُنظر إلى القضاء كمرفق عمومي غايته الأساسية فضّ النزاعات وضمان الولوج إلى الحقوق. وهو تصور ضروري، لكنه يظل قاصرًا إذا اختُزلت العدالة في بعدها الإجرائي والتقني، دون استحضار وظيفتها التربوية والرمزية في بناء الوعي القانوني والسلوك المدني.

فالعدالة لا تكتفي بخدمة المواطن، بل تسهم، بوعي أو بدونه، في صناعة المواطن: في تشكيل وعيه بالحق والواجب، في ترسيخ ثقته في المؤسسات، في ضبط علاقته بالقانون، وفي تحديد أفق انخراطه في الشأن العام. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تحسين جودة الخدمات القضائية فقط، بل في الانتقال من منطق التدبير إلى منطق البناء، ومن منطق الفصل في النزاعات إلى منطق إنتاج المعنى القانوني المشترك.

يتم هذا التحول حين تتحول العدالة من مجرد جهاز لإغلاق الملفات إلى قوة رمزية لإنتاج الثقة، وحين تصبح الأحكام القضائية أدوات لتشكيل الوعي الجمعي، لا فقط قرارات تقنية لإنهاء الخصومات. ويتحقق حين يضطلع القضاء بدور فاعل في هندسة السلوك القانوني، وفي حماية المجتمع من التطبيع مع الظلم، ومن إعادة إنتاج علاقات القوة المختلة.

في هذا الأفق، تتجلى القيمة العميقة لاستقلال القضاء، لا باعتباره مبدأً مؤسساتيًا مجردًا، بل بوصفه شرطًا جوهريًا لتحول القاضي من موظف عمومي إلى فاعل مجتمعي في صناعة الإنسان المواطن. فالاستقلال القضائي لا يقتصر على تحصين القرار من التدخل، بل يمكّن القاضي من أداء دور تربوي وأخلاقي، يرسّخ ثقافة الحقوق، ويُعيد بناء الثقة المتآكلة بين المواطن والمؤسسات.

وفي قلب هذا التحول البنيوي، تحتل المحاماة موقعًا استراتيجيًا لا غنى عنه. فالمحامي ليس مجرد تقني في المنازعات، بل وسيط حضاري بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، ومترجم لمعنى العدالة في التجربة اليومية للناس. من خلال المرافعة، والتأطير، والمواكبة، يسهم المحامي في تحويل القانون من أداة قسر إلى أفق إنصاف، ومن سلطة زجر إلى مرجعية عقلانية وأخلاقية.

في منطق القضاء في خدمة المواطن، ينحصر دور المحامي في الدفاع وإدارة النزاع داخل المحكمة. أما في أفق العدالة التي تصنع المواطن، فإن المحاماة تتحول إلى قوة تربوية وتنويرية، تنشر الوعي القانوني، وتُسهم في عقلنة النزاعات قبل انفجارها، وتعمل على تحويل التقاضي من منطق الصراع إلى أفق التواصل والإنصاف.

من هنا، فإن أي مشروع لإصلاح العدالة يظل ناقصًا ما لم يُدمج فيه تصور استراتيجي لمكانة المحاماة ووظيفتها المجتمعية. فالتضييق على هذه المهنة أو اختزالها في بعدها الإجرائي لا يهدد فقط استقلالها، بل يقوّض فلسفة العدالة ذاتها، ويفرغ مفهوم الأمن القضائي من مضمونه الإنساني والرمزي.
نحن، إذن، أمام مفترق طرق:
إما عدالة تكتفي بتدبير النزاعات، فتُنتج مواطنًا متذمرًا، هشّ الثقة، سريع الانكسار؛
وإما عدالة تصنع المواطن، فتُنتج إنسانًا واعيًا بحقوقه وواجباته، قادرًا على تحويل الغضب إلى وعي، والألم إلى مطلب إصلاحي، والاحتجاج إلى فعل مدني مسؤول.

وفي قلب هذا الاختيار، تتموضع المحاماة والقضاء المستقل في صميم المعركة الرمزية من أجل عدالة ذات معنى: عدالة لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تشتغل على شروط عدم اندلاعها أصلًا.

من هنا يكتسب سؤال مشروع قانون مهنة المحاماة بعده الاستراتيجي:
هل استحضر هذا المشروع الخلفيات العميقة للتحول المنشود في فلسفة العدالة؟ وهل انسجم مع رهانات المشروع التنموي الجديد، القائم على بناء الثقة، وتعزيز المشاركة، وصناعة المواطن بدل تدبير شكاياته وتظلماته فقط؟ أم أننا ما نزال أسرى مقاربة تقنية اختزالية، تعالج الأعراض بدل مساءلة الجذور، وتدير الأزمة.

