على مسؤوليتي

الخطأ لا يُصلِح الخطأ: تفكير نقدي لمسار المبادرة التشريعية

نشرت

في

ألم نقل ” المحامون : من النضال الميداني إلى الكفاح المعرفي ؛ صفحة جديدة فتحت بحس مهني راق “كيف سيتحقق ذلك بعيدا عن الحروب الصغيرة الداخلية وتنازع الإختصاصات وتماهي المسؤوليات داخل دواليب صنلعة القرار؟ .

اليوم وبعد، أن تحقق بعض من رهانات المحامين ومن خلالهم المتقاضين وكل الوطنيين الغيورين على العدالة كموطن للإنسان ، وكذا الحقوقيين والأكاديميين المنافحين عن دولة الحقوق بالقانون ؛ علينا اليوم الإنتقال إلى السرعة الثالثة بتعميق النقاش سياسيا ومعرفيا ، لأن ما يجري ليس معارك شخصية كما يروّج له بعض الإعلام ، بل صراع ذو طبيعة دستورية ومؤسساتية يرتبط بمنهجية التشريع وبحدود تدخل السلطة التنفيذية في مهن منظمة تتمتع بالاستقلال الوظيفي، وهو ما يكشف خللًا أعمق في تدبير القرار القانوني العمومي.

فاختزال الخلاف في بعده الشخصي يحجب جوهر الإشكال المتمثل في غياب مقاربة استشارية مؤهلة تستحضر الأثر الدستوري والاستشرافي للنصوص، وتؤمن الأمن القانوني التوقعي. من هنا تبرز حاجة الدولة ومؤسساتها إلى تنصيب مجلس دولة ، وفق ما دعا إليه عاهل البلاد خلال إفتتاح السنة القضائية بتاريخ 15 دجنبر 1999؛ مجلس يقوم بدور المستشار القانوني الاستراتيجي، القادر على ترشيد التشريع، واستباق التوترات، وحماية الثقة في القانون بوصفه أداة استقرار وحكامة، لا سببًا للصدام أو التأويل الإعلامي السطحي ؛ وإلى ذلك وإلى أن تتبلور القناعة كاملة أيضا بضرورة تنصيب المجلس الأعلى الأمن طبقا لما ينص عليه الفصل 54 من الدستور ، بإعتبار ان الحكامة الأمنية تهم أساسا صناعة التشريع والعمل على التوقع والإستيباق ، خاصة في المجالات الحساسة كالأمن والحقوق والعدالة والمالية وتدبير الشؤون الدينية والخارجية .

قبل كل ذلك مع استحضار ، لابأس أن نساهم جميعا بالتفكير النقدي والتحليل الملموس للواقع المحسوس ، ونؤكد ، متوافقين ، بأنه لا خلاف في أن مبادرة تدخل السيد رئيس الحكومة لإيجاد مخرج للأزمة القائمة مع المحامين تستند، من حيث المبدأ، إلى أساس دستوري سليم، باعتباره المسؤول المباشر عن العمل الحكومي وضامن انسجامه. غير أن الإقرار بمشروعية الغاية لا يعفي من مساءلة الوسيلة، لأن النوايا الحسنة، مهما بلغت، لا تُغني عن احترام الشكل والمسطرة، ولا تُحصّن القرار من مخاطر الانزلاق الدستوري.

من هذا المنطلق، يبدو أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في حق التدخل، بل في كيفية هذا التدخل. ففي تقديرنا ، ولا ندعي مصلحة في الإبطال ، كان الأجدر برئيس الحكومة، وضمن اختصاصاته الدستورية، أن يسلك المسار الطبيعي بعرض النص المصادق عليه داخل المجلس الحكومي على مجلس النواب طبقًا للفصل 92 من الدستور، ثم، عند الاقتضاء، سحبه وفق مقتضيات المادة 184 من النظام الداخلي لمجلس النواب. عندها فقط كان يمكن القول إن الأزمة دُبّرت داخل القنوات الدستورية السليمة، ومن دون تحميل أي مؤسسة ما لا تحتمله من مسؤوليات.

