مجددا يؤكد الفنان التشكيلي المغربي عبد الإله شاهيدي (Abdelilah Chahidi) أنه أحد الأسماء البارزة في الساحة الفنية المعاصرة، بتأكيده مرة أخرى، أن اختياره الفني، الذي يمزج فيه بين الواقعية التشخيصية والرمزية التعبيرية، لم يأت بمحض الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب، تطلب منه سنوات من البحث و التنقيب، قبل أن يستقر على هذا الاختيار الجمالي الذي يميزه عن غيره من الفنانين التشكيليين .
و هو ما يظهر من خلال آخر أعماله الفنية، التي تجمع بين تضادّ المادة والعدم، من خلال ثنائية الوجه التي تعكس صراعاً وجودياً؛ فبينما يتمتع الجانب الواقعي بملامح موسومة بالدفء ، تذوب الجهة الأخرى في سديمٍ من دخان، وكأنها طيف الروح أو ظلال النفس الخفية. إنها بتعبير أكثر دقة، مرآةٌ صادقة لثنائية الكائن بين الطين والنور.
كما جاء اختيار الشمعة، كقبسٍ وحيدٍ للإضاءة بلمسة جمالية؛ حيث تركت وهجاً برتقالياً دافئاً على الملامح، يتناغمُ في تضادٍ ساحر مع برودة الأطراف المصبوغة بالأزرق والبنفسجي. أما تلك العين السابحة في الغيم، فتبدو كأنها تطل علينا من برزخٍ، بين عالمي المادة والروح، و هي الثنائية، التي تظل حاضرة و ثابثة، في جل أعمال عبد الإله شاهيدي؛ حيث نجد أجزاءً من الجسد مرسومة بدقة واقعية مذهلة، بينما تتلاشى أجزاء أخرى في فضاءات تجريدية أو ضبابية، مما يحيل على فكرة التماهي بين عالمي الفناء والخلود.
و هو بدلك، يؤكد مرة أخرى، على صلابة انخراطه المتواصل، في اختياره الفني، مسلحا بقدرته الفائقة على رسم الوجوه (البورتريه)، حيث لا يكتفي بنقل الملامح فقط، بل يغوص في “سيكولوجية” الشخصية، محاولاً تجسيد المشاعر الإنسانية العميقة كالقلق، التأمل، أو الحنين.