Connect with us

على مسؤوليتي

في الحاجة إلى ابن خلدون

نشرت

في

أهداني صديق كتابا عن تاريخ الإمبراطوريات، قيامها وانهيارها بعنوان: «التاريخ الموجز للإمبراطوريات» للمؤرخ الفرنسي كابرييل مارتينيز كرو. واختيار موضوع الإمبراطوريات ليس اعتباطيا، لأن العالَم يعرف تحولات عميقة ،يتهدد إمبراطوريات، ويؤشر إلى بزوغ أخرى. واللافت في الكتاب هو توظيف فكر ابن خلدون لشرح ظاهرة قيام الإمبراطوريات وأفولها. وهو منذ مقدمة الكتاب لا يعرض لابن خلدون بصفته مفكرا عربيا إسلاميا، بل بصفته مفكرا عالميا، إلى جانب أساطين الفكر الإنساني الذين فككوا بنيات قيام الدول وتفسخها، أمثال بوليبوت وسيديدومكيافيلي ومونتسكيو وماركس وتوكفيل وماكس فيبر.

لم يكن هذا المؤرخ الفرنسي أول من استنجد بابن خلدون لفهم ما يعتور العالم الغربي، فقد فعل الشيء ذاته المؤرخ البريطاني بول كينيدي قبل ثلاثين سنة، في نشأة الحضارات وأفولها، وزعم أن العد العكسي للحضارة الغربية بدأ،ووظف من أجل ذلك نظرية ابن خلدون حينما يغلب الترف، أو الحضارة بمصطلح ابن خلدون، وتزداد الإتاوات، أوالضرائب، وتعمد الدول إلى الاستعانة بالموالي، أو المرتزقة في الدفاع عن نفسها أو مصالحها، أو حين تقتضي مقابلا لتدخلها، كما تفعل الولايات المتحدة مع حلفائها في الناتو وغير الناتو، فذلك مؤذن بخراب العمران.

فكر ابن خلدون الثاقب ظل نِسيا منسيا في تاريخنا، إلى أن اكتشفه الغربيون ووظفوه لفهم مجتمعاتنا. عرف زخما في فترة التحرر، واهتماما من لدن أصحاب الفكر التنويري، ولم يكن بدعا أن يُفرد طه حسين دراسته لنيل شهادة الدكتوراه في باريس بإيعاز من إميل دوركايم، لفكر ابن خلدون. كانت دراسة ابن خلدون في تلك الفترة خاصة في البلدان المغاربية فرض عين، وكان الوقوف على فكر ابن خلدون في الجامعة المغربية واجبا، ولذلك درسه ودرّسه الجيل الأول من الجامعة المغربية أمثال، الجابري والعروي والحبابي، ومن بعدهم بنسالم حميش. وفي كلية الحقوق حيث درست قبل أكثر من ثلاثين سنة، كان ابن خلدون والمقدمة بالأساس من المراجع الأساسية. وكان من الكتب المقررة كتاب للجغرافي الفرنسي إيف لاكوست «ابن خلدون أو ماضي العالم الثالث» كشرح لفكر ابن خلدون ونظريته في التاريخ. إلا أن المرء يصاب بإحباط شديد للجهل المستشري حاليا لفكر رجل ملأ الدنيا وشغل الناس، عدا بعض العموميات، أو ما يرشح في الحواشي، أو شرح الشرح، كما في الأدبيات القديمة. وبالجامعة المغربية، كي لا أتحدث عما لا أعرف، يكاد أن يكون ابن خلدون مغمورا، إلا كاسم. ولا يمكن أن نلوم الطلبة، فهم نتاج منظومة وسياق ثقافي أزرى بابن خلدون.

طبعا ليس الغاية هي معرفة فكر ابن خلدون من أجل المعرفة، وسرد فكره وحفظه، ولكن الوقوف على المحاولة الرصينة لتفكيك الخلل البنيوي للدولة في بلاد المغرب، وغيرها من البلدان الإسلامية، من أجل تمثل المنهج الذي اعتمده والذي يهيئ لمقاربة وضعية أو علمية، على خلاف سابقيه الذين ظلوا في دائرة النصح أو الأخلاق.