غير أن اختيار مسار بديل، وإن كان مفهومًا من زاوية الحرص على عدم إحراج وزير العدل سياسيًا، والحفاظ على ماء الوجه وتفادي التصعيد، إلا أنه يظل مسارًا محفوفًا بمخاطر قانونية ودستورية صامتة، لأن المجاملة السياسية لا يمكن أن تعلو على منطق الاختصاص.

ويبرز هنا سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه ، بل يحتاج إلى تشريحه ونقده إيجابيا لكل غاية قانونية مفيدة أوسياسية حتى ! .

إذا تم التوافق مع جمعية هيئات المحامين حول نص جديد، فمن هي الجهة التي ستعرضه وتدافع عنه أمام مجلس النواب في حال استمرار رفض وزير العدل؟.

هذا السؤال يكشف بوضوح أن الإشكال تجاوز بعده التفاوضي أو التقني، وأصبح إشكال مسطرة واختصاص، أي إشكالًا دستوريًا بامتياز.

وانطلاقًا من ذلك، يصبح التفكير في تصحيح المسار ضرورة لا ترفًا، عبر العودة إلى المسطرة الدستورية السليمة، بما في ذلك عرض النص السابق ثم سحبه وفق القنوات القانونية، ليس تعقيدًا للأزمة، بل وقاية منها. لأن الخلل هنا لا يكمن فقط في وجود إشكال، بل في الغموض المحيط بالجهة المختصة بإبطاله أو تصحيحه لاحقًا، وهو غموض قد يضع حتى القضاء الدستوري أمام وضعية حرجة ، ناهيك عن تصريحات رسمية تشيد بدور السلطة القضائية والنيابة العامة في دعم المبادرة التشريعية ، وهذا من شأنه إثارة سؤال الحياد والمسافة الضرورية ، وإن اقتضى الحال مبدأ فصل السلط والتجريح المسطري أو ما يسمى بالتنافي أو شبهة الإنحراف والإنحياز المحظورة .

قد يُقال إن هذا النقاش لا يحقق مصلحة مباشرة للمحامين، غير أن الواقع يفرض غير ذلك. نحن أمام مسألة تمس النظام العام الدستوري، وأمام وضعية يتعايش فيها عمليًا نصان بدل نص واحد، وهو ما يفرض ترجيح قاعدة الوضوح على منطق الاتفاق الغامض.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في استمرار النقاش اليوم، بل في ترحيل الأزمة إلى مستقبل مجهول، حيث قد تعود بأشكال أكثر تعقيدًا. لقد تحولت المعركة، موضوعيًا، من نزاع مهني-اجتماعي إلى إشكال قانوني-دستوري، وهو تحول نوعي يفرض الوضوح والمسؤولية بدل المعالجات الالتفافية.

صحيح أن هناك إرادة سياسية معلنة لحل الأزمة، لكن التجربة الدستورية علمتنا أن الإرادة السياسية، مهما كانت صادقة، لا يمكن أن تحل محل الشرعية الإجرائية. فالرضى، وإن كان ركنًا من أركان صحة التعاقد، لا يكفي وحده، إذ لا بد من استكمال ركن الشكل والمسطرة، وإلا ظل أي توافق تحت طائلة الطعن والبطلان.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال محاولة فرض سياسة الأمر الواقع عبر التلويح بالاستقالة، وهي ورقة سياسية لها رمزيتها، لكنها تُستعمل في زمن سياسي خاص، هو الهزيع الأخير من الولاية التشريعية، حيث تضيق هوامش المناورة، وتتعقد حسابات الإعفاء والاستقالة مع اقتراب الزمن الانتخابي ؛ أي في سياق اقتراب الاستحقاقات، حيث تميل الأحزاب المهيمنة كمياً إلى تدبير مواقع النفوذ الإداري باعتبارها امتداداً لرأسمالها السياسي، خاصة في القطاعات ذات الحمولة الرمزية مثل القضاء وحقوق الإنسان. فهذه القطاعات لا تنتج فقط سياسات عمومية، بل تنتج أيضاً “سرديات” حول صورة الدولة داخلياً وخارجياً. ومن ثم، يصبح التحكم في مفاصلها الإدارية جزءاً من إعادة توزيع موازين القوة قبل الانتخابات ، مما يفرض استحضار أن هذا الزمن الانتخابي يفرض التنبيه إلى ضرورة تحصين المعركة المهنية للمحامين من أي توظيف انتخابي انتهازي، سواء من طرف المعارضة أو غيرها. فالمطلوب هو الاستمرار في معركة مشروعة، مع اليقظة من السقوط في منطق “الغاية تبرر الوسيلة” ، وفي سياق تضخم الخطاب الأخلاقي لدى من يؤهلون أنفسهم حكماء ، أو يرتشحون وسطاء لمهام طارئة .