إن المطلوب في آخر التحليل تأطير المفهوم الجديد للسلطة بمقتضيات المعنى الحديث للعدالة وفلسفة الحق والقانون !

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

من تضخيم الانتظارات إلى تفكيك الخيبة: نحو تضامن نقدي مع المنتخب الوطني

نشرت

في

ضخّمتم انتظارات الجماهير الرياضية، فارتفعت منسوبات الأمل إلى سقوف غير مسبوقة، وتحوّل الحلم الجماعي إلى وعد قريب المنال، قبل أن تأتي النتيجة مخيبة، جارحة في رمزيتها، وقاسية في وقعها النفسي. غير أن الخيبة، مهما اشتدّت، لا ينبغي أن تكون لحظة انكسار نهائي، ولا مدخلاً لتصفية الحسابات السهلة، ولا ذريعة للانسحاب من الفضاء العمومي المشترك. بل قد تكون، إذا ما أحسنّا قراءتها، فرصة نادرة لإعادة بناء المعنى، وترميم الثقة، وتصحيح المسار.

من هذا المنطلق، نختار موقع التضامن النقدي مع منتخبنا الوطني: تضامن لا يختبئ خلف خطاب التبرير، ولا يستسلم لمنطق الشتم والتجريح، بل ينتصب في منطقة وسطى مسؤولة، تجمع بين الانتماء واليقظة، بين الغيرة الوطنية والمساءلة الصارمة. فنحن لا نناصر المنتخب لأنه انتصر فقط، بل لأنه يمثلنا، ولأن فشله – كما نجاحه – شأن عمومي يخص المجتمع برمّته، ويعكس عمق اختلالات بنيوية تتجاوز المستطيل الأخضر.
لقد اعتدنا في ثقافتنا الرياضية، كما في غيرها من الحقول، على تضخيم الوعود، ورفع سقف الانتظارات دون بناء شروطها الواقعية. نراكم الخطابات الاحتفالية، ونستسهل صناعة الأبطال، ونستثمر العاطفة الجماعية دون استثمار موازٍ في البنيات، والتكوين، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعندما تقع الخيبة، نبحث عن كبش فداء: مدرب، لاعب، حكم، أو حتى الحظ، دون أن نجرؤ على مساءلة المنظومة بأكملها، بمن فيها ومن يديرها، ومن يستفيد من أعطابها.

التضامن النقدي، في هذا السياق، ليس موقفًا عاطفيًا، بل هو اختيار أخلاقي وسياسي. أخلاقي، لأنه يرفض تحويل الإخفاق إلى مناسبة للإهانة الجماعية، ويصون كرامة الفاعلين مهما أخطؤوا. وسياسي، لأنه يربط الرياضة بالسياسات العمومية، وبأنماط التدبير، وبشبكات المصالح، وبامتدادات الفساد التي تنخر كثيرًا من القطاعات، بما فيها القطاع الرياضي.

فنحن تشاركيون حتى في الإخفاقات العمومية. نعتبر أن الفشل لا يخص فاعلًا بعينه، بل هو نتيجة تراكبية لاختيارات استراتيجية، ولنمط حكامة، ولمستوى شفافية، ولمدى احترام قواعد الاستحقاق والكفاءة. ولذلك، فإن الخيبة لا ينبغي أن تُدار بمنطق التسكين أو الإنكار، بل بمنطق التشخيص العميق والإصلاح الجذري.

إن التفاؤل النقدي الذي ندعو إليه لا يعني إنكار الألم، ولا تزييف الواقع، بل يعني تحويل الخيبة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء المنظومة الرياضية على أسس جديدة: أسس النزاهة، والعدالة، والاستثمار في الإنسان، وربط الرياضة بالتربية، وبالمدرسة، وبالقيم المدنية. تفاؤل يجعل من النقد أداة للتحرير لا للهدم، ومن الغضب طاقة للتغيير لا وقودًا لليأس.

ولعل أخطر ما قد ينتج عن الإخفاق ليس الهزيمة في حد ذاتها، بل تطبيع المجتمع مع الرداءة، وترويضه على قبول الفشل باعتباره قدرًا لا يُردّ. هنا بالضبط تتقاطع الرياضة مع السياسة، وتتحول الملاعب إلى مرايا تعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة: هل هي علاقة ثقة ومساءلة، أم علاقة استهلاك عاطفي وتفويض أعمى؟.