يقول الشاعر الفرنسي أراغون في بيت ذهب مذهب الأمثال، «ما كان سيكون، إن نحن تذكرناه». نحن نحتاج أن نفهم ما يجري لكي نتجاوزه، ولن نستطيع إن نفهم من دون معرفة ومن دون «تذكر» ما سبق. إلا أن ابن خلدون كفأن يكون مرجعا في جامعتنا وبرامجنا التعليمية ومنظومتنا التربوية. وأذكر بكثير من الأسى أن المرحوم الملك الحسن الثاني، على علمه وثقافته، حطّ في مذكراته «ذاكرة ملك» من ابن خلدون واعتبره سياسيا فاشلا. لم يذهب لمعرفة أسباب فشله، هل في قصور الرجل، أم في خلل للبنيات القائمة. ذلك أن ما بعد ابن خلدون كان إيذانا بنهاية حلم وحدة بلاد المغرب، وبداية التناحر وخروج بلاد المغرب من التاريخ. العيب لم يكن في ابن خلدون، ولكن في المنظومة التي ظهر فيها ابن خلدون والسياق التاريخي الذي برز فيه.

لأكثر من جيل أصبح ابن خلدون شخصا غير مرغوب فيه في الجامعة المغربية، ولا أحسبني مجانبا للصواب إن قلت في العالم العربي، وعوض أن ندرس ابن خلدون ونتمثل فكره، فضّلنا ابن تيمية وابن قيم الجوزية. ولا جدال أنه ينبغي أن ندرس ابن تيمية وابن قيم الجوزية، في سياقهما التاريخي، إلا أن ما قد يهيئنا لمقاربة موضوعية هو ابن خلدون. هو من ينبغي أن نُعرّف للناشئة كي تتمثل فكره ومنهجه، من خلال تبسيط فكره، إذ من العسير أن نطلب من الناشئة أن تقرأ لوحدها “المقدمة”.

طبعا، لم يظهر ابن خلدون كرعد في سماء صافية، أو جراء معجزة، ولكنه تعبير عن تراكم معرفي لمدرسة فكرية برزتفي الأندلس، مرتبطة بالتراث الإغريقي، وانتقلت إلى بلاد المغرب. وابن خلدون نفسه يشير في كتاب «التعريف»، هو سيرته الذاتية إلى الدَّين الذي يدين به لمعلمه عبدالله الآبلي، وكان عالما للرياضيات والمنطق، بفاس ومراكش، وهو منهيأه للمقاربة التي سوف يتبناها لفهم أحوال العمران (المجتمع) وما يعرض له. هل يمكن أن يبرز فكر يستطيع أن يقرأ الواقع قراءة نقدية، ويفكك مواطن الخلل، في ظل الأوضاع التي تعرفها الجامعة؟.

صدر تقييم قبل شهور حول وضع الجامعات في العالم العربي، ولم تكن منها جامعة واحدة ضمن 500 جامعة مصنفة عالميا، وحتى تلك التي صُنفت، كانت في غالب الأحيان مستنبتة بفضل الموارد المالية لدولها. لماذا توجد الجامعة في الوضع التي هي فيه؟ لأن المعرفة والتعليم لم يكونا في سُلم أوليات الحكومات. ذلك أن ما يرصد من أجل اقتناء الأسلحة، وسباق التسلح ووسائل الضبط الأمني والتتبع، يفوق ما يرصد على التربية. من المسلم به أنه لا يمكن لمجتمع ما أن يتطور من دون فكر، ولكن الفكر ليس جهدا شخصيا، أو معجزة، أو فلتة.

نعم، نحن نحتاج إلى فهم الانكسار الذي وقع، ونحن نحتاج إلى ابن خلدون جديد، ولكنه لن يظهر من دون بنية معرفية ومؤسسات تعليمية راسخة، لا هذا الذي نرى ونسمع، جعجعة ولا طِحنا.

حسن أوريد

انقر للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

على مسؤوليتي

أحمد عصيد يكتب..الفقه فقه الرجال، والنساء ضحاياهم

نشرت

في

بواسطة

من يشاهد تزويج الطفلة الصغيرة وفصلها عن الدراسة والتضحية بها بسبب فقر الأسرة، ولا ينفطر قلبه، بينما هو مطمئن على بناته اللائي وضعهن في أجود المدارس وضمن لهن مقاعد في أرقى الجامعات، هو شخص غير جدير بالثقة وليست فيه ذرة من الإنسانية، لأن الطفلة ستعود بعد عام أو عامين مطلقة بسبب عجزها النفسي والعقلي عن القيام بواجبات الأسرة.

من يشاهد امرأة وهي تناضل لمدة شهور لتضمن لطفلها مقعدا في المدرسة، دون أن تستطيع ذلك، لأن إدارة الدولة تخبرها بأن “الولاية” على الطفل بيد الرجل وليست بيدها. الرجل الذي تخلى عن المرأة والطفل معا وفقد كل مشاعر الأبوة هو “الولي”، والمرأة التي ترتبط بابنها لحظة فلحظة لا ولاية لها، وكل هذا تتم شرعنته باسم السماء، بل المضحك المبكي هو أنه عندما يُصاب الطفل بمكروه، تذهب أموال التأمين للحساب البنكي للأب اللامسؤول لأنه هو “الولي”، من يرى كل هذا ولا يتحرك فيه شيء من أجل المصلحة الفضلى للطفل، فهو جماد لا يمكن الاعتماد عليه في تدبير شؤون الدولة والمجتمع.

من يرى فتيات متفوقات في الدراسة، ثم موظفات في قطاعات حيوية من قطاعات الدولة، أو عاملات ليل نهار في اقتصاد غير مهيكل، يساهمن في إعالة أسرهن واقتناء البيت والأثاث، ليجدن أنفسهن في الشارع بعد ذلك بسبب مصيبة اسمها “التعصيب”، ولا يتألم لهذا الواقع البئيس الذي ترعاه قوانين خرقاء، فهو بلا شك قليل المروءة وعديم الضمير.

من يعتبر أن “الذكر” أهم من “الأنثى” وأفضل، فقط لأن له عضو ذكري، يجعل مهمة المرأة أن تخدمه وتطيعه مهما تفوقت عليه عقلا وحكمة وعملا وإنتاجا، فهو لا شك جاهل بمفهوم الذكورة ذاته الذي انقلب رأسا على عقب، كما أنه لا يعرف معنى الأنوثة نفسها التي لم تعُد في عصرنا لعنة تلاحق النساء، بل خاصية لفرد مستقل، إنسانة مواطنة لها الحق في تقرير مصيرها واختيار ما فيه مصلحتها.

ـ من يعتبر الإجهاض “حراما” ثم يتهرب بعد ذلك من التكفل بالطفل الناشئ الذي يعتبره “ابن زنى” هو شخص بلا رحمة، لأنه يصنع مآسي آلاف الأطفال الذين تغلق عليهم الدولة أبوابها وتجعل حياتهم جحيما. إنه يدافع عن حياة نطفة بلا هوية، ثم يتهرب من المولود عندما يصبح إنسانا حيا بلا حقوق.

من يعلم بأن المرأة ضحت بحياتها في ثلاثة عقود أو أكثر من الزواج، قامت خلالها بكل الأعمال الشاقة داخل البيت وخارجه، ثم تتم مطالبتها عند الطلاق بإثبات أنها “ساهمت” في ثروة العائلة بالوثائق والحُجج الإدارية حتى تأخذ حقها من الأموال المكتسبة، ثم لا يثور على عقلية لا ترحم وتجهل قيمة العمل وقيمة الإنسان، فهو بلا شك متواطئ مُجرد من فضيلة النزاهة.

أخيرا، الفقه فقه الرجال، والنساء ضحاياهم، لأن الرجال صاغوا كل كلمة على مقاسهم، ولا حلّ إلا بالخروج من قلعة الفقه القديم، وبناء قوانين للمرأة بوصفها إنسانا مواطنا.

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

ماذا تنتظر بعض دول الاتحاد الأوروبي لدعم مخطط الحكم الذاتي؟

نشرت

في

عكس ما كانت تروجه بعض الجهات المعادية للمغرب من الخارج ومن داخله على أن اعتراف ودعم مخطط الحكم الذاتي المغربي حول مغربية الصحراء، ماهو الا قرار انفرادي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي سيلغى من طرف الكونغريس الأمريكي والرئيس الحالي.

تنتصر من جديد الدبلوماسية المغربية، لتؤكد للمنتظم الدولي تشبت كل الدول المساندة للمخطط المغربي للحكم الذاتي بموقفها الثابت .

في هذا الصدد، لاباس ان تستانس بتصريح أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الذي اكد دعم بلاده لمخطط الحكم الذاتي المغربي، من أجل الطي النهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء، مبرزا أن الولايات المتحدة “تواصل” اعتبار هذا المخطط “جادا وذا مصداقية وواقعيا”.

رغم كل المحاولات الفاشلة لخلق البلبلة، داخل المنتظم الدولي بتمويل الجمهورية الوهمية البوليساريو الممولة من أموال الشعب الشقيق الجزائري، فان الواقع يؤكد على مغربية الصحراء ونجاعة المخطط المغربي للحكم الذاتي بالصحراء المغربية.

أليس ماصرح به انتوتي بلينكن وزير الخارجية الأمريكي :
“امتنان” الولايات المتحدة للملك محمد السادس، بفضل “قيادته وإسهامه الراسخ” في تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين، بما في ذلك الشرق الأوسط، منوها بالدور الذي تضطلع به المملكة في “ضمان الاستقرار” في المنطقة وفي إفريقيا، رسالة قوية وهادفة للأمم المتحدة والمنتظم الدولي وخصوصا لاعداء الوحدة الترابية للمملكة المغربية، على ان مخطط الحكم الذاتي لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية هو الحل الوحيد والأوحد، لطي هذا الملف الذي تنتعش منه الجزائر وعصابات الفكر الظلامي الارهابي والجريمة المنظمة العابرة للحدود؟؟؟.

سؤال اجاب عنه المتحدث باسم الدبلوماسية الأمريكية، في بيان صدر عقب مباحثات جرت يوم الاثنين 20 مارس 2023 في لقاء بواشنطن مع ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج حيث أكدا :
“دعمهما الكامل لستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بهدف تعزيز حل سياسي دائم ولائق” لهذا النزاع الإقليمي المفتعل.

أليس من الموضوعي أن تستحيى الجهات المعادية للمغرب وتعترف بالاستقرار الامني والاقتصادي والاجتماعي للمغرب، لان كل الاعترافات الدولية تؤكد ماصرح به المسؤول الدبلوماسي الأمريكي، على أن المغرب يلعب دورا رئيسيا في ضمان الاستقرار، في مواجهة سلسلة التحديات التي يعرفها الشرق الأوسط وإفريقيا”، لافتا إلى أن المسؤولين “ناقشا الانشغالات المشتركة بشأن استمرار العنف في إسرائيل والضفة الغربية، والجهود المبذولة لنزع فتيل التوترات”.

اذا كانت مجموعة كثيرة من دول العالم، كامريكا وإسبانيا تعترف بكل وضوح وبدون الاختباء وراء المحايدة، خوفا من فقدان مصالحها الخاصة واللعب على الحبلين، ماذا تنتظر بعض دول الاتحاد الأوروبي خصوصا فرنسا الشريك التقليدي للمغرب باتخاذ قرار واضح وصريح، اما مع أو ضد قرار مخطط الحكم الذاتي، لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية لنعرف مع من نتعامل؟؟؟.

. ادريس العاشري

أكمل القراءة

على مسؤوليتي

الخطأ لا يصلحه الخطأ كما النظام العام لا يقومه التعنيف

نشرت

في

كنا وسنظل ، بصفة مستدامة ، في الصفوف الأولى للدفاع عن السيادة الوطنية والوحدة الترابية وعن الحركة المطلبية الوطنية والعالمية سواء تعلقت بالتحرير والديمقراطية والإشتراكية بأبعادها الإنسانية والإجتماعية والتقدمية ، وبالوسائل القانونية والسلمية الممكنة ، ولهذا نعتبر تضحياتنا مشروطة بدمقرطة كل المجالات ذات الصلة ، أي مشروطة بالإشراك في تقييم الأداء الأمني وفي تدبير السياسات الأمنية والتقرير في القضايا السيادية و المصيرية ما عدا ما له علاقة بأسرار الدفاع والمخططات الإستراتيجية الأمنية ذات الطابع العسكري المحفوظة .

وإنطلاقا من هذه الغيرة والروح الوطنية ، ووعيا بحدود صلاحيتنا وإيمانا بأن الدستور قد حدد الصلاحيات والمسؤوليات ، فإن هذه الحدود لا تمنعنا دستوريا من المشاركة في تقييم النتائج والمساهمة في إقتراح بدائل الإستدراك والمبادرة إلى التقويم حسب المتوفر من الإمكانيات القانونية والمؤسستية . من هنا كنا وسنظل نرافع وندافع من أجل تنصيب المجلس الأعلى للأمن ، رغم تبلور شبه قناعة على أن هناك إكراهات وملابسات ؛ غير معلومة لدينا ؛ تحول دون تفعيل مقتضيات الفصل 54 من الدستور المؤطرة لهذه المؤسسة الإستشارية كآلية وقائية وإستباقية وتوجيهية للسياسات الأمنية العامة والعمومية ، وكوعاء يحتوي فعاليات دمقرطة الحوار الوطني والتشاور العمومي حول كيفية تدبير الأزمات ذات الإرتباط بالقضايا الحيوية للبلاد .

