* مراد بورجى
من الضروري الإشارة، أولاً، إلى أن العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام الملك محمد السادس خلال المجلس الوزاري الذي انعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026، يكتسي طابعا استثنائيا، وبالتالي فإن كل قراءة لمضامينه باعتبارها تصورا تقنيا جديدا للتنمية الترابية، ستخطئ مرتين: مرة لأنها تختزل السياسة في الأرقام والمؤشرات، ومرة لأنها تتجاهل السياق العام، الذي جاء فيه هذا العرض، والذي سبق لي أن أشرت إليه في عدة مقالات سابقة، حيث يبدو أن الدولة، اليوم، لم تتردد في الإعلان عن تشكّل ملامح مرحلة جديدة، قوامها إعداد شروط انتقال هادئ نحو مغرب الغد، أو ما أسميته “دولة ولي العهد”، مغرب الدولة الاجتماعية، ومغرب الأفق الذي يتبلور حول استمرارية الدولة ورؤيتها لمستقبلها.
نحن، في الحقيقة، أمام لحظة سياسية كثيفة، تتجاوز بكثير “210 ملايير درهم” و”ثماني سنوات من البرمجة”، لتلامس سؤالا أعمق: من يصوغ اليوم السياسة العمومية في المغرب؟ ومن يمتلك فعليا مفاتيح المستقبل؟
الجواب لم يعد يحتاج إلى كثير من التأويل، إذ إن العودة إلى مضامين العرض، من الزاوية السياسية، تؤكد أن ما قدمه وزير الداخلية لفتيت أمام الجالس على العرش اليوم لم يكن برنامج حكومة، ولا رؤية أغلبية برلمانية، ولا حتى تعاقدا انتخابيا مؤجلا، لأن عرض لفتيت، في جوهره، تنزيل مؤسساتي مباشر للإرادة الملكية في إعادة ترتيب المجال الترابي والسياسي معا، بعد أن استنفدت الأحزاب جزءا كبيرا من قدرتها على المبادرة وعلى الإقناع.
ولفهم عُمق هذه الانعطافة السياسية، تكفي الإشارة إلى أن المغرب، اليوم، يوجد أمام برنامج يمتد لثماني سنوات (2026-2034) بغلاف مالي يناهز 210 ملايير درهم، أي أفق زمني ومالي يتجاوز عمر الحكومة المقبلة (2026-2031)، ويؤسس لما يشبه تعاقدا عموميا “فوق انتخابي”… كما أن منطلق الإعداد تجاوز ما كان مركزيا وحكوميا إلى ما هو محلي، تحت إشراف العمال، في حين يتولى الولاة تجميع هذه البرامج جهويا لضمان انسجامها، قبل أن تُعرض على لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة للمصادقة والتنسيق فقط.
بهذه الهندسة، يمكن القول إن “المنتخب” لم يعد مُنتجا للسياسة العمومية، بعدما أصبح، وفق برنامج وزارة السيادة، جزءا فقط من آلية لتجميع البرامج وتنسيقها. وتزداد هذه الانعطافة وضوحا مع قرار تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، بما يعني إدخال منطق النجاعة والسرعة وربط النتائج بالمحاسبة، تحت رقابة سنوية مشتركة بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية… أما إحداث منصة رقمية لتتبع المشاريع، فهي برنامج ذكي يضرب في الصفر كل الضجيج الذي خلقه وزير العدل عبد اللطيف وهبي في محاولة لإقصاء الرقابة الشعبية وتحصين الفساد وحماية المستفيدين من الإثراء اللامشروع، ذلك أن المنصة الرقمية ستلعب دورين جوهريين: أولا، تجاوز الانهيار المهول لحكومة أخنوش في مجال التواصل في ظل “الناطق الرسمي الصامت”، وثانيا، نقل جزء من سلطة المراقبة إلى الفضاء العمومي، بما يعيد الاعتبار لدور المواطنين وجمعيات المجتمع المدني في فضح ملفات وممارسي الفساد من جهة، ومن جهة ثانية، بما يقلص من أدوار الوساطة التقليدية، التي كانت الأحزاب أحد أبرز تعبيراتها، قبل أن تستكين إلى نوع من “الصمت المتواطئ” لانشغالها باللهث وراء ريع المصالح والمناصب والمنافع.
لقد جاء عرض لفتيت في لحظة دقيقة: موسم فلاحي واعد يخفف الضغط الاجتماعي، واستعدادات متسارعة لمونديال 2030، واقتراب استحقاقات انتخابية يفترض فيها، نظريا، أن تكون لحظة تنافس البرامج. لكن ما وقع هو العكس تماما: البرنامج وُضع سلفاً، وصودق عليه في المجلس الوزاري، وتمت هندسة آليات تنزيله قبل أن تبدأ حملة “الوعود” الانتخابية.
بهذا المعنى، تصبح حكومة أخنوش، ونحن نتحدث تحديدا عن الأحزاب الثلاثة المشكلة لحكومته، جزءا فقط من آلية، وليس مركز القرار فيها، لأن مسار إنتاج القرار نفسه تجاوز المرور عبر القنوات الحكومية الكلاسيكية، وأضحى يُبنى خارجها ثم يُعاد إدخاله إليها في صيغة جاهزة للتنسيق والتنفيذ. فحين تتكفل البنية الترابية، بأمر من الملك نفسه، بمرحلة التشخيص وصياغة الأولويات وتجميع البرامج، وتُحال هذه المخرجات إلى مستوى وطني يرأسه رئيس الحكومة فقط “للمصادقة وضبط الانسجام”، فإن هذا الأخير لا يتحرك داخل منطق المبادرة، لأنه ليس هو صاحب القرار، وإنما داخل منطق الاستيعاب، أي تحوّل رئيس الحكومة “من فاعل إلى مفعول به” لغويا ونحويا!!!.