إن بناء منتخب قوي لا يبدأ من تغيير المدرب فقط، ولا من ضخ الأموال وحدها، بل من بناء منظومة وطنية متكاملة، تقطع مع الريع، وتحاصر الفساد، وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص، وتستثمر في التكوين القاعدي، وتربط الإنجاز الرياضي بالعدالة المجالية وبالتنمية البشرية. عندها فقط، يمكن للأمل أن يتحول من شعور عابر إلى مشروع وطني مستدام.

وفي انتظار ذلك، نختار أن نتضامن نقديًا مع منتخبنا: نسانده دون أن نقدّسه، وننتقده دون أن نجلده، ونؤمن بأن الوطنية الحقة لا تُقاس بارتفاع التصفيق في لحظة الانتصار، بل بعمق المسؤولية في زمن الخيبة. فهنا، فقط، تُختبر صدقية الانتماء، وتُبنى شروط المستقبل.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

خدمات المحامين غير عمومية و ليست سلعة للاستهلاك

نشرت

في

من حق حكومة الدولة ومهندسيها القانونيين والأمنيين، أن يدافعوا عن منتوجاتهم التشريعية ، ولكن ينبغي رفع إيقاع الجدال والسجال إلى مستوى مقبول ينتج المعنى والحقيقة السياسية ؛ فلا يعقل تحفيز، حتى لا نقول تسخير أو تحريض الأقلام الموالية لمناهضة الحق في التعبير السلمي ؛ لأن كل أمننة للصراع القانوني والحوار الحقوقي يعد عنفا معنويا ورمزيا خاضع للمسؤولية القانونية ، من شأنه تقويض كل التسويات المتراكمة ، منذ إطلاق يافطة المفهوم الجديد للسلطة.

لذلك و في أفق إرساء المفهوم الجديد للعدل ، والذي لا يعني سوى تكريس الإعتراف وترسيخ الإنصاف ؛ فإنه حان الوقت للتنبيه ؛ لأن الدولة مسؤولة عن موظفيها العموميين والفعليين ( بقوة الواقع والضرورة ) ؛ التنبيه بأنه على بعض الإعلاميين وثلة من الحقوقيين، ولا سيما من يشتغلون تحت يافطة حماية المستهلك، أن يُميّزوا تمييزًا دقيقًا بين الخدمات العمومية التي تلتزم الدولة بتوفيرها وضمان استمراريتها، وبين الخدمات الحرة التي يزاولها المحامون وباقي المهنيين القانونيين في إطار تعاقدي خاص.

فالدفاع والخدمات المهنية، فضلًا عن كونها لا تختزل في منطق السلعة الاستهلاكية، تخضع أساسًا لمنطق الالتزام التعاقدي الذي يؤطره القانون، وينظم حقوق وواجبات الأطراف، ويحدد آليات فضّ النزاعات الثنائية الناشئة عنها. وبناءً عليه، فإن المسؤولية المهنية للمحامي هي مسؤولية تعاقدية محضة، لا تقوم إلا في مواجهة موكله، وداخل حدود التفويض الممنوح له، ووفق الضوابط القانونية والمهنية المؤطرة للممارسة.

وعليه، فإن إقحام جمعيات حماية المستهلكين في النقاش المتعلق بتوقف المحامين عن العمل، بزعم الإضرار بالمتقاضين، يفتقر إلى السند القانوني والمنطقي، ما دام الأمر لا يتعلق بخدمة عمومية ملزمة للدولة، ولا بعلاقة استهلاكية جماعية. فالتمثيل القانوني لا يُفرض على أحد، ولا يُمارس إلا بناءً على تكليف فردي ومحدد في كل قضية على حدة، يصدر عن كل زبون بمحض إرادته. أما الادعاء بالدفاع عن مصلحة المتقاضين على نحو جماعي، فهذا منطق مقبول كحقيقة إعلامية ولا ترتقي حتى إلى مستوى الفضالة ( النيابة دون تكليف ومنها تشتق عبارة الفضولي وينظمها قانون الإلتزامات والعقود في باب أشباه الوكالة ) ؛ و الوكالة الصريحة لا تستقيم قانونًا إلا إذا توفرت الجمعية المعنية على صفة المنفعة العمومية، وثبت قيامها بتفويض صريح ومباشر من الأطراف المعنية، وهو ما يجعل من هذا الخطاب أقرب إلى التوظيف الرمزي والضغط الإعلامي منه إلى ممارسة حقوقية مسؤولة ؛ ولذلك وجب الحذر فليس كل ناشط حقوقي ضحية وليس كل ضحية مناضل حقوقي ! .