وعليه، فإن قرار تجميد إحالة المشروع على البرلمان يُعد مكسبًا مرحليًا مهمًا، لكنه لا يكتمل إلا باشتراط تصحيح المسطرة وشرعنة مسار التسوية المفترضة، على أساس حسن النية واحترام الدستور، لأن الخطأ، مهما كانت دوافعه، لا يمكن أن يُصلِح خطأً آخر. قد يؤاخذ البعض على الموقف النقدي الإحترازي الحالي ، والمعتبر مجرد عصف ذهني منفعل ؛ بأنه يركز على الجانب الشكلي والقانوني، متجاهلاً بشكل شبه كامل ديناميكيات القوة الفعلية؛ على اعتبار أن التفاوض المباشر مع رئيس الحكومة هو اعتراف مؤسستي بثقل المحامين وقوتهم التفاوضية، وهذا “المكسب المرحلي” (تجميد الإحالة) قد يكون أهم من “شرعية المسطرة” بالنسبة للمحامين كطرف في النزاع ؛ لذلك قد.نتفق والحالة هاته ولكن شريطة الإستفهام ( لكي تطمئن القلوب احترازا ) : هل تم إعداد بديل عقلاني و عملي قابل للتطبيق لفائدة المحامين ؛ أو من طرف جمعيتهم العتيدة والصامدة ، في حال فشل المسار “السليم” في تحقيق مطالبهم؟ .

وكاستنتاج أولي عام ، ومن باب الإحتياط التأكيدي ، كانت الغاية المنهجية من بسط هذا الموقف النقدي هي طرح السؤال الأهم تشاركيا : كيف نبني حلولاً للأزمات السياسية والاجتماعية تكون في نفس الوقت فعالة ومستدامة، أي تحقق الغاية (حل الأزمة) مع احترام الوسيلة (الدستور والقانون)؟.

من هنا وجب الحرص والدعوة – مع استحضار مقاربة أننا نجحنا مبدئيا ولكن دون أن ننتصر – إلى أن تكون الشرعية الإجرائية هي الضامن الوحيد للشرعية السياسية، محذرًين من أن أي حل يتجاوزها لن يكون سوى ترحيل للمشكلة وليس حلاً لها ؛ في ظل حروب ” تشريعية “صغيرة ، عمودية وعرضانية أفقية ، فيما بين تيارات تتمثل (تنافسيا ) منطق الإكتساب تارة ، أو منطق الإستقطاب تارات أخرى ؛ تتجلى أوقاعها ( جمع وقع ) الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في طريقة التشريع للمدونات ذات النفحات أو الأبعاد الأخلاقية والأسرية والمالية والجنائية والأمنية ، وفي هذا السياق : هل سيلقى قانون المحاماة والقوانين المنظمة للمهن القانونية الحرة ، نفس مآل مدونة الأسرة والتي تخضع لحرص شديد للتوزان الأمني التشريعي بين التجديد والمحافظة ، بصرف النظر عن الحسم تشريعيا مع القوانين المهيكلة ذات الصلة كالتنظيم القضائي والمسطرتين الجنائية والمدنية ؟ .

انقر للتعليق

الاكثر مشاهدة

Exit mobile version