بقلم: مولاي أحمد الدريدي
قرأت باهتمام كبير النص الذي نشره رفيقي السابق في دروب النضال حكيم بنشماس، والمعنون بـ «بيان من أجل مغرب ذي سرعة واحدة».
قرأته بكل التقدير لمسار رجل تقاسمنا، بدرجات متفاوتة، معارك من أجل الحريات والديمقراطية والكرامة الإنسانية، في فترات لم يكن فيها هذا الالتزام مريحاً ولا خالياً من المخاطر.
لكنني قرأته أيضاً بقدر من القلق.
ليس لأنه ينتقد الفساد أو ضعف العديد من المؤسسات الحزبية أو الانحرافات الزبونية التي تنخر الحياة العامة. ففي هذه التشخيصات يوجد توافق واسع. فالأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية، وضعف الهيئات الوسيطة، وتصاعد فقدان الثقة لدى المواطنين، واستمرار الفوارق المجالية، كلها حقائق لا يمكن لأي ملاحظ جاد إنكارها.
غير أن ما يجعل طرقنا تتباعد بعمق هو طبيعة العلاج المقترح.
عندما تصبح الديمقراطية هي المشكلة
يقوم نص حكيم بنشماس على فكرة مركزية مفادها أنه أمام فشل الأحزاب وعجز المؤسسات التمثيلية عن مواكبة وتيرة التحولات التي يعرفها البلد، يصبح من الضروري تفعيل ما يسميه «الجراحة السيادية» التي تمكن الدولة من فرض منطق النجاعة والأداء.
وبعبارة أخرى، عندما تنتج الديمقراطية نتائج تُعتبر غير كافية، ينبغي تعزيز دور المركز أكثر من أجل تصحيح اختلالات النظام السياسي.
وهنا يطرح هذا التصور سؤالاً جوهرياً:
هل الأزمة الحالية هي أزمة ديمقراطية أم أزمة ناتجة عن نقص الديمقراطية؟
أما بالنسبة لي، فأعتبر أن مشكلة المغرب ليست في وجود ديمقراطية أكثر مما ينبغي، بل في عدم وجود ديمقراطية كافية.
فالأحزاب ضعيفة لأنها لا تتوفر على استقلالية سياسية حقيقية.
والجماعات الترابية ضعيفة لأنها لا تمتلك صلاحيات فعلية وحقيقية.
أما المؤسسات التمثيلية فهشة لأنها ما تزال إلى حد بعيد رهينة نظام تظل فيه القرارات الاستراتيجية شديدة التمركز.
لذلك فإن ضعف النجاعة ليس نتيجة فائض في الديمقراطية، بل نتيجة عدم اكتمالها.
الدولة لا يمكن أن تحل محل المجتمع
من أكثر الأطروحات إثارة للنقاش في البيان تلك التي تفترض أن الدولة ينبغي أن تصبح المحرك الرئيسي للتحول السياسي والاجتماعي، عبر تعويض قصور الفاعلين المنتخبين.
صحيح أن الدولة المغربية أثبتت قدرتها على قيادة أوراش استراتيجية كبرى في مجالات البنية التحتية، والانتقال الطاقي، والتغطية الاجتماعية، والدبلوماسية، وتدبير الأزمات، والاستعداد للتظاهرات الدولية الكبرى.
لكن لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يُبنى بشكل مستدام على النجاعة الإدارية وحدها.
فالتجارب المعاصرة تبين أن الدول الأكثر نجاحاً هي تلك التي استطاعت بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، وجماعات ترابية ذات صلاحيات واسعة، وأحزاب ذات مصداقية، ومواطنة فاعلة.
وعندما تحل الدولة تدريجياً محل الوسائط السياسية بدل العمل على تقويتها، فإن الخطر يكمن في إنتاج مزيد من التبعية المؤسساتية ومزيد من تراجع المشاركة المواطنة.
القضية الترابية: الغائب الأكبر في البيان
ما يلفت الانتباه أيضاً في نص بنشماس هو الغياب شبه الكامل للتفكير في التوزيع الترابي للسلطة.