ناهيك عن أن توقف المحامين عن العمل لا يندرج في خانة الإضرار بالمتقاضين، بل يندرج، في عمقه الحقوقي والدستوري، ضمن حمايتهم وصون حقهم في الولوج العادل والمنصف إلى القضاء، وضمان حق الدفاع الحر والواعي والمسؤول. ذلك أن هذا التوقف لم يكن فعل تعطيل عبثي، وإنما ردًّا احتجاجيًا مشروعًا على تضخم الاشتراطات التعسفية التي جاء بها مشروع القانون المنظم للمهنة، كما حملتها أيضًا التعديلات المقترحة في المسطرتين الجنائية والمدنية، بما يهدد بتحويل العدالة من فضاء للإنصاف إلى مجال للتقييد والتعقيد والإقصاء الرمزي والمادي.

ومن ثم، فإن منطق الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تصحيح الخطأ بخطأ أكبر منه، ولا على معالجة أعطاب المنظومة بتشديد القيود عليها، ولا على ترميم الثقة بتقويض أسسها. وقد صدق من قال: لا يُعقل إصلاح الخطأ بالخطأ، وبالأحرى إصلاح الحرية والاستقلالية بالإعدام! لأن إعدام حرية الدفاع واستقلالية المحاماة هو في جوهره إعدام لشروط العدالة ذاتها، ومسّ مباشر بضمانات المحاكمة العادلة، وتقويض خطير للأمن القضائي، بما يحمله ذلك من آثار ارتدادية على الثقة في الدولة ومؤسساتها.

* مصطفى المنوزي

أكمل القراءة
منوعات منذ ساعتين

أمن مراكش يتفاعل مع فيديو يتعلق بسرقة سيدة في الشارع العام

مجتمع منذ ساعتين

المغرب يستعد لإطلاق أضخم مشروع سينمائي في إفريقيا باستثمار يناهز 75 مليار سنتيم

مجتمع منذ 3 ساعات

لجنة اليقظة تثمن التعليمات الملكية للتدخل الفوري لمواجهة فيضانات القصر الكبير

اقتصاد منذ 3 ساعات

القنب الطبي.. المغرب يطلق استراتيجية متكاملة لمركب CBD

مجتمع منذ 3 ساعات

سد الوحدة يقترب من الامتلاء الكامل بعد واردات مائية قياسية

منوعات منذ 3 ساعات

تسلا تؤكد دخولها الرسمي للسوق المغربية ابتداءً من 6 فبراير المقبل

رياضة منذ 4 ساعات

إصابة حكم تفرض تعديلات على تعيينات التحكيم

رياضة منذ 6 ساعات

الرجاء يحسم مستقبل بلال ولد الشيخ بإعارة أوروبية

رياضة منذ 7 ساعات

الوداد يتجه لتسريح جناحه خلال الميركاتو الشتوي

رياضة منذ 7 ساعات

مهاجم رجاوي ضمن ” رادار” نادي إماراتي خلال الميركاتو

مجتمع منذ 7 ساعات

عاجل.. الحبس النافذ في حق العمدة السابق بلقايد والبرلماني بنسليمان

اقتصاد منذ 8 ساعات

المغرب يتسيد قائمة البلدان المصدرة للطماطم نحو السوق البريطانية

دولي منذ 8 ساعات

ترامب “يأمل” ألا يضطر للقيام بعمل عسكري ضد إيران

واجهة منذ 10 ساعات

“الهاكا” منزعجة من استعمال مصطلحات عنصرية في البرامج الإذاعية

سياسة منذ 11 ساعة

فرنسا تجدد التأكيد على موقفها الثابت من قضية الوحدة الترابية

واجهة منذ 12 ساعة

توقعات أحوال الطقس لليوم الجمعة

مجتمع منذ 12 ساعة

بتهم الرشوة والتهريب.. الإطاحة بشبكة فساد في ميناء طنجة تضم 24 أمنيا وجمركيا

سياسة منذ 22 ساعة

الإتحاد الأوربي يتبنى موقفاً مشتركاً يدعم الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية

على مسؤوليتي منذ 23 ساعة

من قضاء في خدمة المواطن إلى عدالة تصنع المواطن

منوعات منذ 24 ساعة

بوعلام صنصال ينتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

غزلان أزندور تكتب..عندما تتحول المدرجات الى مرآة

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

جيل Z في الشارع وولي العهد في الخلفية..

