ليس من قبيل المصادفة أن يتجدد النقاش حول التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة في لحظة سياسية ومؤسساتية دقيقة، تتقاطع فيها أسئلة العدالة مع رهانات الاستقرار، وتعود فيها مفردات الانتقال والثقة والتفويض إلى الواجهة. فالربط بين التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي في الصحراء قد يبدو لأول وهلة مجازيًا، لكنه في العمق ربط وظيفي وسياسي مشروع، لأن كلا الخيارين ينطلقان من تصور واحد للسلطة، لا باعتبارها احتكارًا مركزيًا، بل وظيفة قابلة للتقاسم المنضبط داخل وحدة الدولة.
التنظيم الذاتي للمحاماة ليس امتيازًا مهنيًا ولا مطلبًا فئويا، بل تعبير عن ثقة الدولة في قدرة المهنة على ضبط ذاتها، وحماية أخلاقياتها، والمساهمة في تحقيق التوازن داخل منظومة العدالة. وبالمثل، لا يمثل الحكم الذاتي في الصحراء تنازلًا عن السيادة، بل تجسيدًا متقدمًا لوحدة الدولة عبر تنويع أساليب تدبيرها، ومنح الفاعلين المحليين سلطة تقريرية داخل إطار وطني جامع. في الحالتين، تقوم العلاقة على أدوار متبادلة: تفويض من الدولة، ومسؤولية من الفاعلين، وضمان ومساءلة بدل الوصاية.
هذا المنطق ليس جديدًا في التجربة المغربية. ففي لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، وأثناء التحضير للتناوب التوافقي برئاسة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، أصر الملك الراحل الحسن الثاني على إصدار ظهائر ومبادرات تأسيسية ذات حمولة رمزية وقانونية قوية، من بينها إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والظهير المنظم لمهنة المحاماة سنة 1993، الذي أقر صراحة باستقلالية المهنة وحصانة المحامين، إلى جانب إحداث المحاكم الإدارية والتجارية. لم تكن تلك القرارات تقنية أو معزولة، بل مؤشرات واضحة على انفراج في الأفق، ورسائل طمأنة موجهة إلى الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، استعدادًا لانتقال سلس ومضبوط.
كان الرهان آنذاك واضحًا: لا انتقال سياسي هادئ دون وسائط مؤسسية محصنة، ولا عدالة مستقلة دون دفاع مستقل ومحمي من منطق الضغط أو الانتقام. لذلك لم يكن اعتباطيًا أن تُؤطر المبادئ التأسيسية للمحاماة بظهير ملكي، باعتباره أداة تأسيسية تعلو على منطق التدبير الظرفي، وتؤسس لتوازن مستدام داخل منظومة العدالة. ومن هذا المنظور، فإن التنظيم الذاتي للمحاماة شكّل، في حينه، تمرينًا مصغرًا على منطق الثقة وتقاسم السلطة داخل الدولة.
اليوم، وفي سياق لا يقل حساسية وإن اختلفت ملامحه، يبدو أن النقاش التشريعي حول مهنة المحاماة يسير في اتجاه معاكس. فبدل تعميق منطق الاستقلالية والمسؤولية، يبرز نزوع لإعادة ضبط المهنة بمنطق أمني وقائي، يتعامل مع الاستثناء باعتباره قاعدة، ومع الشك باعتباره مبدأً. والحال أن إضعاف المحاماة لا يحصّن الدولة، بل يُضعف أحد أهم وسائطها في إنتاج الشرعية وحماية الحقوق.
ولو كان العقل الأمني اليوم واعيًا بدروس التجربة السابقة، لأدرك أن تمكين المحامين من المبادئ القيمية للاستقلالية والحصانة ليس تهديدًا للاستقرار، بل شرطًا من شروطه. كما أن منطق توازي الشكليات يفرض نفسه بقوة في هذا السياق: فالمبادئ التأسيسية التي أُقرت بظهير ملكي لا يمكن نسخها أو تفريغها من مضمونها بنص تشريعي عادي، إلا بظهير آخر يرقى إلى نفس المرتبة ويحمل نفس الشرعية التأسيسية.
وعند الرجوع إلى تقديم مشروع القانون المتعلق بمهنة المحاماة، يتضح غياب أي تعليل دستوري أو سياسي يبرر المساس بهذه المبادئ. فلا حديث عن اختلالات جسيمة تهدد النظام العام، ولا عن ضرورة تاريخية تفرض التراجع عن استقلالية الدفاع أو حصانته، بل مقاربة تقنية ضيقة تتجاهل البعد الرمزي والوظيفي للمهنة داخل منظومة العدالة، وتتناقض مع خطاب الدولة نفسها حول الثقة، التفويض، والحكم الذاتي.
إن العلاقة بين التنظيم الذاتي للمحاماة والحكم الذاتي في الصحراء ليست علاقة تشابه شكلي، بل علاقة أدوار متبادلة واختبار مزدوج لنضج الدولة. فالدولة التي تدافع عن الحكم الذاتي باعتباره تعبيرًا عن ثقة سياسية في الفاعلين المحليين، مطالبة بأن تُجسد نفس المنطق داخليًا مع فاعلين مهنيين يفترض فيهم حماية الحقوق والحريات. ومن لا يثق في محاميه لتنظيم مهنته، يصعب أن يُقنع الآخرين بثقته في مواطنيه لتدبير شؤونهم.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يذكّر من يتجاهل دروسه. وما كان بالأمس مدخلًا للانفراج والانتقال السلس، قد يكون اليوم شرطًا لتفادي الانغلاق والتوتر. فاستقلال الدفاع لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان دائمًا أحد مؤشرات قوتها ونضجها.
* مصطفى المنوزي