بعد أسابيع قليلة فقط من اليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء 8 مارس 2025، يعود سؤال جوهري ليفرض نفسه بإلحاح: أين هي صحة النساء من السياسات العمومية في المغرب؟.
ليس في الخطابات، ولا في البلاغات الرسمية، بل في القرارات الفعلية، وفي ترتيب الأولويات، وفي الجرأة على كسر التابوهات الطبية والسياسية.
رغم الاعتراف القانوني بالقنب لأغراض طبية وصناعية، ورغم التراكم العلمي العالمي حول فوائده العلاجية، ما تزال صحة النساء — خصوصًا في ما يتعلق بالألم المزمن، والاضطرابات النسائية، وما قبل انقطاع الطمث — غائبة عن هذا الورش. وكأن التقنين وُجد من أجل الضبط والربح فقط، لا من أجل الصحة والكرامة.
تقنين القنب/الكيف الطبي بلا رؤية صحية… فرصة مهدورة
كان من الممكن لتقنين القنب/الكيف الطبي أن يشكل منعطفًا حقيقيًا في مقاربة الصحة العمومية، وفرصة لفتح بدائل علاجية آمنة للنساء اللواتي يعانين من عسر الطمث Dysménorrhée ، والانتباذ البطاني الرحمي endométriose ، والآلام الحوضية douleurs pelviennes المزمنة، واضطرابات القلق والنوم المرتبطة بالتغيرات الهرمونية.
لكن ما نراه اليوم هو العكس:
تقنين بلا رؤية صحية، بلا برامج بحث، وبلا اهتمام حقيقي بصحة النساء. الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب ما تزال أسيرة مقاربة تقنية وأمنية، لا ترى في القنب سوى ملف ضبط إداري، لا أداة صحة عمومية.
والسؤال هنا ليس تقنيًا، بل سياسي: من يحدد أولويات الصحة؟ ولماذا تُستثنى النساء دائمًا؟.
حين يصبح تجاهل العلم قرارًا سياسيًا
العلم واضح : الجهاز الداخلي للقنب Le système endocannabinoïde يلعب دورًا أساسيًا في تنظيم الألم، والالتهاب، والهرمونات، والتوتر. ومستقبلاته موجودة في الرحم والمبيضين وبطانة الرحم والجهاز العصبي المركزي. هذه ليست فرضيات، بل معطيات علمية مثبتة.
ومع ذلك، يتم تجاهلها في السياسات الصحية.
وهنا يجب تسمية الأشياء بأسمائها: تجاهل العلم حين يتعلق بصحة النساء هو شكل من أشكال العنف البنيوي الصامت.
فالألم النسائي لا يُؤخذ بالجدية نفسها، ولا يُعتبر أولوية بحث أو استثمار، وكأنه قدر بيولوجي يجب التعايش معه، لا مشكلة صحية تستحق حلولًا مبتكرة.
نساء الريف: معرفة صودرت وذاكرة مُغيَّبة
في الريف، لم يكن القنب/الكيف مجرد محصول، بل جزءًا من منظومة علاجية تقليدية، حملتها النساء، والعشّابات، والقابلات التقليديات.
لكن سياسات التجريم الدولية قطعت هذا الإرث، وجرّمت النساء، ومحَت الذاكرة العلاجية النسائية. واليوم، يأتي التقنين دون أي اعتراف بهذه المعرفة، ودون أي جبر ضرر صحي أو ثقافي.
إننا أمام مفارقة مؤلمة:
الأرض تُستثمر، والمعرفة تُقصى، والنساء يُنسين.
القنب/الكيف الطبي ليس ترفًا… بل حق صحي
لا أحد يدعو إلى استعمال غير مسؤول، ولا إلى ترويج شعبوي.
المطالبة واضحة وبسيطة:
· البحث العلمي
· التأطير الطبي
· المعلومة الدقيقة
· والعدالة في الولوج للعلاج
القنب الطبي ليس حلًا سحريًا، لكنه أفق علاجي جدي لصحة النساء، حين يُؤطر علميًا وأخلاقيًا. ورفض هذا الأفق يعني قبول استمرار الألم، وقبول التمييز الصحي، وقبول الصمت.
صحة النساء قضية سياسية.
صحة النساء ليست ملفًا تقنيًا، ولا موضوعًا ثانويًا، ولا امتيازًا.
هي حق إنساني، ومسؤولية دولة، ومؤشر على العدالة الاجتماعية.
إن استمرار إقصاء صحة النساء من ورش القنب الطبي يعكس خللًا عميقًا في تصورنا للصحة، وللمعرفة، وللعدالة.
وهو خلل لا يمكن إصلاحه إلا بإرادة سياسية شجاعة، تعترف بأن الكرامة تبدأ من الجسد.
* التوقيع:
مولاي أحمد الدريدي
مدافع عن حقوق الإنسان
محلل في سياسات الصحة وحقوق الإنسان
خبير ومرافع من أجل إصلاح السياسات الزجرية المرتبطة بالمخدرات