وسياسيا، فإن رئيس الحكومة، بهذا التحول، قد كفّ عن أن يكون مبادرا وفاعلا يؤسس لاختيارات كبرى، وأضحى فقط موقعا مؤسساتيا يضفي عليها الشرعية الإجرائية ويضمن انسيابها داخل الجهاز التنفيذي.
أي أننا، بعد الفشل الذريع لحكومة أخنوش ووعودها الانتخابية “الكاذبة”، وبعد “تكليف” الملك للوزير لفتيت، أصبحنا أمام إعادة توزيع صامتة لوظيفة القرار: من مركز حكومي يُفترض فيه أن يقود، إلى حلقة تنظيمية تُطلب منها النجاعة في التنسيق أكثر مما يُنتظر منها الجرأة في الاختيار!!!.
ولعل المفارقة هنا أن هذا “التحول” لا يتم عبر تعديل دستوري أو إعلان سياسي صريح، وإنما عبر هندسة عملية للفعل العمومي، أي من داخل طريقة اشتغال الدولة نفسها. بمعنى أن السلطة لم تعد تُمارس فقط بيد من يوقّع القرار (رئيس الحكومة)، وإنما بمن يصنعه فعليا (القصر)، منذ بدايته، عبر تحديد الأولويات وضبط مسار تنفيذه… وهذا قرار أكبر من مجرد إصلاح إداري أو إعادة توزيع تقني للاختصاصات، فهو يعني تحولا أعمق يمس طبيعة الدولة نفسها في علاقتها بالمجال وبالسياسة.
إنه انتقال هادئ، لكن حاسم، من منطق الإدارة الكلاسيكية إلى منطق “الدولة-المقاولة”، حيث تُقاس الشرعية بالإنجاز، وتُربط المسؤولية بنتائج ملموسة، وتُختبر المواقع بما تحققه في الواقع وليس بما تعلنه من برامج وخطابات موسمية .
لكن هذا الاختيار لا يأتي من فراغ، وليس من فشل حكومة أخنوش وحدها، بل كذلك من فشل الأحزاب إيّاها. فقد جاء هذا الاختيار، الذي سبق لي أن نبّهت إليه في مقالات سابقة، نتيجة مسار طويل من الاختلالات، كانت فيه “التزكيات”، مثلا، مدخلا للفساد، و”الوجوه المستخلدة” عنوانا للعجز، و”المحاصصة”، بكل ما تعني من توزيع للمواقع والموارد بين الأحزاب وفق توازنات سياسية، بديلا عن الكفاءة أو الاستحقاق، حتى أصبحت الفجوة بين الدولة والأحزاب فجوة ثقة، وليس مجرد اختلاف في التقدير، وهذا ما حدث لأخنوش من إبعاد و”طرد”.
في هذا السياق العام، ستتدخل الدولة، عبر وزارة السيادة، ليس لتُنافس الأحزاب، وإنما لتُعوض عجزها. ولهذا خلق عرض لفتيت أمام الملك الحدث الأبرز اليوم وغدا على مدى ثماني سنوات، فالأمر هنا لا يتعلق بوزارة تمارس اختصاصاتها، وإنما بجهاز ترابي وإداري يعاد توظيفه ليؤدي وظيفة سياسية كاملة: التشخيص، والبرمجة، والتنفيذ، والتتبع. أي أننا أمام سلطة فعلية تتحرك على الأرض، بعدما تأكد للملك وللشعب، من خلال الحملات الانتخابية السابقة لأوانها أنه: لا تزال أجزاء من الحقل الحزبي عالقة في حسابات التزكيات وترتيب اللوائح وتهميش كفاءات الجيل الجديد.
وهنا تتقاطع كل الخيوط: انتخابات 2026 لن تكون انتخابات برامج، لأن البرنامج موجود سلفا، ولن تكون صراع رؤى، لأن الرؤية محددة ضمن الأوراش الملكية الكبرى. أي أن الانتخابات المقبلة ستكون، في جوهرها، اختبار كفاءة: من يستطيع أن يكون جزءا من هذا المسار، ومن سيبقى خارجه.
إن الدولة، وهي تتدخل بهذا الشكل، لا تصادر السياسة، بقدر ما تبادر إلى إعادة تأهيلها “بالقوة” الإدارية والترابية والسياسية، لوضع حد لوهم “الزعيم الحزبي” الذي يحتكر التزكيات، ولوهم “الشرعية الانتخابية” المنفصلة عن الأداء، ولوهم “المستخلدين” في الكراسي، ولوهم “القرب من القصر”، الذي استُعمل لسنوات كعملة سياسية مغشوشة.
والرسالة، هنا، من منطوق بلاغ القصر، لا تحتاج إلى ترجمة: لقد انتهى زمن التساهل مع الرداءة السياسية. انتهى زمن إعادة تدوير نفس الأسماء ونفس الأساليب. انتهى زمن الاختباء خلف الشعارات بينما تتراكم الأعطاب على الأرض. وحل زمن الفرز الحقيقي، الذي يفترض أن لا مكان فيه إلا لمن يملك الكفاءة والجرأة والقدرة على الإنجاز… أما من لا يزال يعتقد أن الانتخابات لعبة مواقع، أو أن السياسة توزيع غنائم، أو أن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء… فالأرجح أنه لم يفهم بعد ما الذي وقع فعلا في ذلك المجلس الوزاري، لأن العرض الذي قُدّم فيه كان إعلاناً صريحا: الدولة قررت أن تتكفل بالسياسة.. إلى أن تستعيد السياسة نفسها.
يتبع…