والحال أن السؤال الحقيقي الذي يواجه المغرب في القرن الحادي والعشرين ليس فقط سؤال النجاعة.
إنه أيضاً سؤال العدالة المجالية.
كيف يمكن تفسير استمرار بعض الجهات في المعاناة من اختلالات بنيوية رغم مرور أكثر من عقد على إطلاق مشروع الجهوية المتقدمة؟
وكيف يمكن تبرير عدم استفادة الساكنة المحلية بشكل أكبر من الثروات التي تُنتج داخل مجالاتها الترابية؟
وكيف يمكن بناء الثقة لدى المواطنين دون إعادة توزيع حقيقية للسلطة والثروة بين مختلف الجهات؟
عن هذه الأسئلة لا يقدم البيان أجوبة واضحة.
فهو يفضل منطقاً عمودياً للإصلاح، في حين أن المغرب في حاجة إلى منطق أفقي يقوم على تقاسم المسؤوليات.
من الجهوية الإدارية إلى الديمقراطية الترابية
إن مستقبل المغرب لا يكمن في مجرد تسريع وتيرة الآلة الإدارية.
بل يكمن في تعميق الديمقراطية.
وذلك يقتضي الانتقال إلى مرحلة جديدة من الجهوية عبر منح الجهات صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار والتدبير والمبادرة.
كما يقتضي الاعتراف الكامل بالتنوع الثقافي واللغوي والتاريخي للبلاد باعتباره ثروة سياسية، لا مجرد عنصر ثانوي.
فالديمقراطية الترابية ليست عائقاً أمام الوحدة الوطنية.
بل هي أحد شروطها الأساسية.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول الديمقراطية أن التوزيع الأكثر توازناً للسلطة يعزز التماسك الوطني بدل أن يضعفه.
الملكية ضامنة للوحدة وليست بديلاً عن الديمقراطية
خلافاً لما قد يعتقده البعض، فإن الدفاع عن جهوية سياسية متقدمة، بل وحتى عن تطور نحو صيغ أكثر تقدماً من الفيدرالية الديمقراطية، لا يعني إطلاقاً التشكيك في وحدة الدولة.
بل على العكس من ذلك.
فالملكية ومؤسسة إمارة المؤمنين يمكن أن تشكلا إطاراً للاستقرار والتماسك يضمن وحدة البلاد، وفي الوقت نفسه يتيح للجهات هامشاً واسعاً من الاستقلالية الديمقراطية.
ومن ثم، فالمسألة ليست الاختيار بين الدولة والديمقراطية.
بل بناء دولة ديمقراطية.
التحدي الحقيقي: الثقة في المواطنين
يمكن تلخيص الاختلاف الجوهري بين الرؤية التي يدافع عنها حكيم بنشماس وتلك التي أدافع عنها في نقطة بسيطة:
فبالنسبة له، تكمن الأولوية في تعزيز قدرة الدولة على تصحيح اختلالات الحقل السياسي.
أما بالنسبة لي، فالأولوية تكمن في منح مزيد من السلطة للمواطنين، وللجهات، وللمؤسسات الديمقراطية حتى تتمكن بنفسها من إنتاج الحلول.
المغرب يحتاج إلى النجاعة.
لكنه يحتاج قبل ذلك إلى الثقة.
الثقة في مواطنيه.
الثقة في جهاته.
الثقة في تنوعه.
الثقة في الديمقراطية.
لأن أية «جراحة سيادية»، مهما كانت نواياها حسنة، لن تستطيع أن تعوض بشكل دائم ما يشكل أساس كل مجتمع حديث:
المشاركة الحرة للمواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم.
إن التحدي التاريخي للمغرب ليس أن يسرّع وتيرة التنمية دون ديمقراطية.
بل أن يعمّق الديمقراطية من أجل تسريع التنمية.
* مولاي أحمد الدريدي
ناشط حقوقي
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان.