على مسؤوليتي

تفكيك القمع الناعم في المجال العمومي

نشرت

في

لا يكفي ضمان حرية التعبير إذا ظل المجال العمومي مفتوحًا شكليًا ومضطربًا معياريًا. فحرية التعبير، في حدّها الأدنى، تحمي المتكلم من المنع والعقاب، لكنها لا تضمن أن يتحول القول إلى قوة اقتراح أو إلى رافعة لرفع منسوب الوعي. هنا يبرز سؤال أخلاق التداول: كيف ننتقل من مجرد إتاحة الكلام إلى بناء شروط تداوله بما يحفظ المعنى ويحصّن الاختلاف من الانزلاق إلى الاتهام؟.

تتعمق الإشكالية حين تتقاطع هشاشة أخلاق التداول مع هشاشة الأمن القانوني والأمن القضائي. فحين تغيب قابلية التوقع في تطبيق النصوص، ويتسع هامش التأويل دون ضوابط تعليلية صارمة، ينتقل القلق من مستوى القانون إلى مستوى الخطاب ذاته. لا يعود الخوف من النص في ذاته، بل من احتمالات تكييفه، ومن الكيفية التي يمكن أن يُقرأ بها القول خارج سياقه. في مثل هذا المناخ، تزدهر محاكمة النوايا بوصفها آلية رمزية لضبط المجال العمومي؛ إذ يُستبدل نقاش الحجج بتفتيش المقاصد، ويُعاد توصيف المواقف عبر قوالب جاهزة تختزل التعقيد وتلغي التعدد.

محاكمة النوايا ليست مجرد انحراف أخلاقي في النقاش، بل هي مؤشر على خلل أعمق في بنية الثقة. فعندما لا يشعر الفاعل العمومي بأن معيار الحكم هو الحجة والسند القانوني الواضح، بل التأويل المحتمل والانطباع الغالب، تتولد رقابة ذاتية صامتة. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بالقمع الناعم: لا منع مباشر، ولا مصادرة صريحة، بل إفراغ تدريجي للكلمة من أثرها عبر التشويش، والتبخيس، والتكييف الملتبس. يسمح المجال بالكلام، لكنه يضيّق على المعنى.

في سياق القهر الاجتماعي السائل، حيث تتآكل المرجعيات وتختلط الحدود بين القانوني والسياسي والإعلامي، تصبح سلطة التأويل أداة مركزية في إعادة ترتيب المجال الرمزي. التأويل حق طبيعي وضرورة تواصلية، غير أنه يتحول إلى سلطة حين يدّعي احتكار المعنى ويعيد تصنيف الخطابات وفق تمثلات مسبقة. وعندما يتسرب هذا المنطق إلى دوائر التكييف القانوني أو إلى الفضاء العمومي المتاخم له، يختل التوازن بين حرية التعبير وضمانات الأمن القانوني، فيغدو المجال مفتوحًا ظاهريًا ومحفوفًا باللايقين فعليًا.

إن تعزيز الأمن القانوني لا يعني تشديد القيود، بل توضيح القواعد وضبط حدود التكييف وتعليل القرارات تعليلًا عقلانيًا شفافًا. كما أن ترسيخ الأمن القضائي لا يرتبط فقط باستقلال القضاء، بل بثقة الفاعلين في أن القضاء يحاكم الأفعال والوقائع لا النوايا المفترضة، ويحتكم إلى معايير يمكن توقعها لا إلى قراءات ظرفية. في مثل هذا الإطار وحده يمكن لأخلاق التداول أن تزدهر، لأن الاختلاف يُناقش بالحجة، والتعبير يُقيَّم بأثره، لا بقصد يُنسب إلى صاحبه.

الديمقراطية لا تُقاس فقط باتساع هامش القول، بل بمدى أمانه المعياري. وأي هشاشة في الأمن القانوني أو القضائي تفتح الباب أمام أنماط ضبط ناعمة تجعل المجال العمومي صاخبًا لكنه فقير في إنتاج الوعي. لذلك فإن الرهان ليس في الدفاع عن حرية التعبير بوصفها شعارًا، بل في تحصين شروط تداولها، وترشيد سلطة التأويل، وبناء يقين قانوني يُحرر المعنى بدل أن يعلّقه على احتمالات التأويل ومحاكمات الضمائر.

مصطفى المنوزي

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version