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

ما الذي نؤجله حين نختار الكراهية؟..عزلان أزندور

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

مصطفى المنوزي يكتب: من أجل آلية لتقييم وتقويم السياسة القضائية

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

في باب التمييز بين المنطق البلاغي والإستدلال الحجاجي

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

مصطفى المنوزي يكتب: حين تتحول الرياضة إلى حرب بالوكالة

على مسؤوليتي منذ 4 أيام

حين تدافع المحاماة عن الدولة من داخلها

على مسؤوليتي منذ أسبوعين

حين يتحول تشريع المحاماة إلى تفريط في السيادة القانونية

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

(CAN 2025): الرياضة أمام اختبار المسؤولية الإعلامية

رياضة منذ 6 أيام

لاعبو شبيبة القبائل يهدّدون بـ “مقاطعة” لقاء الجيش الملكي

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

سعيد الكحل يكتب…اللهم كثّر حسادنا

رياضة منذ أسبوعين

انطلاق استعدادات المنتخب الوطني للقاء السنغال

على مسؤوليتي منذ أسبوع واحد

عندما تتحول التحالفات إلى أدوات ابتزاز في عالم متحوّل

على مسؤوليتي منذ 5 أيام

في الحاجة إلى ترشيد الخطاب المؤسستي لمقاومة الإنهيار القيمي

رياضة منذ يومين

النهائي الفوضوي لأمم إفريقيا: الاتحاد السنغالي يمثل أمام كاف

رياضة منذ أسبوع واحد

عقوبات صارمة في انتظار السنغال بسبب نهائي أفريقيا

منوعات منذ أسبوعين

محمد رمضان: لهذا السبب تم استبعادي من حفل ختام أمم إفريقيا

منوعات منذ 4 أيام

ثنائية “المادة والروح” في آخر أعمال عبد الإله شاهيدي

رياضة منذ أسبوعين

إنفانتينو يطالب بعقوبات ضد السنغال

رياضة منذ أسبوع واحد

“كاف” يفرض 7 عقوبات على منتخب الجزائر بعد أحداث مباراة نيجيريا

واجهة منذ 3 أسابيع

اشتوكة آيت باها: تدخلات ميدانية مكثفة للتخفيف من آثار التساقطات المطرية الغزيرة

رياضة منذ شهرين

مدينة الصويرة تحتفي بأحد أبنائها البررة..محمد عبيد

سياسة منذ 3 أشهر

🔴 مباشر | الخطاب الملكي السامي

رياضة منذ 3 أشهر

الدار البيضاء.. انطلاق المرحلة الرابعة من سباق التناوب الرمزي المسيرة الخضراء

الجديد TV منذ 6 أشهر

الخبير جمال العلمي يكشف أسرار ” صومعة المكانة” La Tour de l’Horloge

رياضة منذ 7 أشهر

“الدوري الأول للراحلة حليمة مرجان”..الرياضة في خدمة العمل الخيري

رياضة منذ 8 أشهر

الرباط تكرّم الراحل يونس رودياس أحد رموز كرة السلة بنادي الفتح الرياضي

الجديد TV منذ 9 أشهر

الوداد الرياضي يحتفل بذكراه الـ88.. ليلة وفاء وتكريم لأساطير الأحمر

الجديد TV منذ 9 أشهر

المغرب يدخل عصر العلاج الثوري لسرطان البروستاتا بتقنية HIFU

رياضة منذ 9 أشهر

في حفل تأبيني مؤثر.. سبور بلازا يكرم روح الراحل كمال لشتاف

رياضة منذ 10 أشهر

نادي “النور اولاد صالح” ينظم الدوري السنوي للكرة الحديدية

الجديد TV منذ 10 أشهر

تفاصيل مؤامرة الجنرال أوفقير على رفاقه في الجيش وعلى الحسن الثاني

الجديد TV منذ 10 أشهر

محمد لومة يحكي عن أخطر جرائم أوفقير في حق الوطن والشعب

رياضة منذ 10 أشهر

للمرة الثانية الرباط تحتضن التجمع التدريبي الافريقي BAL في كرة السلة

الجديد TV منذ 11 شهر

هكذا اقتطعت الجزائر أجزاء من التراب المغربي و التونسي بدعم من فرنسا ( فيديو)

الجديد TV منذ سنة واحدة

بالفيديو..تفاصيل محاولة اغتيال الحسن الثاني سنة 1972

الجديد TV منذ سنة واحدة

1981: مقترح “الاستفتاء” حول الصحراء..عندما قال عبد الرحيم بوعبيد “لا” للحسن الثاني

الجديد TV منذ سنة واحدة

محمد لومة يكشف مراحل الصراع بين الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد (الجزء الأول)

الجديد TV منذ سنتين

تفاصيل تحكى لأول مرة عن اغتيال الشهيد عمر بن حلون (الحلقة الثانية)

الجديد TV منذ سنتين

و شهد شاهد من أهلها..حقائق تكشف لأول مرة عن اغتيال الشهيد عمر بن جلون

الاكثر مشاهدة