ولأن المناسبة شرط ، فإنه مطلوب من الدولة، وهي تخوض معركة تسييد وطنية وإستقلالية القرار المغربي دوليا وعلى جميع الأصعدة المالية والترابية والأمنية والسياسية ، مطلوب منها أن تعزز المعنويات ومواقع الصراع أو الحوار او التفاوض بدعم الشعب المغربي وقواه الحية ، فإذا كنا نؤمن بأن مغرب اليوم ليس ولم يعد مغرب الأمس ؛ فإنه بنفس الإعتقاد فالحلفاء ليسوا نفس الأوفياء ، والخصوم ليسوا بنفس العداء ، فالمصالح تغيرت ومنسوب التعاون والثقة تغير أيضا ؛ واليوم مفروض على الدولة وعقلها الأمني أن يتعاملا مع ردود فعل الخوارج بهدوء وحذر شديد ، ففقدان أو التوجس من ضياع المكتسبات بالنسبة الحلفاء التقليديين ، قد يدفع هؤلاء إلى شن حملات ، والرهان على السمعة الحقوقية من أجل إعادة ترتيب العلاقات وتجديد التعاقدات .

وفي هذا الباب ندرج مثال ما جرى داخل قبة البرلمان الأوروبي ، وما نتج عنه من تداعيات ، ويوم أمس وقد أفرج عن التقرير الأمريكي حول الوضع الحقوقي بالمغرب ، والذي يبدو أن المجتمع الحقوقي ، الذي ينتظر ولادة وإرساء ضمانات عدم تكرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق ، لن يفاجأ بمحتواه فهو خبير بما يجري وطنيا وله تقارير هي التي يعتمد غالبها من طرف الهيئات والمنظمات الدولية كمصدر ، ليبقى على المسؤولين المغاربة التعامل مع التقرير بهدوء وحيطة دون إنفعال ، فلم يعد التسرع مفيدا ولا ردود الفعل ” الإنكارية ” مجدية ، ولا قبول المجاملة الملغومة ، رغم ما يبدو من نفحة الإحتكاك بالشأن السيادي ، كمفارقة للإعتراف الضمني بسيادة المغرب على الصحراء ، وهي سياسة للتوازن الضروري ، و التي صارت أمرا واقعا منذ أن قبل المغرب بكون العالم قرية صغيرة وخضوع السيادة لمبدأ التليين بحكم الإلتزامات التعاقدية ، سواء في المجال الإقتصادي أو الأمني والعسكري بإسم المساعدات تارة ، وتبادل الخبرة والمصالح تارات أخرى ؛ خاصة وأن الظرفية لا تسمح بمزيد من الإنهاك والإستنزاف بإسم مواجهة الإبتزاز وتحصين السيادة والكرامة الوطنية واللتان صارتا نسبية في سياق العولمة والحقوق والمصالح الإشتراطية ، ناهيك عن الإلتزامات المفترضة في العلاقات الثنائية غير المتكافئة .

أما ما يهم الوطن والمواطنين هو الحرص على تحصين الحقوق والمكتسبات في العلاقة مع ضمان وصون الحريات العامة ، من تعبير وتنظيم وتجمع وتظاهر ، ولعل ما جرى وما يجري من تجاوزات في الشوارع والجامعات والفضاءات العمومية الأخرى ، من خرق للقانون يستدعي تحرك مؤسسة النيابة العمومية وفتح التحقيق في التجاوزات المصرح بها أو المعاينة أو المنشورة ، سمعيا ومرئيا ، والقيام بالمطلوب قانونيا وقضائيا . فما أحوجنا إلى القطع مع ممارسات الماضي الممنهجة، وتحديد المسؤوليات ، مرفقية كانت أم شخصية ، مع المساءلة و ترتيب الجزاءات . لأن الخطأ لا يصلحه الخطأ ، والضرر لا يجبر بالانتهاك ، وفي ذلك امتحان آخر للمفهوم الجديد للسلطة المتباهى به والحكامة الأمنية المتبجح بها .

. توقيع مصطفى المنوزي

أكمل القراءة

الاكثر مشاهدة